-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مواليد جُدد بأسماء "عرجونة" و"التالية" و"خضرة"

أطفال من الجيل الجديد يدفعون ثمن اختيارات أوليائهم

نادية سليماني
  • 1009
  • 0
أطفال من الجيل الجديد يدفعون ثمن اختيارات أوليائهم

يُسيءُ كثير من الأولياء اختيار أسماء أطفالهم، متسبّبين لهم في معاناة نفسية ومشاكل اجتماعية مستقبلية، خصوصًا في ظل تفشي ظاهرة التنمر بين الأطفال والمراهقين، والمشكلة أن تغيير الاسم لاحقًا يتطلب إجراءات إدارية طويلة ومعقدة، ما يجعل حسن الاختيار منذ البداية مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الوالدين.

شهدت الجزائر في السنوات الأخيرة، انتشارًا لافتًا لأسماء “عصرية” متأثرة بالدراما التركية والسورية أو بأسماء المشاهير الأجانب، مثل ليليا، لميس، آيلا، كينان، نادين، ريان.. وأصبحت الأسماء المتداولة في رياض الأطفال “غريبة” غالبا عن الثقافة والهوية الجزائرية، حسب تصريح المُربّين. وباتت أيضا “صعبة النطق والحفظ” على الأجداد.

زرمان: الاسم غير المُناسب يدخل الطفل في متاهات نفسية

وفي المقابل، لا تزال بعض العائلات متمسكة بتقاليدها القديمة، فتختار أسماءً من زمن الأجداد مثل كايداهم، فطومة، عرجونة، عواوش، الزانة، العلجية، خضرة، حدة والتالية.. لأبنائهم، رغم أنهم من مواليد الألفينيات.

الوفاء للأجداد.. عُقدة للأطفال

وتحرص بعض العائلات على إطلاق أسماء “قديمة جدًا” على مواليدها الجُدد، وفاءا للأجداد الرّاحلين أو نزولًا عند رغبة الأحياء منهم أو تيمّنا بهم، وإن كانت هذه الظاهرة قليلة، ولكنها موجودة إلى اليوم في مجتمعنا، وهو ما كشفه لـ “الشروق” أحد موظفي بلدية درقانة بالعاصمة، والذي أكد أنه بالرغم من وجودنا في سنة 2025 ولكن عادة إطلاق أسماء الأجداد على المواليد الجدد لا تزال موجودة، ومنها مثلا أسماء كايْداهم، التالية، عرجونة، فطومة، عواوش، جقجيقة، الزانة، علجية، خضرة، مسعودة، حدة وتواتية.. التي يضاف إليها غالبا اسم ثان عصري.

وأضاف: “أذكر أنه منذ 5 سنوات تقريبا جاءنا أب ليسمّي ابنه الجيلالي على اسم جده وبدون إضافة اسم ثان له، ورجل آخر سمّى ولده لخضر.. !

ويؤكد مُحدثنا، أن كثيرا من الموظفين في الحالة المدنية، يتردّدون في تسجيل هذه الأسماء في الدفاتر العائلية، إلا بعد التشديد على الوالد بأنه يريد هذا الاسم فعلا لمولوده الجديد، وقال: “كثير من الآباء يعودون إلينا مساءا أو في اليوم الموالي، يطلبون تغيير الاسم تحت ضغط من الأم أو العائلة الكبيرة”.

تلاميذ عرضة للتنمر بسبب أسمائهم

وحتى سمعنا عن نساء أعمارهن فوق الخمسين، ومازلن “حاقدات” على عائلاتهن، بسبب أسمائهنّ التي لم يتقبلنها إلى اليوم، ومنهن سيدة من مدينة تيزي وزو والتي غّيرت اسمها في وسطها العائلي وبين أولادها من “فطومة” إلى “دليلة”، مؤكدة أن جدتها هي من فرضت على والدها تسميتها بالاسم الأول، وهي لم تتقبل هذا الاسم إلى اليوم، على حد قولها.

ومن جهتها، كشفت “سليمة” وهي أستاذة في التعليم المتوسط بمدينة خميس مليانة، بأن كمية التنمر التي يتعرض لها الأطفال ذوو الأسماء القديمة “كبيرة جدًا” حيث يسخر زملاؤهم من أسمائهم، مما يترك آثارًا نفسية عميقة في نفوسهم.

أسماء لإبعاد الموت وأخرى للتبرك بالأضرحة

والمؤسف، أن بعض العائلات خاصة في المناطق الداخلية، لا تزال متمسكة بعادة إطلاق أسماء “تشاؤمية” على أبنائهم، بدافع الخوف من موت ذلك الطفل أو تعرضه للحسد، أو إتباعا لإرشادات العرافين، وهو ما يجعل أسماء مثل المطيّش، المطيشة، معيوف.. منتشرة في القرى والأرياف، وهي أسماء يعتقد أنها تبعد عن الطفل “عين الموت”.. ! وهذه المعتقدات القديمة تُخلّف اليوم صراعات داخل العائلات، وأبناءً يرفضون أسماءهم حين يكبرون. وآخرون يتبركون بالأضرحة، فيطلقون على أبنائهم أسماء ” أولية صالحين” حسب اعتقادهم، ومنها معمر، أعمر، بوبغلة، قادة.. وغالبية حاملي هذه الأسماء اضطروا لتغييرها لاحقا.

“يقدسون” التقاليد على حساب الطفل

ومن جهته، يرى المختص النفساني، حسام زرمان، بأن كثيرًا من الأولياء لا يراعون الجانب النفسي عند اختيار الأسماء، بحيث تعتبر العادات والتقاليد عندهم أهم من راحة الطفل، بل إن البعض ” يقدس” التقاليد ويعتبرها من الدين. وهو ما يجعلهم يصرون ونحن في هذه الألفية، على تسمية الابن البكر خصوصا على اسم الجدّ، ولا يمكنك مناقشته في ذلك، وهو ما يتسبب في تضييع هوية الطفل النفسية والاجتماعية، بسبب تغير العصور والذهنيات.

وأضاف المختص النفساني لـ ” الشروق”، بأن اختيار الاسم ” ليس مجرد مسألة ذوق أو عاطفة، بل قرار مصيري يرافق الإنسان طوال حياته” خصوصا في ظل انتشار ظاهرة التنمر بين الأطفال والمراهقين، بحيث أصبحت بعض الأسماء سببًا في عقد نفسية وإحراج اجتماعي، في حال كان اسما قديما أو غريبا عن بيئة الطفل، على حد قول محدثنا، والذي أكد، أنه مع تعقّد إجراءات تغيير الاسم قانونيًا، يجد الكثير من الشباب أنفسهم أسرى لاسمٍ يثير سخرية الآخرين أو لا يعكس شخصيتهم.

يجب أن يجمع الاسم بين الأصالة والقبول الاجتماعي

ويتأسف حسام زرمان، كون العديد من الأولياء “لا يعيرون اهتمامًا للأثر النفسي للاسم، والذي يعتبر الهوية الأولى للإنسان، وعُنوانه في المجتمع، لذلك من الضّروري أن يجمع الاسم بين الأصالة والقبول الاجتماعي، فالاعتزاز بالتراث لا يعني إعادة إنتاج أسماء تُسبب الألم لحاملها، كما أن الانبهار بالثقافات الأجنبية لا يُبرر التخلّي عن الجذور”.

وختم محدثنا، قائلا بأن الاسم الجميل المتزن، يعتبر أول هدية يتلقاها الطفل من والديه، فأحسنوا اختيار الأسماء.

القانون يسمح.. لكن الإجراءات مُعقدة

وبدوره، يؤكد المُهتم بالقانون، إسلام ضيافي أنه تلقى مؤخرًا استشارة من فتاة تبلغ 19 سنة تُدعى “عرجونة”، طلبت معرفة الإجراءات القانونية لتغيير اسمها بعدما سبب لها إحراجًا نفسيًا كبيرًا.

ويشرح ضيافي، بأن المادة 55 من قانون الأحوال المدنية تتيح للمواطن تغيير الاسم، لكن ” الأمر ليس سهلاً، لأنه يستدعي تعديل كل الوثائق الرسمية”.

والإجراءات تكون بتقديم طلب، مرفقا بأسباب مقنعة للتغيير، إلى وكيل الجمهورية أو رئيس المحكمة، ويفضّل أن يتضمن الطلب تقريرًا من طبيب نفساني يُثبت الأضرار النفسية الناتجة عن هذا الاسم.

ويشير ضيافي إلى أن معظم الملفات التي تصل المحاكم تتعلق بأسماء قديمة اختارها الأولياء تيمّنًا بالأجداد، ليجد الأبناء أنفسهم لاحقًا في حرج كبير ويرغبون في استبدالها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!