أطلت القدس.. فانزوت الخفافيش
نفخوا بكل سمومهم في مفاصل الأمة ليفرقوها شعوبا وقبائل وطوائف وجهات.. ملأوا حياتنا أرقا وقلقا وهما وغما.. وأشغلوا مجتمعاتنا بالقيل والقال في دائرة الفتن والتنابز بالألقاب يفرقون الأخوة ويصدعون بنيانها.. واعتلوا المنابر وشمروا عن السواعد وهرولوا إلى كل مفسدة، رافعين رايات الدفاع عن دين الله والفرق الناجية.. خفافيش ليل لم تقف نيران شرها عند حدود إفساد العقول والضمائر وقلب الحقائق وإبراز السقيم المعلول من القول والمواقف بل امتد أذاهم إلى الفتيا بالقتل والتدمير والتخريب وشنوا حربهم على أجزاء الأمة ولم يراعوا في المسلمين إلّا ولا ذمة..
هذه خفافيش متوحشة مؤذية كان الأولى بها الانزواء والانسحاب من حياة الناس. فلنا في بلداننا ما نعمل من بناء وتعليم ومواجهة عدو الأمة المدجج بالسلاح والمؤامرت.. هذه خفافيش متوحشة قاتلة بل هي أشد من القتل وأكبر من القتل لأنها تبذر بذور الشر والسم في الليل وفي خفية من العقل والنور ففرقوا الأمة قوميات وجهويات ومذاهب وطوائف فكانوا ألدّ أعدائها.. وبحجة التصدي للبدع دمروا الفرائض وأي فريضة أولى من الوحدة؟ وبحجة التصدي لمن اختلف معهم في الاجتهاد والرأي ارتكبوا الكبيرة بتشريع القتل والتكفير.. هم المتفذلكون بكلمات متقطعة وبأقوال رجال في مراحل التخلف والتردي.. هم معرقلات حقيقية تقف دون انبعاث الأمة وانطلاقها نحو نهضتها وكرامتها وعزتها وهم الوصفة السحرية لتشتت الجهود وتبديد الطاقات.
وفعلت هذه الخفافيش فعلها في الظلام وأي ظلام أقسى من الجهل وعدم المعرفة واستغلوا النتف من كلمات موقوتة بزمانها وظروفها ومواقف تاريخية تحسب على من اتخذها في ملابساتها وذهبوا إلى الترويج للكراهية والفتن والتفرقة والأحقاد بمصطلحات شرعية فيما هم ينسلون من معاني القرآن وروحه وسنة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتوجيهاته ولا يراعون له حرمة وكأن لنا كتابا آخر وكأن لنا نبيا آخر وكأن لنا إلها آخر.. فضربوا الأمة في صميمها فتفجرت مزقا تتقاتل وتتذابح تحت عناوين قومية ومذهبية فهل من وصفة أسوأ منهم لعرقلة أمتنا وإبقائها في دائرة التخلف والتبعية؟
ولكن لطف الله بهذه الأمة ووعده بحفظ رسالته هو الذي ينتصر وليس فساد المفسدين والمخربين.. إن لطف الله ووعده بحفظ الرسالة يتمثل واقعا فكانت فلسطين البوصلة والترموتر ومقياس ريختر.. كانت فلسطين هي المنبه والمصحح المجمع عليه في وجدان الأمة وضميرها.. وكان القدس العصب المركزي في مشاعرها الذي بمجرد إثارته تتساقط كل الدعوات الجانبية وتتساقط كل النعرات الجاهلية وتنزوي الخفافيش بإثمها بعيدة عن مسرح الحياة.
أطلت القدس.. ليعلن الكل الفلسطيني أنه واحد موحد في قضية لا ينبغي التحدث في حضرتها عن الانقسام.. أطلت القدس لتتحرك قوى الأمة وشعوبها ونخبها المتعددة في اتجاه واحد.. وفي الرياضيات تدلنا الحكمة أن وحدة الاتجاه تجعل المحصلة مجموع القوى بالإيجاب وأن توزع الاتجاهات يجعل المحصلة تدمير مجموع القوى وتفتته ولا يبقى منها إلا الخسران.. تولانا الله برحمته.