الرأي

أعاصيرهم مُعرّفة وأعاصيرنا نكِرة؟

الشروق أونلاين
  • 2508
  • 3

عندما أتت النيران على الآلاف من الهكتارات الغابية خلال الصائفة الماضية، في كارثة بيئية قد لا تكفي قرون للملمة نزيفها الأخضر، اتصل مراسل الشروق اليومي من إحدى الولايات الغابية بمدير الغابات، ليسأله عن حجم الفاجعة وعن رقم هكتارات الغابات التي دمّرتها النيران، فتأسف لعدم معرفته بحجم الكارثة لأنه في عطلة، وكان واضحا أنه انزعج من السؤال المحرج أكثر من انزعاجه لهول المصيبة، ولا نقول تألمه للدمار الذي أتى على الأخضر والأخضر أيضا.

حيث ابتلع الحريق على مدار أسبوعين آخر ثروة طبيعية يمكنها أن تصمد بعد أن تجف آبار النفط خلال بضع سنوات، ولم نسمع وزير الغابات والبيئة حينها، ولا أي مدير ولائي للغابات أو البيئية يجتمع أو يقول أو يجتهد أو ـ على الأقل ـ يتنهد ويذرف دمعة على المصيبة، التي قضت على آلاف الهكتارات التي عرقت أجيال عبر قرون لتحويلها إلى غابات كثيفة منعت الشمال الجزائري من مصيبة التصحّر، ومرت الكارثة، ونكاد نجزم بأن المسؤولين على الغابات نسوها بعد أسابيع قليلة من حدوثها، بدليل خلو البرامج الولائية والحكومية المختلفة من مشاريع التشجير الكبرى وسط الزحف الإسمنتي، الذي يكاد يكون دليلا على أن أطرافا فاعلة ساهمت فعلا في هذا الإعصار الناري المدمر، الذي لم يُطلق عليه أي تسمية.

وعندما بدأت الأعاصير تطل على الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، أعطتها بُعدا عالميا، وأطلقت عليها الأسماء التي يحفظها الجميع من إعصار كاترينا إلى إعصار ساندي، وصارت كلما هبّت عاصفة على شواطىء الولايات المتحدة كلما دخل الرعب قلوب الناس أجمعين، خاصة أن رئيس أكبر دولة في العالم ألقى خطابا تحدث فيه عن إعصار ساندي، وألغى حملته الانتخابية، ودقت الكنائس نواقيسها، وهبّ الأمريكيون كرجل واحد إذا اشتكى عضو فيه في ساحل نيويورك تداعى له بقية الجسد من ميامي إلى آلاسكا بالألم والحمى، ونسي الأمريكيون السياسة والرياضة وخلافاتهم الدينية والعرقية والاجتماعية، وأقنعوا العالم أن يعيش ألمهم الذي هو بالتأكيد لا يطاول ألم الجزائريين، في زلزال بومرداس أو طوفان باب الواد أو سنوات الجمر، أو عاصفة النار التي يتّمتنا وشرّدتنا بيئيا منذ بضعة أسابيع، في الوقت الذي يتواصل عندنا السعي لبلوغ الكرسي من كل المنتخبين والمديرين التنفيذيين والوزراء الذين سمّوا كل شيء باسمه وبغير اسمه، إلا هاته المصائب التي بقيت من دون ألقاب ولا تعريف، كالأبناء اللقطاء الذين لا يجدون من يتكفل بهم.

لقد تمكنت أمريكا من أن تجعل العالم بأسره ينشغل بمآسيها منذ الحادي عشرة من سبتمبر، التاريخ العالمي الذي يحفظه الناس أكثر من تواريخ ميلادهم، وأن تجعل العالم يردّد أسماء كاترينا وساندي كما يردد أسماء رموزه، وهي الآن بصدد إعادة إنجاز قاموس جديد للمصائب والكوارث والأفراح، على الطريقة الأمريكية التي تقول وتفعل، بينما تبقى مآسينا نِسيا منسيا، لا فعل فيهاولا حتى قول.

مقالات ذات صلة