أعطوا لقيصر ما لله!
جاء زمن “التبراح” غير المباح، كما كان يحدث مع “تيليطونات بحباح المرتاح”، من أجل التبرع للعراق قبل الاكتساح، أو لبناء ديار الرحمة والسكن بلا مفتاح أو حتى لفلسطين وشعبها المناضل بالحجارة قبل السلاح أو حتى قبل أشهر من خلال الاكتتاب لبقرة جفّ ضرعُها من فرط التحلاب من غير أيدي الفلاح، برَّح كثير من رجال الأعمال بمبالغ على الهواء، وذهبت كثير من الأموال في الهواء “في خاطر” الدولة وما أنفقت عليهم من قروض، والحكومات وما أنفقت عليهم من نقود، وفي خاطر السياسة وما قوت لهم من نفوذ..
وها هي مرة أخرى تبعث الضائقة المالية في شكل ربو موسمي، نتمنى ألا يكون مزمنا، بل مجرد ضربة برد نتعافى منها مع 2017، مع ارتفاع حرارة النفط وصقيع سعيره، ويبدأ المستفيدون في التبراح أحيانا بلا دراهم صحاح، المهم أن يعبِّروا لوليَّة نعمتهم، بأنه عليها دين، فيسارع البعض إلى التنازل عن جزء من أجره طمعا في ثواب دولته وليَّة نعمته، فيما يذهب آخرون إلى أن اقتراحا يقضي بتبرع النساء الموظفات الإطارات براتبهن، جزئيا أو كليا للخزينة، خاصة إذا كن متزوجات، لأن المتزوجة لها “بعل”، أي “بغل” يعلًفها به، أما راتبها، فهي كمسلمة تريد أن تكون كأي “مسلم” ـ ولو غير وزيرة ـ حرة في راتبهاـ تنفقه في ما تشاء: على والديها أو على نفسها أو على خزينة دولتها!
هذا الاقتراح حرَّك كثيرا من المواجع الذكورية قبل النسوية!
نمتُ على هذا اللهث وراء التبرُّع للخزينة، لأجد نفسي مواطنا مزلوطا، أنهكه الإفقار والإفلاس والطرد من العمل وغلاء “الأصعار” وحرائق النار التي لهبت في كل دار ودوار.. مواطن أكلته الغيرة على خزينته العمومية التي بات الريح يعوي فيها بعد المجد والحمد والعدّ وكثرة الجبذ وقلة المدّ والزهد.. مواطن يتمنى أن يرى بلاده مزدهرة تنعم في رغد العيش، والجميع سواسية في الحقوق ولو اختلفوا في المناصب والواجبات، عمل لكل مواطن، مواطن يعمل لا يتعامل مع العمل على أنه راحة من الراحة، رغبت في أن أساعد أنا الآخر بلدي لكي تمرّ بمحنتها ويتعافى جيبُها الاقتصادي والسياسي بعد الخروج من النفق الخانق واستنشاق هواء غير ملوّث بأوكسيد كربون السنين الغابرة. في الواقع كنت أنوي التبرع بملغ زهيد بحسب ماهيتي الشهرية التي لا تزيد عن “السميق” وأنا أب لـ”دوز صالوبار” وأنا كبيرهم! لا أحد يعمل والكل يأكل، ولا يأكل إلا الفريت والستيك! وكل واحد يحسب روحك بوقوص ولا يأكل إلا البوطوص لهذا أنا دائما مدان بأكثر من المرتب، كنت أنوي أن أتبرع للخزينة بـ “صان ميل”، وأنا من النوع الذي يحب أن يفعل بخياره (وبصله) ما يرغب أن يفعله، لا أن تُلوى يده ويُرغم على أن يفعل ما يرغب فيه، فضلا عما لا يرغب فيه!
كنتُ أنوي، ومن نوى فكأنما فعل، لكن، يا للعجب، فوجئت بخصم نصف المرتب: من عندهم بلا ما أحد يسوّلني أو يأخذ برأيي وإذني! بل أخذوه كما لو أخذوني من “أُذني”! قلت لهم: من قال لكم تبرّعوا في مكاني بنصف مالي؟ ولمن؟ قالوا لي: تبرَّعنا بها للدولة لكي تتبرَّع بمساعدة لصرف أجور فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة!
رميتُ عليهم “هيدروة”، بيها بزبلها، وقلت لهم: والله غير نتبرَّع بما تبقى لإسرائيل! أشّح!
وأفيق وأنا أضحك وأنبح وأعوي، بفعل سعالٍ ديكي!