منوعات
لخضر بن يوسف في حوار لـ"الشروق":

“أكتب كي أشعل قناديل الأمل وأستعيد ذاكرة منسية”

حاوره: محمود بن شعبان
  • 349
  • 0

من مدينة “عين الحجل” بولاية المسيلة، برز اسم الكاتب والشاعر لخضر بن يوسف كصوت أدبي وثقافي متميز في الساحة الوطنية، حيث جمع بين الكتابة الفكرية، الأدبية، التوثيقية، الصحفية، ليجعل من قلمه منبرا للأمل، ورسالة للمجتمع، وصوتًا للإنسان المهمّش، في هذا الحوار مع جريدة “الشروق”، يتحدث لخضر بن يوسف عن إصداراته، رؤيته للواقع، مشاريعه المستقبلية، رسالة الكاتب في زمن الأزمات.

نبدأ من كتابك “بين وقع وصدى حار فكري”، ما الذي أردت ايصاله إلى القارئ؟

كان هذا الكتاب بمثابة ترجمة لفلسفتي الخاصة في الحياة، وملخّص لتجارب مررت بها وواجهت فيها تحديات كثيرة، حاولت من خلال هذا العمل أن أوجه رسائل لكل من سيطر عليه الإحباط أو اجتاحته غيمة التفكير السلبي، أردت أن أقول إن الحياة مستمرة، وإن الأمل لا يزال ممكنا، وبالتالي فإن هذا العمل هو دعوة للنهوض والتشبث بالحلم.

وماذا عن كتابك الثاني “مسار الحقيقة الدائر في رحى الواقع”؟ يبدو أن له طابعًا مختلفًا؟

نعم، هذا الكتاب مشروع ثقافي إبداعي يحمل فكرًا قيميًا بأبعاد اجتماعية وإنسانية. صدر هذا العمل عن دار ساجد للنشر والتوزيع ببسكرة، تندرج ضمنه مجموعة من النصوص والمقالات، تمازجت بين الشق الإبداعي والتفاعل مع الواقع، وخُطت بمداد قلم شاب، يحاول التأسيس من خلال هذا المشروع الثقافي الإبداعي، لفكر قيمي ذي أبعاد اجتماعية وإنسانية. “يضم مؤلفي كتابات ونصوص تعالج أسئلة كثيرة موجعة، تنكأ جراحات الواقع، وتفتح نافذة الألمِ، والإجابة عنها أشد إيلاما، فالعين الراصدة لانكفاء مجتمعاتنا وتدهور أحوالنا المعيشية، تجد أن الكثير من الظواهر السلبية بدأت تتنامى، وتأخذ شكل سمات مميزة”، فالكتابة هي فرصة قد تتاح مرة واحدة في العمر للانتصار لهذه الذات التي مرت عبر تجارب حياتية، فيها من الجمال والجنون والقسوة واليأس ما يستدعي تدوينها، لكنها لا تشكل أبدا درسا نموذجيا للآخرين، فهي في النهاية انتساب إلى الحب والنور والسلام، واختبار مدى استحقاقنا لحياة ليست دائما سهلة أو متاحة، امتحان قاسٍ، لكنه شديد البهاء، يستحق أن نعيشه ونصاب بآلامه، ونتفاءل بها، وقد حاولت من خلاله تأسيس وعي جديد، ينطلق من رصد الواقع وتفكيكه، وليس فقط البكاء على أطلاله.

هذا الكتاب حصيلة الكتابة الأسبوعية لأكثر من سنة، في مختلف المواقع والفضاءات الإعلامية والصحفية، وهي، في مجملها، تتطرق للظروف والمتغيرات على أكثر من مستوى ومؤسسة تارة، وتارة أخرى للفكر وتشعباته وصلاته، أو قضايا وأزمات اللحظة الراهنة، يفرضها في مجمل الأحوال الالتزام الأسبوعي بالكتابة، لكنها لا تعدم من جانب آخر، القدرة على لملمة الخيوط، ومن ثم جعل الكتاب يفصح عما يود قوله من أفكار حول جملة القضايا المطروحة حتى لو لم تكن المسارات متشابهة سواء على مستوى المواضيع، أو التناول والإجراء، وما تراكم من قراءات واطلاع حتى جاء الوقت الذي سفحت فيه مياهها في تلك المقالات كيفما اتفق، وفي تفاعل مع الكتابة أيضا، نحن “لم نكن نقيم في عالم وردي قبل إطلالة “كورونا”، والصحفي دفتر آلام في الأيام العادية، فكيف حين تجتمع النوائب؟! كما لم يكن العقد الماضي بسيطا ولا سهلا ولا لذيذا، وطالما شعرت أنني أمارس في الصحافة دور حفّار قبور، إذ كنت أتدخل في غالب الأيام، لأعثر على مكان في الصفحة الأولى، لمذبحة جديدة أو مقتلة واسعة!”

لقد كانت لك أيضا تجربة مع التوثيق، حدثنا عن “ومضات حوارية” و”سيرة المجاهد قادة بن يطو”؟

كتاب “ومضات حوارية مع أقلام شعرية واعدة” كان توثيقًا لحوارات أجريتها مع شعراء شباب من مختلف ولايات الجزائر، حرصت على إبراز مواهبهم، وتشجيعهم على الإبداع، وإعطاء قيمة للأدب الجزائري الفصيح والمعرب.

كان هذا الكتاب، أول إصدار كبداية ولوجي عالم التأليف من دار النشر يوتوبيا بتيارت وهي لحظة جميلة، ساعةَ توصلي إلى إنجاز كتاب توثيقي “ومضات حوارية مع أقلام شعرية واعدة”، فجمعت موضوعاته، وقدمتها في أحسن صورة، كما حرصت على التوثيق لما حبَّره قلمي البسيط، مما لا يدعو مجالا للشك، أني متأكد تمام الثقة، أن هذا العمل البسيط والمتواضع له دلالات وأبعاد عديدة، منها تشجيع المؤلفين والمبدعين الشعراء والشاعرات على الاهتمام بالخطاب الأدبي الشعري الجزائري، خاصة فصيحه ومعربه، والعناية بكتابات الجزائريين المنتمين إلى أصقاع جزائرية عديدة، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا وإن تعددت الموضوعات، وتنوعت الأجناس، واختلفت المناسبات، كما يضم الكتاب، “حوارات مع كتّاب شعراء شباب من نخبة الجزائر المجيدة، يبعث في القراء روح المتابعة، وإذكاء روح التنافس بين الأقلام الشابة التي تبدع بأناملها حرف القصيد المتوهج كي تنتعش الساحة الأدبية والثقافية الإبداعية الجزائرية الأدبية، برؤية جديدة معاصرة لا يشق لها غبار، يَمُجُّ سواد قلمها في بياض، ما يمهِّد للخطو بالعمل الذي يقدمه مدارج الارتقاء به من دون كلل أو ملل، بحذق لافت، وذكاء وقّاد، ولغة مشرقة البهاء، ومنهج لا يُعلى عليه دقة وإحكاما”.

أما كتاب “عبد القادر بن يطو… التاريخ المنسي والحاضر المقموع”، فهو سيرة تفصيلية لمجاهد جزائري شارك في حرب أكتوبر 1973 ضد الكيان الصهيوني، وسيرة لمحارب جسور، وواحد من ضبّاط الصّف الذين جنّدوا خبراتهم وأفنوا حياتهم من أجل الدفاع عن أوطانهم وكان لهم فضل كبير في تحقيق أكبر انتصار عربي (حرب الشرق الأوسط 1973)، تحكي حياة المجاهد عبد القادر بن يطو في حرب أكتوبر، معاركه، رحلاته، خبرته، وخلاصة تجاربه القتالية في عدّة ميادين، وعلى مختلف الجبهات في الحرب التحريرية التي خاضها العرب ضد قوى الشّر إسرائيل بين الأعوام 1973 و1975 وهي خلاصات لطبيعة المعارك وتفاصيلها الميدانية وأسبابها وما تحقّق فيها من نجاحات وفشل، فضلًا عن الإطلال على جوانب مختلفة لبطل العسكرية الجزائرية الوطني وأحد رموزها الخالدة وحياته الشخصية”، حيث حمل الكتاب شهادات مثيرة وثّقت فيه، وسلطت الضوء على رجل من طينة الكبار ظلّ في الظل، رغم تاريخه البطولي، وقد جاءت فكرة الكتاب من قناعة أن التاريخ لا يجب أن يُمحى أو يُنسى، خاصة إذا كان بحجم بطولات بن يطو.

تناولت في أحد كتبك الحراك الشعبي المبارك، كيف عالجت هذه التجربة؟

في كتابي “22 فيفري وقمنا نسطّر مجدا”، حاولت أن أوثق لحظة وعي شعبي استثنائية، أجمع العالم على أنها صدمة للوعي الجزائري، رأيت أنه من واجب المثقف أن يكون حاضرا في هذه المشهدية، عبر التأمل والتحليل، وربط ما يجري الآن بما سبق من تحولات، الحراك أعاد الاعتبار للمواطن، وأعطى للحرية والعقل دورًا مركزيًا في الفعل التاريخي.

إلى أي مدى تحمل كتاباتك طابع الالتزام والمسؤولية؟

أنا أعتبر الكتابة مسؤولية، ففي كتابي “بعيون تدوينية”، أكدت على ذلك، وقلت إنني أكتب لأصحح فكرة، لأشعل قناديل الأمل في طرقات الحياة، أكتب في التربوي، الثقافي، الاجتماعي، الأخلاقي، هناك مسؤولية ملقاة على عاتقنا ككتاب، لا يمكننا الهروب منها، فنحن نكتب، لأننا نعيش في مجتمع ينتظر منّا أن نضيء له الطريق.

وماذا عن مشاريعك الجديدة؟

صحيح، أعمل على عدة مشاريع في آن واحد، حاليا، انا بصدد وضع اللمسات الأخيرة لكتاب جديد بعنوان “جغرافيا الأفكار”، يعالج تنوع التوجهات الفكرية، ويؤكد على أهمية منح الشباب المبدع مكانته التي يستحقها، بالإضافة إلى عمل أدبي آخر يتمثل في كتاب فكري حول طروحات ومتغيرات العالم المستقبلي، في ظل الفوضى السياسية والاقتصادية والحروب الخفية التي يعيشها العالم، من دون أن أبتعد عن الكلمة القوية والشعر الذي سأصدره قريبا في ديوان شعري يحمل رسائل وطنية وإنسانية وتربوية.

ما الذي يجعل لخضر بن يوسف يواصل الكتابة؟

الشغف أولًا، ثم الشعور بالمسؤولية، وأيضًا القناعة بأن الكلمة ما تزال قادرة على صناعة الفارق، فأنا أكتب، لأني أومن بأننا نعيش مرة واحدة، ولكن يمكن أن نترك أثرًا لا يموت بالكلمة الطيبة، والنص الهادف، والصوت النبيل.

كلمة أخيرة لقرّاء الشروق والجيل الجديد من الكتاب؟

أقول للشباب خاصة: لا تستسلموا، اقرأوا، اكتبوا، اجتهدوا، فالإبداع لا يولد في الرفاهية، بل في المعاناة، والوطن لا يُبنى إلا بسواعد شبابه ووعيهم، وفكرهم النبيل.

مقالات ذات صلة