اقتصاد
شركات صورية ترفع قيمة الطلبات وتضع مليارات "الدوفيز" تحت المجهر:

أكثر من 120 مليار دولار على منصة الاستيراد!

إيمان كيموش
  • 1562
  • 0
ح.م

مؤسسات بلا عمال تطلب ملايين الدولارات والرقمنة تفضح ورشات داخل عمارات

كشفت مصادر مطلعة من وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات أن قيمة طلبات الاستيراد المودعة عبر المنصة الرقمية، في إطار البرنامج التقديري لاستيراد المواد الأولية والتجهيزات الموجهة للإنتاج والتصنيع في إطار التسيير، تجاوزت 120 مليار دولار خلال السداسي الثاني من السنة الجارية.
ورغم أن هذا الرقم لا يمثل واردات فعلية، ولا يعني أن هذه المبالغ ستتحول إلى عمليات استيراد، وإنما يعكس قيمة الطلبات المقدمة والتي لاتزال خاضعة للدراسة والتحقق قبل التأشير عليها من طرف الوزارة، إلا أن تفاصيل هذه الطلبات أبانت عن مفارقات كبيرة تستدعي التوقف عندها.
وحسب المصادر ذاتها، فإن جزءا مهماً من تضخم قيمة الطلبات يرتبط بمؤسسات صغيرة جداً، بل إن بعضها لا يشغل أي عامل، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى حقيقة نشاط بعض المتعاملين ومدى تناسب طلباتهم مع قدراتهم الاقتصادية الفعلية.

أكثر من 20 مليار دولار من مؤسسات تشغل أقل من 5 عمال
وأفادت المصادر بأن المؤسسات التي يتراوح عدد عمالها بين صفر و5 عمال تقدمت بطلبات استيراد تتجاوز قيمتها الإجمالية 20 مليار دولار، في رقم يكشف حجم الفوارق بين القدرات البشرية لبعض المؤسسات وقيمة الطلبات التي تقدمت بها.
وتكشف المعطيات المسجلة على المنصة عن أرقام يصعب تصور مدى تناسبها مع حجم بعض المؤسسات صاحبة الطلبات، حيث تراوحت قيمة طلبات الاستيراد التي تقدمت بها جل المؤسسات المصغرة بين 3 ملايين و600 مليون دولار.
ومن بين الحالات اللافتة، متعامل اقتصادي لا يتجاوز عدد عماله 9 أشخاص، تقدم بطلب استيراد يقارب 3.5 مليار دولار لاقتناء مسابح جاهزة وتجهيزات خاصة بالألعاب الترفيهية والعروض الكبرى.
وفي قطاع الفلاحة، تقدم متعامل لا يشغل سوى عامل واحد بطلب استيراد بقيمة تقارب 200 مليون دولار لاقتناء الكتاكيت.
كما تقدم متعامل آخر بطلب يقارب 600 مليون دولار لاقتناء القماش والزرابي، وهو مبلغ يفوق، حسب المصادر، قيمة الطلبات التي تقدمت بها شركات كبرى وراسخة تنشط في مجال النسيج.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة لافتة، خصوصاً عندما تقارن بحجم المؤسسات المعنية وعدد العمال الذين تشغلهم، في وقت تعمل فيه مؤسسات صناعية كبرى على رفع نسبة الإدماج المحلي وتقليص اعتمادها على المدخلات المستوردة، وبالتالي خفض فواتيرها الاستيرادية.

مؤسسات ترفع الطلبات… والرقمنة تبحث عن الحقيقة الاقتصادية
وتشير مصادر مطلعة إلى أن تضخم قيمة الطلبات لا يمكن فصله عن وجود ملفات لمؤسسات تثير تساؤلات حول حقيقة نشاطها وحجم قدراتها الفعلية.
ذلك أن المنصة الرقمية لا تنظر إلى قيمة الطلب بمعزل عن المؤسسة التي تقدمت به، وإنما تسمح بمقارنة الطلب مع عدد العمال، وطبيعة النشاط، والموقع الجغرافي، والوضعية الجبائية والاجتماعية.
وبالتالي، فإن المؤسسة التي لا تشغل أي عامل أو تشغل عدداً محدوداً جداً من العمال، ثم تتقدم بطلب بمئات الملايين من الدولارات، تدخل تلقائياً في دائرة الملفات التي تستوجب تدقيقاً أعمق.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المؤسسة وهمية أو أن الطلب غير مشروع، وإنما يعني أن الفارق بين حجم المؤسسة وحجم الطلب يمثل مؤشراً يستوجب التحقق.

معامل في العمارات والموقع الجغرافي يكشف المستور
ومن بين الآليات الجديدة التي تعتمد عليها المنصة إلزام المتعامل بإدراج الموقع الجغرافي للمؤسسة أو الوحدة.
وقد كشفت عملية معالجة الملفات، وفق المصادر، عن حالات لم يتمكن أصحابها من تبرير طبيعة الوحدات أو مواقعها، في حين أظهرت المعطيات وجود ورشات أو مقرات داخل عمارات سكنية، لا تتطابق ظاهرياً مع طبيعة النشاط أو حجم طلبات الاستيراد المقدمة.
وبذلك، أصبح الموقع الجغرافي جزءاً من عملية التحقق، ولم يعد بإمكان أي متعامل الاكتفاء بعنوان إداري مدرج في الوثائق من دون إمكانية التحقق من حقيقة المكان وطبيعته.

مصالح الضرائب والضمان الاجتماعي مرجعية لكشف التناقضات
وتزداد فعالية المنصة من خلال ربطها بعدة مصالح وهيئات، من بينها المركز الوطني للسجل التجاري، ومصالح الضرائب، وصناديق الضمان الاجتماعي.
هذا الربط يسمح بمقارنة المعلومات التي يقدمها المتعامل مع المعطيات المتوفرة لدى مختلف الإدارات.
وحسب المصادر ذاتها، فقد أظهرت عملية التقاطع ملفات تتطلب مزيداً من التدقيق بسبب عدم تسوية بعض الوضعيات الجبائية والاجتماعية، إضافة إلى اختلافات بين عدد العمال المصرح بهم والمعطيات التي يقدمها المتعامل في ملف طلب الاستيراد.
كما يسمح الملف الخاص بالضمان الاجتماعي بالتحقق من حقيقة القوة العاملة المصرح بها، وهو عنصر أساسي عند مقارنة حجم المؤسسة بقيمة طلب الاستيراد.

المؤسسات الكبرى تخفض فاتورة الاستيراد برفع الإدماج المحلي
وفي المقابل، تكشف المعطيات عن مسار مختلف تماماً لدى عدد من المؤسسات الاقتصادية والصناعية الكبرى، التي تتجه نحو رفع نسبة الإدماج المحلي وتقليص الاعتماد على المدخلات المستوردة، بما ينعكس مباشرة على قيمة برامجها التقديرية للاستيراد.
فالمؤسسة التي تستثمر في تطوير إنتاجها المحلي، وتوسيع شبكة المناولين الجزائريين، وتصنيع جزء أكبر من مكوناتها وتجهيزاتها محلياً، تكون حاجتها إلى الاستيراد أقل تدريجياً، حتى وإن كانت تتوفر على قدرات إنتاجية كبيرة وتشغل مئات أو آلاف العمال.
وهنا تظهر المفارقة التي تكشفها المنصة الرقمية بوضوح: مؤسسات كبرى ذات نشاط صناعي حقيقي تتجه إلى خفض فواتيرها الاستيرادية مع ارتفاع الإدماج المحلي، في حين تسجل بعض المؤسسات الصغيرة طلبات بمئات الملايين وحتى مليارات الدولارات رغم محدودية عدد عمالها وإمكاناتها.
وتعني هذه المعطيات أن حجم طلب الاستيراد لا يمكن أن يكون وحده معياراً للحكم على أهمية المؤسسة، بل إن القدرة على الإنتاج محلياً وخلق القيمة المضافة ومناصب الشغل ورفع الإدماج أصبحت عناصر أساسية في تقييم الاحتياجات الحقيقية.

من يقف وراء تضخم فاتورة الطلبات؟
المعطيات التي بدأت المنصة الرقمية في كشفها تطرح سؤالاً جوهرياً: هل تعكس قيمة الطلبات المسجلة الاحتياجات الحقيقية للاقتصاد، أم أن جزءاً منها تضخم بفعل طلبات مقدمة من مؤسسات محدودة النشاط أو غير واضحة المعالم الاقتصادية؟
فتسجيل أكثر من 120 مليار دولار لا يعني أن الدولة ستنفق هذا المبلغ، لكنه يكشف حجم الطلبات التي وصلت إلى الإدارة، ويعطيها في الوقت نفسه فرصة غير مسبوقة لفرز الملفات وفق معايير أكثر دقة.
واللافت أن جزءاً مهماً من هذه القيمة يأتي من مؤسسات صغيرة جداً، بينها مؤسسات لا تشغل أي عامل أو تشغل عدداً محدوداً من العمال، في وقت تتقدم فيه شركات كبرى ببرامج استيراد مرتبطة بحاجياتها الفعلية.
وهنا تصبح الرقمنة أداة لكشف التناقض بين المؤسسة والطلب: مؤسسة بلا عمال تطلب مئات الملايين، مؤسسة بتسعة عمال تطلب 3.5 مليار دولار، عنوان صناعي يظهر كورشة داخل عمارة، ووضعيات جبائية واجتماعية تحتاج إلى التسوية.
هذه المعطيات لا تسمح وحدها بوصف كل هذه المؤسسات بأنها وهمية، لكنها تكشف عن مؤشرات قوية على وجود ملفات قد تكون غير متناسبة مع الحقيقة الاقتصادية لأصحابها، وهو ما يستوجب التدقيق قبل التأشير عليها.
والأهم أن هذه العملية تأتي لحماية ثلاثة عناصر في آن واحد: العملة الصعبة للدولة، المنتج الوطني، نزاهة سوق الاستيراد.
فالاستيراد يجب أن يخدم الاقتصاد، لا أن يتحول إلى وسيلة للتحايل على المنتج المحلي أو تضخيم الطلب على العملة الصعبة.
وفي هذا السياق، فإن المنصة الرقمية لا تقوم فقط برقمنة إجراء إداري، وإنما تضع أساساً لمنظومة جديدة عنوانها: لا قيمة للطلب من دون حقيقة اقتصادية تبرره.

مقالات ذات صلة