أكره الإسلاميين ولكني مع حقوق الإنسان
الحديث مع فرنسوا جيز ليس عاديا بكل المعايير لأنه ليس ناشرا عاديا، ودار “لاديكوفرت” الشهيرة التي أصبحت ذائعة الصيت كانت ومازالت محل شبهة سياسية حوّلت صاحبها إلى أشهر عدو للسلطة في الجزائر وخاصة بعد نشره كتابي “الحرب القذرة” و”مجزرة بن طلحة”.
الحديث الذي أجريناه معه لم يكن من منطلق الإثارة الدعائية المجانية والخدمة الشخصية، كما يمكن أن يفسرها المصطادون في الماء الأمني العكر، بل كان إطلالة على تاريخ نضال ثقافي وسياسي قاده فرنسوا ماسبيرو مؤسس الدار التي حملت اسمه وأيدت نضال الشعب الجزائري من أجل الحرية، وهي الدار التي اتخذت اسم “لاديكوفرت” حينما استلم جيز مشعل استمراريتها قبل ثلاثين عاما. العمل الصحفي الجاد المرادف للخصوصية والسبق وحده يفسر محاورتنا للرجل المنبوذ في الجزائر.
أولا، لماذا تركتم إدارة دار النشر وماذا تفعلون اليوم؟
تركت الدار عام 2013 بعد أن أدرتها منذ عام 1982 بالاتفاق مع شركة إيدتيس وأنا الذي اخترت هوج جالون ـ 43 عاما ـ الذي عمل معي 13 عاما لخلافتي بعد أن عمل قبل ذلك في دار “ساي“. اليوم أنا متقاعد لكن مازلت أنشط كمدير للكتب التي تصدر في سلاسل.
كيف تفسرون امتهانكم النشر علما أنكم صاحب تخصص علمي وتقني محض أي أنهيتم دراستكم مهندسا في المناجم؟
ككثير من الطلبة، الصدفة هي التي قادتني إلى هذا الميدان رغم تخصصي لاحقا في الاقتصاد . تاريخ السياق الحقيقي الذي قادني إلى النشر يعود إلى عام 1969 بانضمامي إلى مركز الدراسات المناهض للإمبريالية الذي أسس عام 1967 وشروعي إلى جانب فرنسوا ماسبيرو صاحب الدار التاريخية التي تحمل اسمه في نشر سلسلة من الكتب، وتطورالانسجام الفكري والشخصي بيننا إلى درجة متقدمة تركته يطلب مني قبل تقاعده استلام مهام إدارة الدار التي اتخذت لاحقا اسم “لاديكوفرت“.
إلى أي حد يمكن أن يفهم القارئ بأنكم الابن الروحي لفرنسوا ماسبيرو الذي ناضل من أجل استقلال الجزائر؟
لا أعرف إن كنت كذلك، لكن الأكيد هو أنني أصنف نفسي ضمن الأشخاص الذين تبنوا مواقفه النضالية وعلى رأسها تأييده لاستقلال الجزائر، كما أشرتم في سؤالكم.
لقد كان فرنسوا أكثر المثقفين الذين نددوا بالتعذيب وهو الأمر الذي عرضه للملاحقة الاستعمارية والمصادرة بسبب نشره عديد الكتب المؤيدة لكفاح الشعب الجزائري ونضال جبهة التحرير وبفضله أصبحت أعرف الكتاب الجزائريين الذين نشر لهم.
“لا ديكوفرت” هو عنوان سلسلة كتب كانت تنشرها دار فرنسوا ماسبيرو التي أسسها عام 1959 في عز النضال الجزائري من أجل الاستقلال .
نعم …نعم.
وماذا عن مدى استقلاليتكم بعد أن أصبحتم تابعين لمؤسسة “إديتيس” الضخمة اعتبارا من عام 1998 وكيف استطعتم تجاوز أزمة النشر التي قلتم في عدة مقابلات إنها لم تعد كذلك في واقع الممارسة المهنية؟
مفهوم الأزمة ارتبط في الأذهان بالستينيات والسبعينيات التي عرفت ازدهار النشر في مجال العلوم الإنسانية بوجه عام، وهو الازدهار الذي تراجع منذ مطلع الثمانينيات ومسّ دول أوروبا الشمالية بوجه خاص الأمر الذي ترك البعض يتحدث عن أزمة. هذه الأزمة دفعت بدور النشر إلى التكيف مع الواقع الجديد ومن بينها “لاديكوفرت” التي حافظت على الخصوصية الافتتاحية لدار فرنسوا ماسبيرو التي خرجت من رحمها وطورت أدواتها وأساليبها وأشكال إصداراتها وأطلقت سلاسل جديدة وواكبت النشر الإلكتروني. واستطاعت “لاديكوفرت “أن تضمن مكانة لها في بانوراما النشر وتحقق نجاحات كبيرة بفضل عناوين لاقت إقبالا لافتا كما عرفت أخرى إخفاقات ملحوظة. في نهاية الأمر، وبعد فترات صعبة وحرجة تجاريا تمكنا من كسب رهاننا الجديد والصمود في وجه العاصفة والاحتفاظ على استقلاليتنا الافتتاحية بفضل مقاربة غير مسبوقة وانضماننا إلى فوج “إديتيس” لم يؤثر على استقلاليتنا الافتتاحية.
كيف؟ وهل من أمثلة ملموسة حتى تتوضح الصورة لدى القراء؟
لقد شرعنا في نشر كتاب الحالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العالمية بالتعاون مع إيف لاكوست وفرنسوا ماسبيرو، ولعب هذا الكتاب الذي مازال يصدر سنويا منذ مطلع الثمانينيات دورا أساسيا في الترويج لخصوصية دارنا وفي ضمان نسبة كبيرة من القراء بما فيهم طلبة الجامعة الذين أصبحوا لا يقبلون على الكتاب التقليدي في مجال البحث الخاص بالعلوم الإنسانية بوجه عام في العشريتين الأخيرتين بسبب الأنترنت. وطورنا الفكرة بنشر سلاسل متتابعة تغطي مختلف بلدان العالم في شكل موسوعات نوعية صغيرة ألفها مؤلفون يتمتعون بكفاءة كبيرة. مع بروز الأنترنت وكشأن كل دور النشر، وجدنا أنفسنا أمام تحد جديد، الأمر الذي دفعنا إلى تقليص النشر الورقي واللجوء إلى مثيله الإلكتروني اعتبارا من نهاية التسعينيات، واستطعنا أن نحقق توازنا ماليا ملحوظا من خلال التوفيق بين النشر الورقي والإلكتروني بعد خسارة معتبرة . ولعبت سلسلة “مرجعيات” الموجهة للطلبة دورا أساسيا في تجاوز التحدي بتسويق 400 عنوان عبر الأنترنت إلى جانب 200 في شكل كتب تقليدية. الانضمام إلى فوج “إيدتيس” ضمن أريحية مالية مقارنة بالماضي، حيث كنت أقضي في السابق الوقت في البنوك لتفادي الخسارة مع نهاية الشهر بدل الانشغال بالنشر وهو عكس ما يحدث اليوم، وأكرر أن هذا لا يعني أن ذلك تم على حساب استقلاليتنا الفكرية.
الحديث عن التزامكم الفكري كما تقولون يقودنا منهجيا وحتما إلى صراعكم مع السلطة في الجزائر بسبب تشكيكم في طرحها حيال الحرب التي شنتها ضد الجماعات الإسلامية المسلحة خلال ما سمي بالعشرية السوداء. هل لكم أن توضحوا الموقف بالنسبة للقراء الذين لم يطلعوا ربما على انعكاس هذا الصراع في عديد الكتب التي نشرتموها وعلى رأسها “الحرب القذرة“ و“بن طلحة“؟
احتكاكي بالكثير من المثقفين الجزائريين الكبار الذين أصيبوا باليأس نتيجة فشل الجزائر الثورية والاشتراكية النظرية وعلى رأسهم الراحل مولود معمري، مكنني من مقاربة سلطتها بشكل حطم الآمال التي كان يعقدها مثقفون يساريون كأمثالي، وبالمناسبة أكرم معمري بالقول إنه أحد أهم المثقفين الذين فقدتهم الجزائر والساحة الثورية والإبداعية العالمية، وجزائر اليوم ليست هي أيضا جزائر بومدين صاحب التصوّر الإستراتيجي الواضح والملتزم بغض النظر عن سلبيات مرحلته على الصعيد الداخلي.
تقولون فرنسا الجزائر كما يقال عن فرنسا إفريقيا ؟؟؟
بطبيعة الحال أقول كذلك لأن الجزائر لم تستقل نهائيا عن فرنسا والفساد الذي استفحل في مطلع الثمانينيات لم يكن إلا نتيجة لتواطؤ وشراكة مع فرنسا اليسارية واليمينية على السواء، والشيء الذي لا يقال في صالونات النخب الفرنسية السياسية والاقتصادية هو أنها كانت دائما تتلقى رشاوى جزائرية متأتية من مال النفط. ويجدر الذكر أن دار “لاديكوفرت” سبق وأن نشرت كتابا مشتركا مع دار البرزخ تناول فيه باحثون جزائريون وفرنسيون تاريخ العلاقات الجزائرية الفرنسية القديمة والمعقدة وتداخل المصالح بين باريس والجزائر. هذه المصالح التي بلغت حدا يتجاوز كل تصوّر في الأعوام الأخيرة سبق وأن تناولها جان باتيست ريفيار في كتاب أصدرته عام 2004.
تاريخيا، أصبحتم العدو الأول للنظام الجزائري في مجال النشر إثر نشركم كتابي “الحرب القذرة ” و“بن طلحة“.. ماذا تعلقون حينما تنعتون بعميل المخابرات الفرنسية والمغربية في هذا السياق؟
أولا، اتهامي بالطريقة التي ذكرتموها يبعث على السخرية والتقزز وكل الذين يعرفونني يضحكون عند سماع هذا الكلام، آمنت دار “لاديكوفرت” منذ البداية بتعسف السلطة الجزائرية واستغلالها حربها ضد الإرهاب لضرب كل المعارضين من منطلق دكتاتوري لصيق بهويتها التاريخية، كما أوضح لي مثقفون جزائريون كثر ومن بينهم الفقيد الكبير مولود معمري الذي اكتوى بنارها كما تعلمون . الدكتاتورية في الجزائر بدأت في مطلع الاستقلال حين أزيحت الحكومة المدنية المؤقتة وتسلم الحكم فريق وجدة العسكري ودور المخابرات وتفردها بالسلطة يعود إلى ما قبل الاستقلال مع ما عرف “بالمالڤ“.
نشرتم الكتاب مع روبير مينار الرئيس السابق لهذه المنظمة والذي تحوّل اليوم إلى يميني متطرف مستقل بدأ بمنع نشر الثياب على الشرفات والهوائيات المقعرة (ليببارابول) التي يستعملها المهاجرون لالتقاط الفضائيات العربية في مدينة بزييه الجنوبية.
للأسف الشديد، لكن هذا ليس موضوعنا.
المتمعن في كلامكم يفهم أنه لا علاقة لكم بالتهمة الموجهة لكم وأن موقفكم ناتج عن مناهضتكم للسلطة الفرنسية بشقيها اليميني واليساري والمتواطئة –حسبكم– مع النظام الجزائري من أجل ضمان مصالح تاريخية وبنيوية تفسر تشويه المواجهة مع الإسلاميين ومع المعارضين الآخرين الذين يناهضون النظام من منطلقات إيديولوجية علمانية، ومعمري الذي قلتم إنه فتح أعينكم على حقيقة الطبيعة الدكتاتورية للحكم الجزائري لم يكن إسلاميا؟
لست الوحيد الذي يقول هذا الكلام والكثير من المثقفين الذين أيدوا توقيف المسار الديمقراطي يعتقدون بذلك، لكنهم لا يجرأون على الإفصاح بذلك بسبب موقفهم المبدئي من الإسلاميين.
هل أفهم أنكم مثل الراحل المحامي الكبير جاك فرجيس، الذي آمن بكفاح الشعب الجزائري ودافع عن المناضلة الكبيرة جميلة بوحيرد، التي أصبحت زوجته لاحقا ودفع الثمن في فرنسا إعلاميا، وفرجيس دافع عن الإسلاميين أيضا من وجهة نظر حقوقية وسياسية وليست إيديولوجية، وهو صاحب كتاب “رسالة إلى أصدقائي المعذبين“؟
اختلفت معه في الكثير من القضايا لكن موقفه من المأساة الجزائرية كان ومازال موقفي وحتى أرفع الشبهة الملقاة على عاتقي أضيف أن عدائي الإيديولوجي للإسلاميين أو لأطراف سياسية أخرى لا يدفعني إلى تبني التقتيل والتعذيب، وهذا ما يمنعني مثلا من الدعوة إلى استعمال العنف مع الجبهة الوطنية الفرنسية المتطرفة التي تعد عدوا إيديولوجيا لي مثل الإسلاميين.
هل يحرجكم الأمر في الأخير القول بأن يساريتكم المناهضة لليسار الاشتراكي المهيمن تصب في خانة مواقف اليسار المتطرف من المأساة الجزائرية، وهو أيضا ندد بالتحالف بين السلطتين في الجزائر وباريس واتهم بالتحالف مع الإسلاميين؟
بعد التعبير عن تضايقه من السؤال، رد قائلا بنوع من العصبية: “لا أهتم بالكليشيهات والتوصيفات الإيديولوجية وإدانتي لحقوق الإنسان في الجزائر حتى وإن تعلق الأمر بالإسلاميين الذين أعاديهم فكريا ليست لها علاقة بهذه الإيديولوجية أو تلك، ومواثيق احترام حقوق الإنسان الدولية ليست لها رائحة إيديولوجية، والأنظمة الديمقراطية لا تسجن الناس وتقتلهم دون محاكمة، لمجرد تعبيرهم عن رأي يناهض السلطة الحاكمة، وفي فرنسا مثلا لا يمكن أن يسجن مناضل تابع للجبهة الوطنية المتطرفة.