أميرة تفقد عينها ويحيى أصابعَه الثلاثة ووجه أمجد يحترق
“شمعة البوعزيزي”، “القذافي”، “الأسد”، هي أسماء لمفرقعات باغتت مصالح الجمارك ووصلت الى أيدي الجزائريين في المولد النبوي الشريف، الذي تحوّل من مناسبة للاحتفال بمولد المصطفى إلى مناسبة لتضميد الجراح وجبر الخواطر.
وككل العادات الجزائرية التي بدأت هادفة وذات مغزى، احتفل الجزائريون بالمولد النبوي الشريف إبان الاستعمار الفرنسي احتفالا يؤكد تمسك الجزائريين بهويتهم الإسلامية رغم محاولات فرنسا اليائسة في جعلهم يحتفلون بالأعياد المسيحية، وفي المقابل منعهم من الاحتفال بالمولد النبوي في المساجد وحلقات الذكر، ما جعل الجزائريين يبحثون عن وسيلة أخرى يعبرون بها عن فرحتهم بمولد نبيِّهم، فلجأوا إلى المفرقعات التي يرتبط صوتها عند الجزائريين في الماضي بصوت البارود الذي يعدُّ أحد وسائل التعبير عن الابتهاج والفرحة في المناسبات الدينية وغيرها، إذ يقوم الشخص المعني بالاحتفال بركوب الحصان وإطلاق البارود وسط زغاريد النسوة، وهو ما يُشعر المشاركين في الاحتفال بقيمة المناسبة المحتفل بها خاصة إذا كانت مناسبة دينية، ما يفسر اليوم لجوء الجزائريين الى تفجير مفرقعات ظاهرها الاحتفال بالمولد النبوي، وباطنها بث جو من الرعب والخوف بين الناس، ويتعدى تأثيرها إلى إحداث إصابات خطيرة وعاهات مستديمة خاصة بين الأطفال الذين توضع بين أيديهم مفرقعات شديدة الانفجار، وهو ما يجعلهم يتسبّبون في إصابة أنفسهم أو إصابة غيرهم من الأطفال، على غرار ما حدث مع الطفلة “أميرة. ع” ذات الحادية عشر عاماً، حيث أنها بمجرد خروجها من المدرسة ببلدية الدويرة بالعاصمة، تفاجأت بزميل لها يلقي مفرقعة متوسطة الحجم بين التلاميذ الذين هربوا في كل اتجاه إلا هي لم تتفطن للأمر حتى أصيب إصابة بالغة في عينها اليسرى، ما تطلب إجراء جراحة لها على مستوى الشبكية، لكنها باءت بالفشل بسبب قوة الإصابة، وفقدت الطفلة إلى الأبد عينها في لحظة طيش، الأمر الذي جعلها تعاني اضطرابات نفسية تركتها تنقطع عن الدراسة لأكثر من شهرين، وبمجرد عودتها إليها بدأت تلاحظ تغير سلوك زملائها نحوها، فبعضهم كان يعاملها بشفقة زائدة، والبعض الآخر يتهكم عليها، وهو ما لم تتقبله وجعلها تصر على والديها لتغيير مدرستها، ومع ذلك لم تتخلص من “العقدة” التي تلاحقها، تقول أمها متحسرة للشروق: “إذا كانت تشعر وهي صغيرة بعقدة نفسية وتعاني من اكتئاب سرق ابتسامتها، وترفض أن ترى نفسها في المرآة أو تأخذ صورا، فما الذي سيحدث معها عندما تكبر وتجد نفسها بعين واحدة؟”. وتضيف موجهة اللوم إلى أهل الطفل: “ماذا أفعل باعتذاراتهم إذا كانت ابنتي لن تستطيع أن تسترد عينها؟”.
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة إلى “يحي. ف” وهو طفل في الـ 12 من عمره من تيبازة، حيث جنى على نفسه عندما همَّ بتفجير مفرقعة وانتظر قليلا قبل أن يلقيها على الأرض مستعرضا شجاعته أمام أبناء الحي الذي حذروه من مغبة ما أقدم عليه، وما هي إلا لحظات وجيزة حتى انفجرت المفرقعة في يده، وتتسبب في بتر أصابعه الثلاثة بعد خضوعه إلى جراحة غير ناحجة انتهت به إلى عاهة إلى مستديمة أصبحت تطارده في كل مكان، وأجبرته على إخفاء يده في جيبه كلما خرج إلى الشارع، والأكثر من هذا أنه ترك مقاعد الدراسة في سن مبكرة لأن الإصابة وقعت في يده اليمنى.
أما أمجد ذو العشر سنوات الذي يقطن بالعلمة ولاية سطيف، وإن تعافى من إصابته، إلا أنه ظلّ يعاني من أزمة نفسية حادة جعلته يرتعب من أي صوت يسمعه، وهذا بعد أن قام العام الماضي، وفي غفلة من أهله، بإلقاء مفرقعة داخل حاوية حديدية خارج البيت تحتوي على مادة قابلة للاشتعال، ما أحدث انفجارا قويا تسبّب في ارتفاعه أمتارا عن الأرض وارتطامه بالجدار، الأمر الذي سبب له رضوضا على مستوى الجسم، وحروقا شديدة في الوجه.