الرأي

أم الخبائث في “أم المعارك”

بلغت الحملة الانتخابية للتشريعيات القادمة، أنفاسها الأخيرة، وسيكون إجحافا في حق الوطن والمواطن، لو أسميناها، “حملة” أو “انتخابية”، فقد كانت في مجملها، لاشيء، ملء اللاشيء السياسي في بلادنا، حتى أن أحد رؤساء الأحزاب من الذين سبق لهم وأن حملوا حقائب وزارية، ما ألقى خطابا له في مختلف الولايات، إلا وكان ممزوجا بالحديث عن الخمور، فكانت عناوين مداخلاته جميعا عن إحصائيات خمرية، تارة، تؤكد بأن الجزائريين لا يمانعون تجارة الخمور، وأخرى تتحدث عن كونهم يستهلكون ربع مليار لتر من الخمور سنويا، وفي المقابل نسي البقية، بأن هذا الحزب، لا يحكم ولن يحكم، وراحوا يعلنون عليه أم المعارك، بحجة معارضتهم لتجارة الخمور في الجزائر، وكأن مشكلة الجزائر الوحيدة في بيع الخمور، وسنجد صعوبة جمّة في الاحتفاظ بجملة مفيدة أو فقرة من برنامج، من دون أن تكون ممزوجة ببراميل من الخمر، حتى يُخيّل إليك، أنك في حانة يتقاذف فيها المرشحون.. عفوا السكارى، زجاجات الخمر!

معروف في عالم السياسة، بأن ممارسة المعارضة، أسهل من الحكم، وانتقاد برامج الآخرين، أسهل من خلق برامج قابلة للتطبيق، ولكن أن تدخل الحملة الانتخابية، بعد أن فقدت شعبيتها، إلى رواق محدود، يصفّي فيه رجالاتها حساباتهم القديمة بطريقة فيها الكثير من الأحقاد وانعدام المسؤولية من أجل البقاء في الحكم، أو من أجل العودة إليه، فذاك ما يجعلنا ندور في مكان ضيق، يزداد ضيقا بتواجد نفس الأشخاص، وستكتشف السلطة _ حتى وإن كانت تعلم أكثر من غيرها _ بأن الزمن الذي استهلكته الحملة الانتخابية، والمال المهدور فيها، إنما كانا في غير محلّهما، وسيكون من الصعب على مختلف رؤساء الأحزاب إقناعنا بأنهم قدموا خلال هذه الأيام السياسية كلاما من دون “نشاز”، صالح للاستماع ولا نقول للتطبيق، أو لتطييب الخاطر.

لقد حذّر الكثيرون من مخاطر سنة 2017 على استقرار القدرة الشرائية للجزائريين، ومن وصول الموس إلى الحلق، وأبانت الأيام بأن اقتصادنا بدأ بغلطة كبيرة، عندما اعتمد بالكامل على ما وهبنا الله من نعمة النفط، وما تمنحنا البلدان الغربية من ثمن، لاستغلال ثروتنا، في تطوير زراعتها وصناعتها، وعندما حاولنا العودة إلى نقطة الصفر، وجدنا كل محطات الانطلاق محجوزة في مختلف المجالات، ومع ذلك اقتنعنا بأن وصولنا متأخرين سيكون أحسن من أن لا نصل أبدا، وسيكون من الأجدى أن نعترف بأن بداية الممارسة السياسية عندنا أيضا كانت بالغلط، جعل البعض يمتطي الدين أو الجهوية لأجل بلوغ الكرسي، والبقية تمتطي “الحماقات”، فكان نتاج ذلك هذا اللاشيء الذي عجز عن ملء الفراغ، فصار ضروريا بعث أحزاب جديدة، تطرح البرامج والحلول، وتستعين بأهل الخبرات، وليس بالذين سمّوا أنفسهم سياسيين، وصدّقوا كذبتهم، وفي يوم الامتحان أهانوا أنفسهم، وأهانوا غيرهم.

مقالات ذات صلة