الجزائر
البيانات الجينيّة والصحيّة مؤمّنة داخل حواسيب سيادية غير قابلة للاختراق:

أنتم تحت عيون الذكاء الاصطناعي… هنا قلعة أسرار الجزائريين!

إيمان كيموش
  • 8431
  • 0
ح.م

– هذه أهم مشاريع وأبحاث “سيريست” لحفظ السيادة الرقمية
– تكوين 927 عبقري جزائري لصنع ذكاء وطني مستقل
– خبراء: روبوتات الدردشة تتعلم من المحادثات وتحوّلها إلى أرباح خفيّة

في مركز بيانات متطور، حيث تصطف الحواسيب والخوادم كقلعة صامدة، تُخزن المعطيات الجينومية والملفات الصحية للجزائريين، بعيدا عن أعين الشركات الأجنبية وأسواق البيانات السوداء، هنا، يتحول هذا المكان إلى خط الدفاع الأول عن هوية أمة بأكملها في زمن يبتلع فيه الذكاء الاصطناعي، بلا توقف، كل ما يصل إليه.
لكن خارج هذه الجدران المحصنة، تدور معركة أخرى في الفضاء الرقمي، حين يُسأل الذكاء الاصطناعي عن المطبخ العاصمي، أو اللهجة الجزائرية، أو تاريخ الثورة، أو حتى عن كيفية إصلاح سيارة “هيونداي إي 10” في ورشات الميكانيك بباب الزوار، فإنه لا يقدم إجابته من فراغ، بل يستند إلى مخزون واسع من المحتوى الذي أنتجه الجزائريون عبر السنوات من مقالات ومنشورات إلى صور وتسجيلات ومحادثات، غالبا دون أن يدركوا أن دردشاتهم نفسها تُستخدم لتدريب هذه الروبوتات.
ففي كل سؤال يطرح، تلتقط الخوارزميات معرفة محلية وتحولها إلى إجابة سلسة تبدو “ذكية”، لكنها في جوهرها تبنى على ما قدمه المستخدمون أنفسهم، طوعا أو عن غير قصد، وهنا لا يختلف الجزائري عن غيره من الشعوب في المساهمة في إطعام هذه الروبوتات.
ويختلف ما يعيشه المستخدم العادي مع هذه المنصات الرقمية عما يختبره العديد من المبتكرين الجزائريين خلال مسار تطوير مشاريعهم، إذ يفضل هؤلاء الابتعاد عن الأدوات الأجنبية احتياطا، تجنّبا لاستنساخ أبحاثهم، ففي ولاية ميلة، يروي لـ”الشروق” رؤوف شباح، صاحب مشروع جهاز للكشف عن المخدرات وعضو جمعية الابتكار والذكاء الاصطناعي، أن فريقه نادرا ما يلجأ إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل “تشات جي بي تي”، لكونها لا تمنح دائما النتائج المرجوة، بل وتخطئ أحيانا حتى في صياغة البطاقات التقنية.
ويؤكد شباح أن هذه الأدوات لا ينبغي استخدامها حتى كحل تكميلي، نظرا لعدم أمانها بنسبة مائة بالمائة، ويضيف أنه يتطلع، رفقة زملائه، إلى ابتكار حلول وطنية متطورة قريبا، خاصة في ظل التشجيع والدعم الذي يقدمه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لملف الاختراع وتطوير مراكز البيانات.
ولفهم أعمق لما يحدث خلف واجهات روبوتات الدردشة، توجهنا إلى أحرور بلعيد، الباحث والأستاذ المحاضر في الذكاء الاصطناعي، الذي أكد في لقاء مع “الشروق” أن “كل معلومة يدخلها المستخدم عبر أي منصة أجنبية، سواء كانت روبوت دردشة أو تطبيقا عاديا، تصبح ملكا لتلك الشركات، تخزن وتحلل وتستثمر، ليس فقط لتحسين الخدمات، بل أحيانا لتحقيق أرباح”.
ويضيف بلعيد: “بمجرد الاتصال بأي شبكة إنترنت، تبدأ الخوارزميات بتسجيل البيانات، دون الحاجة لموافقة متكررة في كل مرة، معظم المنصات العالمية، مثل “تشات جي بي تي”، تبلغ المستخدم منذ البداية بأن معطياته ستستخدم لأغراض تطويرية، وهو يوافق ضمنيا على ذلك مقابل خدمة مجانية، هذه الموافقة تمنح تلك الشركات غطاء قانونيا لجمع وتحليل، بل وحتى بيع البيانات لشركات مهتمة بأنماط السلوك والاتجاهات العامة للجمهور لاحقا”.
ويرى بلعيد أن المعطيات أصبحت بمثابة “ثروة جديدة”، موضحا أن الاهتمام العالمي لم يعد يقتصر على الموارد الطبيعية فحسب، بل امتد ليشمل البيانات باعتبارها ركيزة أساسية في العصر الرقمي، وينبه إلى وجود سباق محموم بين الدول لامتلاك أكبر قدر ممكن من هذه المعطيات، الأمر الذي يستدعي في نظره رفع الوعي داخل المجتمع، خاصة لدى الطلبة والمهندسين في مجال الإعلام الآلي ـ مثل رؤوف شباح ـ بأهمية المعلومة ودورهم في حمايتها وصونها.

الهجرة الجديدة.. أين تذهب دردشاتنا؟
أما الخبير في الرقمنة، يونس قرار، فيتحدّث عن علاقة تبدو للوهلة الأولى عادية، لكنها تحمل بعدا إستراتيجيا دقيقا قائلا: “كل شخص يستعمل أدوات الذكاء الاصطناعي يساهم في تحسين مستويات إجاباتها من خلال المعطيات التي يقدمها، سواء كانت أسئلته، اهتماماته أم حتى ميولاته، وهذا التحسين لا يخدمه وحده، بل يخدم مستخدمين آخرين أيضا، ويزيد من إقناع الأداة للجميع، ولهذا تطرح تشات جي بي تي مثلا في نهاية كل جواب سؤالا: هل أعجبتك الأجوبة؟”
هذه الخوارزميات، بحسب قرار، لا تتهاون مع أي معلومة مهما بدت بسيطة أو شخصية، سواء تعلق الأمر بالسن، المستوى الدراسي، الأذواق، اللباس، الطعام، كلها معطيات تخزن لبناء ملفات دقيقة، وكلما كانت قاعدة البيانات أكبر، أصبحت الأداة أذكى وأقدر على التنبؤ بسلوك الفرد”.
ولا يختلف المستخدم الجزائري عن غيره في هذا السياق فـ”تشات جي بي تي” وغيرها بحاجة إلى معطيات من أي مستهلك، تأخذ منه اهتماماته، أسئلته، سلوكياته، وتدمج ضمن قاعدة ضخمة تصنف بحسب المنطقة، الجنس، العادات والمجال الاقتصادي.
كل هذه المعلومات تتحول لاحقا إلى أرباح، لذلك هي أدوات مجانية في البداية، لكن حين تقنع المستخدم بجودتها، يتحول إلى الصيغة المدفوعة، فحسب قرار: “تشات جي بي تي لوحدها أقنعت بيل غيتس بضخ أكثر من 10 مليار دولار فيها، وهو مقتنع بأنها ستجني له المليارات”.
ويجزم يونس قرار، بخبرة العارف بخبايا المجال، بأن الخوارزميات، بذكائها المتنامي، باتت قادرة على قراءة أنماط اهتمامات الناس وما يشغلهم من مواضيع، هذا التطوّر يفتح اليوم أمام الباحثين الجزائريين فرصة ثمينة لتطوير أدوات وطنية موازية، تضمن أن توظف هذه التقنيات في خدمة التنمية وتعزيز المصلحة العامة، بما ينسجم مع الرؤية المستقبلية للدولة.
ويضيف: “حين نضمن أن أذواقنا مثلا لن تذهب إلى تلك الشركات، لن يكون بإمكانهم توجيه المستهلك الجزائري بحسب أهوائهم، خاصة وأن بعض مستخدمي روبوتات الدردشة مثلا يسلّمون بالأجوبة المقدمة لهم كأنها حقائق، من دون وعي بمصدرها أو نواياها”.
ويذكّر قرار بسابقة حدثت فعلا: “في الفايس بوك، تم توجيه الخوارزميات لدعم مرشح سياسي ضد آخر في إحدى الدول، وهذا مثال على كيف يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تستخدم للتأثير في الرأي العام دون أن نشعر”، ويؤكد أن مواجهة هذا الواقع تتطلب وعيا جماعيا، وليس فقط تقنيا: “يجب أن نحسن استخدام هذه الأدوات بما يخدم مصالحنا”.
ثم يطرح رؤيته بوضوح: “الجزائر بدأت تولي أهمية كبرى لتطوير أداة ذكاء اصطناعي وطنية، تبنى وفق عاداتنا، قيمنا، وخصوصيات مجتمعنا، كما تولي السلطات اهتماما كبيرا لاسترجاع كفاءاتنا العاملين في شركات أجنبية”، مضيفا: “الأدمغة هنا، لكن ثمارها هناك، وهذا نزيف شهدناه في العقود الماضية يتم العمل على استرجاعهم اليوم”.
ولتجاوز هذا التحدي، لا بد من بيئة وطنية داعمة وهو ما يحدث فعليا، كما يشير قرار: “نحتاج إلى مراكز بحث أكثر رغم توفرها، تجهيزات متقدمة، بنية تحتية للحوسبة، وتجريب خوارزميات محلية، وهذا ليس مجرد استثمار تقني، بل ركيزة للسيادة الرقمية والاستقلال التكنولوجي الذي حددت السلطات العليا ملامحه وقطعت أشواطا فيه”، ويتفاءل مدعوما بمعطى واقعي: “قرار رئيس الجمهورية بإنشاء مركز وطني للبيانات خطوة هامة جدا ونحتاج إلى مزيد من هذه المشاريع، في مختلف القطاعات”.

معطيات ممنوعة من التسريب
بعد ذلك، قررنا زيارة مركز البحث في الإعلام العلمي والتقني “سيريست” في بن عكنون، بغرب العاصمة، للتعرف عن قرب على المشاريع التي يعمل عليها الباحثون في مجالات الذكاء الاصطناعي وحماية البيانات، ومنذ اللحظة الأولى لوصولنا، شعرنا بالاطمئنان، والثقة أن هذه الجدران تحرس بياناتنا بأقصى درجات الصرامة، من الجينات إلى الملفات الصحية السرّية.
وفي لقاء مع الدكتور سعيد يحياوي، نائب مدير المركز، اصطحبنا في جولة داخل الورشات والمخابر، وقدم لنا عرضا شاملا عن طبيعة المشاريع الجارية وأبرز التحديات التي يواجهونها، مؤكّدا: “البيانات، مثل النفط، هي ثروة الغد، ونحن نعمل على أن تبقى هذه الثروة داخل البلاد”.
ويعرف الدكتور يحياوي المركز كمؤسسة بحثية وطنية تأسست سنة 1985، تضم خمس أقسام بحثية تتفرع إلى عشرين فرقة، وأربع وحدات بحث متخصصة، يعمل بها 88 باحثا دائما، إلى جانب مهندسين ومساعدين ومتعاونين، ويغطي نشاطها مجالات الصحة، الأمن السيبراني، التراث، الصناعة وغيرها من القطاعات.
ويواصل يحياوي: “المبدأ الذي نعمل عليه بسيط وهو أن البيانات الحساسة مثل الصحية لا تسلم للخارج، حتى وإن وقعت اتفاقيات، فإن مجرد خروج البيانات من الجزائر يجعلنا نفقد السيطرة عليها، وقد تستخدم لاحقا في تدريب نماذج أجنبية تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا”.
في هذا السياق، يوضّح يحياوي أن المركز يضم مركزي بيانات، أحدهما مصمم وفق معايير الجودة لهيئة UPTIME، وأن المشاريع تطور داخليا انطلاقا من بيانات محلية، ومن أبرز هذه المشاريع والأبحاث التي أنجزت على مستوى “سيريست”، مشروع “DIAG”، الذي أطلق خلال جائحة “كورونا” لتشخيص الإصابات بأشعة “السكانير” التي يقرأها الذكاء الاصطناعي، قبل أن يتوسع لاحقا ليشمل أمراضا تنفسية أخرى.
ويضيف: “النموذج الذكي الذي طوّرناه في هذا المشروع يعتمد على خوارزميات جزائرية، بنيت على بيانات من مستشفياتنا، وقد نال اعترافا وطنيا حين توجت الباحثة آمال إيمان حاج بوزيد بالجائزة الأولى لرئيس الجمهورية للباحث المبتكر فئة الطلبة”، وفي مجال الصحة أيضا، يعمل المركز على نماذج خاصة بتقييم أورام الدماغ، تساعد على تحديد نسب تطور الورم والخيارات العلاجية المتاحة، دائما انطلاقا من بيانات محلية.
أما في قطاع الأمن السيبراني، فيقود المركز مشروعا خاصا برصد محاولات الاختراق وتحليل سلوك الشبكات، ويشرح يحياوي: “الخوارزميات هي من ترصد وتقرر اليوم، وليس العنصر البشري فقط، نعمل على تقليل الإنذارات الكاذبة وتحسين الاستجابة للحوادث الأمنية”، ويواصل: “طوّرنا تقنيات تتيح تدريب النماذج من دون الحاجة لنقل أو نسخ البيانات، وهذا من أقوى الضمانات للحفاظ على الخصوصية، خاصة في القطاعات الحساسة كالصحة”.
وفي ما يخص البيانات الجينومية، وهي من أكثر الملفات حساسية، يشدّد نائب المدير على أن تأمينها أولوية قصوى، قائلا: “هذه المعطيات قد تستخدم لصناعة فيروسات موجهة، لذلك لا تمنح صلاحية الاطلاع الكامل حتى للباحثين داخل المخابر، نعتبرها من أسرار الدولة”.
كما يشير يحياوي إلى أن المركز لا يضع عددا ثابتا للمشاريع، إذ تفتتح وتختتم مشاريع كل عام، ويمتد العمل على كل واحد منها بين سنتين إلى خمس سنوات، مع تقييمات دورية مرتين في السنة.
وخلال زيارتنا، كان المركز يحتضن لقاء مع متعاونين من جامعة “كيبك” الكندية، ما يعكس انفتاحه الأكاديمي وتعاونه الدولي، يقول يحياوي، أما عن بداية الاهتمام بالذكاء الاصطناعي في “سيريست”، يوضح أن الانطلاقة الجادة كانت سنة 2012، بعد فترة ركود عالمي، ليبدأ المركز بعدها مشاريع في الحوسبة عالية الأداء، والأنظمة المستقلة، وغيرها من المبادرات، ويطور مشاريعه لاحقا الخاصة بالذكاء الاصطناعي ويختم قائلا: “كل مشروع يبدأ أولا بجمع البيانات، هذه المرحلة قد تستغرق عاما كاملا من التنسيق مع هيئات محلية، قبل أن تبدأ عملية التدريب، فنحن نجمع المعطيات ننظفها وننظمها ونصنفها قبل البدء الجدي في المشروع”.

ذكاء اصطناعي بسواعد محلية
أحرور بلعيد، الذي سبق أن حذّر من خطورة تسرّب المعطيات نحو المنصات العالمية، يشرف في المقابل على مشاريع داخلية تهدف إلى تطوير ذكاء اصطناعي محلي في مركز البحث في الإعلام العلمي والتقني ببن عكنون، قبل مغادرتنا “سيريست”، حدّثنا عن مشروعين يعمل عليهما حاليا، المشروع الأول تحت عنوان “كلمة” يتعلق بقراءة المخطوط والحفاظ عليه كجزء من التراث.
يقول بلعيد: “الفكرة تقوم على تصوير الكتب والمخطوطات، ثم يتعرف عليها الذكاء الاصطناعي ويقرأها، تبدأ العملية برفع الصور المأخوذة عبر الماسح الضوئي، ثم نضيف لها طبقة ذكاء اصطناعي تمكن النظام من التعرف على النص، وفهمه، وإتاحة ميزات مثل النسخ، والبحث، وتحليل المحتوى”، ويوضح أنه بمجرد تصوير المخطوط، يمكن للنظام رقمنته والتعرف على مضمونه، بل والإجابة عن أسئلة حول فكرته العامة، اسم المؤلف، أو تاريخ كتابته، “لو نفذنا ذلك على كل ما نملكه من أبحاث ودراسات ورقية، سنحفظها ونيسر الوصول إليها”، يضيف بلعيد، مشيرا إلى أن المشروع بدأ العمل عليه سنة 2021، وهو الآن جاهز ويشكل موضوع أطروحة دكتوراه لمهندسين وتقنيين تحت إشرافه.
المشروع الثاني يخص الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأورام العصبية، بالتعاون مع المستشفى الجامعي بالبليدة، قسم جراحة الأعصاب، تحت إشراف البروفيسورين طليبة وبوجلود، الهدف هو استخدام الذكاء الاصطناعي لمعرفة مدى تطور الورم والتنبؤ بمساره، ما يساعد الأطباء على اختيار العلاج الأنسب، “هذا مشروع وطني تم تكليفي به من طرف وزارة التعليم العالي، وهي التي تموله وتتابعه”، يوضح بلعيد، مضيفا أن البيانات الطبية لا يجوز نشرها أو تسريبها، وأن دقة الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يجب أن تكون عالية جدا لأن أي خطأ قد يكلف حياة إنسان.
ويشير إلى أن النظام يتعلم من بيانات وصور الأشعة وقرارات الأطباء السابقين، ليصبح قادرا أحيانا على الوصول إلى مؤشرات يصعب على الطبيب ملاحظتها، ويؤكد أن جميع هذه المشاريع تنجز بمعطيات وخوارزميات جزائرية، ومحمية من أي استغلال خارجي، ضمن البرنامج الوطني للأبحاث الذي يحدد أولويات بحثية للدولة في مجالات حيوية مثل الصحة والتغذية.
ويضيف بلعيد أن طلبة الجزائر، خصوصا في مجالات الذكاء الاصطناعي، يمتلكون مستوى متقدما يتفوق أحيانا على نظرائهم في أوروبا وأمريكا، والدليل أن الكثير منهم يتم التعاقد معهم في الخارج، لكنه يشدد على ضرورة توفير تجهيزات متطورة مثل الحواسيب العملاقة ومراكز البيانات عالية السعة، إضافة إلى تسهيلات إدارية، حتى تتمكن هذه الكفاءات من الإبداع داخل الوطن، ويختم قائلا: “انتشار الذكاء الاصطناعي اليوم مثل الكهرباء سابقا، لا مفر منه، قد يكون بطيئا في البداية، لكن يجب أن نلحق بالركب”.

من اللهجة الجزائرية إلى المستشار الرقمي.. اختراعات قبل التخرج
توجهنا بعد ذلك إلى المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي غرب العاصمة بمنطقة سيدي عبد الله، حيث يطوّر الطلبة نماذجهم الخاصة بالخوارزميات، وهناك أوضح عبد المليك بشير، مدير المدرسة، أن عدد المسجلين في السنة الجامعية 2024-2025 بلغ 927 طالب، موزعين على مختلف السنوات الدراسية، مشدّدا على أن التكوين موجه لتخريج مهندسين متخصصين في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.
ويبدأ بتكوين مكثّف في الرياضيات، والإعلام الآلي، واللغة الإنجليزية، ثم يتخصص الطلبة في السنوات الأخيرة في مجالات مثل تعلم الآلة، التنقيب في البيانات، الروبوتيات، معالجة اللغة الطبيعية، والرؤية الحاسوبية، إلى جانب مواد في ريادة الأعمال والابتكار.
ويتم الالتحاق بالمدرسة عبر التوجيه الوطني بعد اجتياز البكالوريا، مع أولوية لشعب الرياضيات، ثم العلوم التجريبية، والتقني الرياضي، حيث بلغت معدلات القبول هذا العام 18.59 لشعبة الرياضيات، و18.95 للعلوم التجريبية، و19.37 للتقني الرياضي وتتوقع المدرسة تخرج أول دفعة كاملة عام 2025-2026 بعد خمس سنوات من التكوين.
وأكد عبد المليك أن المناهج تعتمد معايير عالمية ويتم تحديثها باستمرار، إضافة إلى وجود مركز بيانات متطور يحتوي على حواسيب فائقة الأداء من طراز H100/ A40/ L40S مصممة وفق معايير عالمية في الأمان والطاقة والقابلية للتوسع، حيث تم استلام هذا المركز شهر جويلية الماضي.
وأشار إلى أن الطلبة يطوّرون مشاريع مبتكرة تساهم في تطوير الاقتصاد، مثل أنظمة التعرف على اللهجة الجزائرية، منصة رقمية لتحليل واقتناء السير الذاتية باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتسريع عملية التوظيف وتطبيق “نروحو” في مجال النقل يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتجميع الأشخاص ذوي الاهتمامات المشتركة في مسار واحد و”المستشار الرقمي”، وهي منصة إلكترونية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتسهيل الوصول إلى المعلومات.
كما أشاد بالتعاون مع جامعات ومراكز بحث دولية، واستقبال أساتذة زائرين، وتوفير ورشات وتدريبات مع مؤسسات وطنية وعالمية، بشير أكد أيضا أن المدرسة قادرة على تخريج كفاءات متخصصة في تصميم وتشغيل مراكز بيانات محلية، مشيرا إلى الإقبال المتزايد على التخصص، وتوسيع البرامج التعليمية عبر شراكات مع مؤسسات رائدة.
وختم بالقول إن امتلاك منصات ذكاء اصطناعي محلية يمثل ركيزة أساسية للسيادة الرقمية، إذ يضمن التحكم في البيانات الحساسة ويعزز تطوير حلول تلبي تحديات البلاد.

خارطة طريق لبناء ذكاء “دي زاد”
ونحن نغادر المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، داهمنا سؤال جوهري، أين تخزن كل هذه الأفكار والاختراعات؟ للبحث عن جواب توجهنا إلى رئيس الكونفدرالية الجزائرية لأرباب العمل المواطنين وخبير الرقمنة سهيل قسوم، وهو أيضا أحد مطوري حلول الذكاء الاصطناعي في الجزائر، حيث سلط الضوء على نقاط حاسمة تتعلق بالبنى التحتية، واقترح ما وصفه بـ”خارطة طريق عملية” لتمكين الجزائر من تطوير ذكائها السيادي.
يقول قسوم في حديثه لـ”الشروق”: “حاليا تشهد الجزائر تقدما ملحوظا على مستوى الإطار التشريعي لدعم ما يسمى بالسيادة الرقمية، خاصة منذ صدور قانون حماية البيانات الشخصية وتأسيس الوكالة الوطنية لأمن المعلومات، إلّا أن الترجمة العملية لهذه المبادرات تظل بحاجة للتطوير”.
ويعتبر المتحدث أنه “بينما يوفر القانون الحق في التحكم بالبيانات ويفرض التزامات على المعالجات، يحتاج التطبيق إلى آليات إنفاذ قوية، وإلى بنية تحتية وطنية متكاملة مثل الخدمات السحابية الحكومية ومنصات الحوسبة عالية الأداء المحلية، التي تضمن استضافة البيانات الحساسة داخل التراب الوطني”.
ويحذر قسوم من الاعتماد شبه الكامل على الحلول الأجنبية في المؤسسات الجزائرية، قائلا: “لا تزال معظم المؤسسات في القطاع الخاص تعتمد على حلول أجنبية للأنظمة الأساسية منها سيرفرات، قواعد بيانات، بوابات دفع إلكتروني، مما يعرضنا للاعتماد الخارجي ويحد من قدرتنا على مراقبة تدفق المعلومات وسرية المعاملات”، كما يشير إلى افتقار السوق المحلي إلى “برمجيات مفتوحة المصدر مدعومة وطنيا وموارد بشرية متخصصة في أمن الشبكات والتشفير”.
ويقترح قسوم خمس خطوات أساسية لتعزيز السيادة الرقمية فعليا وهي التسريع في إطلاق “السحابة الوطنية الآمنة” للمؤسسات الحكومية والقطاعات الحيوية وإلزامية توطين البيانات الحساسة كالصحة والطاقة والمالية، ومنع حفظها أو معالجتها خارج الجزائر وتأسيس هيئة رقابية مستقلة لمتابعة تطبيق قانون حماية البيانات، بصلاحيات حقيقية ودعم النهج مفتوح المصدر عبر تحفيز الجامعات والمؤسسات التقنية لتطوير أدوات جزائرية إضافة إلى رفع القدرات البشرية من خلال برامج تدريب وشراكات دولية متخصصة.
ويضيف قسوم: “بهذه الخطوات، يمكن للجزائر أن تبني بيئة قانونية ومنصات تقنية متماسكة، تضمن حق الجزائريين في ملكية بياناتهم، وتحررنا من تبعية البنى والخدمات الأجنبية، مساهمة بذلك في بناء سيادة رقمية حقيقية”.
وبخصوص الحلول لبناء ذكاء جزائري آمن، يقترح قسوم إنشاء سحابة وطنية آمنة تستخدم بروتوكولات تشفير مفتوحة المصدر، وتبني نموذج التعلم الفيدرالي (Federated Learning) لتدريب النماذج محليا دون الكشف عن البيانات الأصلية وتأسيس صندوق وطني للبحث في الحوسبة والذكاء الاصطناعي وإصدار مرسوم يلزم باستضافة البيانات داخل الجزائر، مع منع نقلها للخارج من دون إذن رسمي.
ويرى قسوم أن: “بناء بيئة ذكاء اصطناعي سيادي يتطلب أربعة مكونات رئيسية وهي البنية التحتية، التشريع، الكوادر البشرية، والتمويل”، ويدعو إلى مراكز بيانات وطنية موزعة وقانون خاص بالسيادة الرقمية وبرامج دراسات عليا وشهادات اعتماد وصندوق وطني للذكاء الاصطناعي.
بالمقابل يقر قسوم أن هناك خطوات وطنية بدأت تتشكل على هذا الطريق، إذ أطلق المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي في ديسمبر 2024 الإستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، كما تم إنشاء مركز بيانات مخصص في وهران في مارس 2025 لتخزين ومعالجة البيانات بشكل آمن داخل التراب الوطني، وتبع ذلك افتتاح مركز الحوسبة المتقدمة بمدرسة ENSIA في أوائل أوت، مزود بوحدات معالجة متقدمة مثل NVIDIA H100، لتمكين الباحثين من تدريب نماذجهم محليا وعلى المستوى الأكاديمي والمدني، بدأت مختبرات الأبحاث مثل CERIST وجامعات جزائرية في تأسيس قواعد بيانات محلية في مجالات لغوية وطبية وزراعية، وتنشط مجموعات مطوري Google وMozilla في تنظيم “هاكاثونات” تعتمد أساليب مثل التعلم الفيدرالي والتشفير التشاركي، من جهة أخرى، شرعت حاضنات الأعمال في دعم مشاريع تقنية تعتمد على بيانات جزائرية، عبر شراكات مع متعاملي الاتصالات لضمان حمايتها.
ويختم حديثه بالتأكيد على أنه: “بتضافر هذه العناصر، يمكن للجزائر أن تنتقل من مجرد مستهلك للخدمات الأجنبية إلى منتج ومصدر للتقنيات الذكية”.

قانون جديد يحصّن خصوصية المواطنين
وأمام الجدل القائم حول البيانات، تحرك البرلمان أيضا، حيث ناقشت لجنة الشؤون القانونية والحريات بالمجلس الشعبي الوطني، على مدار أسابيع، مشروع قانون لحماية المعطيات والبيانات ذات الطابع الشخصي، وصودق عليه لاحقا من الغرفتين التشريعيتين، وأكدت اللجنة أن القانون الجديد يوفر حماية شاملة لمعطيات المواطنين، ويكرس حقهم في الخصوصية الرقمية.
وفي هذا السياق، صرح هشام صفر، رئيس اللجنة، في لقاء مع “الشروق” أن الجزائر ملتزمة بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا سيما المادة 17 التي تمنع التدخل التعسفي أو غير القانوني في الخصوصية، مشدّدا على أن القانون يضمن الحماية من أي مساس بالحياة الخاصة أو السمعة.
كما أشار إلى أن المادة 47 من الدستور الجزائري تضمن حماية الحياة الخاصة، الشرف، وسرية المراسلات والاتصالات، ولا يجوز المساس بهذه الحقوق إلا بأمر قضائي، وأكد أن حماية المعطيات الشخصية تعد حقا فرديا يخضع لرقابة القانون.
وأوضح صفر أن الهدف من هذا القانون هو تكييف التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية لمكافحة الجرائم العابرة للحدود، وضمان امتثال الجزائر لملاحظات منظمات دولية كـ”غافي”، بما يعزز التعاون الدولي في تبادل المعلومات والأدلة، ولكن يهدف القانون أيضا حسبه، إلى تعزيز حماية المعطيات خلال الإجراءات القضائية، بدءا من الضبطية القضائية إلى القضاء، بما يتوافق مع المعايير الدولية.
وأشار صفر إلى أن القانون يمكن الجزائر من تفعيل التعاون القضائي والأمني، خاصة في مواجهة الإرهاب، الفساد، والجريمة المنظمة، ويضبط كيفية تبادل المعطيات دوليا والحالات التي تتم فيها، وبخصوص نقل معطيات الجزائريين خارج الوطن، أوضح أن المادة 45 مكرر 13 تنص على أن السلطة المختصة هي من تقيم مدى كفاية حماية الدولة أو المنظمة المتلقية للبيانات، مع الأخذ في الاعتبار احترام حقوق الإنسان، والتشريعات المعمول بها، وضمانات الأمن.
وأضاف أن نقل البيانات لا يسمح به إلا إذا كان ضروريا لمنع الجرائم أو التحقيق فيها، ويشترط الاحتفاظ بها لمدة محدّدة وعدم إعادة نقلها لجهة أخرى من دون موافقة الجزائر، وأكمل صفر حديثه بأن هذا القانون يكرس سيادة الدولة، ويحمي خصوصية الجزائريين ضمن إطار قانوني يواجه تحديات العصر الرقمي.
في ختام رحلتنا هذه، كان لابد علينا أن نعود إلى ولاية ميلة حيث يعمل الباحث رؤوف شباح، هناك بعيدا عن العاصمة والمراكز البحثية الكبرى، يؤكد رؤوف أن مستقبل الذكاء الاصطناعي الوطني يبنى في كل ركن من أركان الجزائر ويقول: “قد لا نكون اخترعنا تشات جي بي تي جزائري بعد، لكن لدينا الإرادة والوعي، ونعلم أن بيانات الجزائريين يجب أن تبقى هنا، حيث ولدت، في الجزائر”.

مقالات ذات صلة