الرأي

أنثى حتى آخر دمعة..!!

مروان ناصح
  • 2220
  • 4

-1-“أصداء السيرة الذاتية” عنوان لواحد من كتب أديب العربية الكبير نجيب محفوظ؛ جمع فيه عدداً كبيراً من اللقطات الأدبية المكثفة؛ من ذلك النوع الذي يدعوه بعض الأدباء السوريين “قصة قصيرة جداً”، ويسميه بعض أدباء مصر “ومضة”، ولكنه عند أديب نوبل مجرد “صدى” أو هامش لحدث ما، ومع ذلك فإنه يستحق التدوين.. ولقد استوقفني واحد من تلك الأصداء عنوانه: “الأضواء”، وهاكم إياه بكامل حضوره المشع:”استعدت الكاميرا في موقعها، وضُبطت الأضواء، وأشار المخرج ببدء التصوير. تلاقى حبيبان ودار حوار. انتهى تصوير اللقطة. همس الموزع للمنتج، وهما يجلسان على مبعدة يسيرة وراء الكاميرا:- لن تصلح لأدوار الحب بعد اليوم، قلبي معها..أشعلت الممثلة سيجارة لتريح أعصابها من عناء التمثيل. ووقف المؤلف في زاوية بعيداً عن الأضواء يصغي ويتابع، لا يبالي به أحد”

.

في هذا “الصدى” الرائع – الذي اقتطفه أديب نوبل من يومياته، عندما كان يعمل مديراً للمؤسسة العامة للسينما في مصر – إيحاءات بمعانٍ كثيرة، واحتمالات لتفاسير شتىّ، كلها مما يهز وجدان القارئ هزّاً رفيقاً ليولّد مشاعر إنسانية متنوعة، لا سيّما القارئ الذي عايش الوسط الفني بشخصياته وأحداثه وتبدلاته، ومفارقاته “التراجيدية” أيضاً..!!

ووجدتني مستغرقاً في تأمل حال هذه الممثلة البائسة، التي قرر الموزع “الشاطر” بكلمات حاسمة “مشفقة”، كأنما هي صوت القدر، أنها لم تعد تصلح لأدوار الحب والغرام..!! وارتفع صوت عطوف – في أعماقي – يسأل عن مصيرها “الفني” بعدما هذا القرار الحاسم؟؟ وجاوبه صوت آخر “متفهم”، في هذه الأعماق المجربة لشتى ألوان الخيبات والتحولات:

 – لن تجديها كلّ فرص المكابرة اليائسة..!! ولا بد من أن تمتثل لصوت العقل والطبيعة الذي يدعوها إلى الاستعداد لولادة ممثلة جديدة، في إهاب الممثلة “المعشوقة” القديمة، والتأهب النفسي للدخول، في أدوار “الأم” بمختلف تجلياتها الدرامية.. إذا كانت فنانة أصيلة..!!

2

أقدم أم “سينمائية” تسكن ذاكرتي هي الممثلة طيبة القلب “فردوس محمد” وقد صبغت وجهها بالسواد لتقوم بدور “زبيبة” والدة عنترة بن شداد (الذي قام بدوره وحش الشاشة فريد شوقي) وما يزال نحيبها وصراخها يتعاليان في رأسي، بين الحين والآخر، وهي تقتعد الأرض، وتحثو بيديها التراب على رأسها وشعرها الأشعث، وقد التم حولها بعض “الكومبارس” من أفراد قبيلة عبس، يصغون بتعاطف مفتعل إلى نواحها:

– “ قتلوك يا ولدي قتلوك.. عمك وأبوك قتلوك..!!”

وكان الأب “شداد” والعم “مالك” قد كلفا البطل عنترة بأن يجلب النياق البيض، من الربع الخالي، مهراً لعبلة، وهي مهمة لا يرجع منها أحد حياً..!!

وتلت “زبيبة” أمهات كثيرات في أفلام السينما، ومسلسلات الإذاعة والتلفزيون، وعلى خشبات المسارح، لكنني لم أتوقف مقتنعاً ومأخوذاً – على الدوام – إلا بأمومة عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من أولاء الأمهات، رغم أن جوهر دور الأم في الدراما العربية يكاد يكون واحداً، ومظاهره ولوازمه محدودة ومكررة: فهي الحضن والملجأ الأمين، وهي السند الضعيف الذي إن لم يجد ما يعينك به – وهو في الغالب لا يجد بين يديه شيئاً حقيقياً..!! – فسيلجأ إلى رفع يديه بالدعاء لك، أو يبكي لك أو عليك مدراراً من الدموع.. وذلك هو أضعف الإيمان..!!

من أولئك الأمهات الممثلات البارعات: “أمينة رزق” التي لم تعرف حقيقة الأمومة في حياتها الواقعية، فعاشتها آلاف المرات على الشاشة، وفي المسرح، والمطربة – الممثلة الكبيرة “شادية” التي غرقت مع سابقتها في “بئر الحرمان” من الأمومة، وأبدعت في تجسيدها وهي شابة، مستعينة بعجائب “الماكياج” وذلك في فيلم “المرأة المجهولة”.. والممثلة السورية الكبيرة “منى واصف” التي قدمت الأم في أدوار لا تنسى، بكل ما تنطوي عليه هذه الشخصية من حب مثالي، وتضحيات، وصبر على المرارات بكل أنواعها، وقد شاهدتها في مسلسل “الحوت” – وهو من أعمالها الأخيرة – تتفوق على تاريخ “شخصية الأم” في الدراما العربية، عندما دفعت بها ارتكابات ولدها الجانحة عن طريق المحبة والخير، وجرائمه المتتابعة، ووصوليته المذهلة، إلى حدود التفكير بقتله “غسلاً للعار” الذي سدّ في وجهها آفاق الحياة النظيفة..!!

ومنهن أيضاً تلك الأم التي رأيتها لمرة واحدة منذ سنوات بعيدة في الفيلم السوري “بقايا صور” المأخوذ عن قصة الأديب السوري الكبير “حنا مينة”، ولمخرجنا المخضرم “نبيل المالح”، وقد أدت دورها “نائلة الأطرش” بحضور لافت وأحاسيس فائقة..!!

وكم أسعدني في المواسم الأخيرة، أن أرى الفنانة السورية الكبيرة “نادين” في دور أم لعدد من الشخصيات الشابة، ورحت أراقبها وهي تتصرف معهم كأنها أختهم الكبيرة، أو كأنهم أصدقاؤها المقربون، فقدمت نموذجاً جديداً لشخصية الأم تتناسب مع التطورات الفكرية، والمشكلات الاجتماعية التي اقتحمت علينا حياتنا، ولعبت في خلخلة كيانها التقليدي بقوة ملحوظة..!!

3

 

وعلى الرغم من مظاهر التعظيم والاحترام التي تحيط بدور الأم، فما أكثر الممثلات الرافضات – حتى آخر دمعة على الشباب – مجرد التفكير بأن يكنّ أمهات على الشاشة، مع أنهن يعشقن هذا الدور في الحياة، ويبذلن المستحيل للحصول عليه، في حياتهن الشخصية، فالأمومة – كما قال سارتر هي الأمومة: “ولا شيء غير الأمومة ما يتحكم في عواطف المرأة: أولادها.. ثم أولادها.. ثم أولادها.. ثم زوجها.. ثم…!! فالأمومة هي اكتمال الأنوثة”.

مقالات ذات صلة