العالم
اختتام الدورة السابعة عشرة للمنتدى الاجتماعي العالمي

أنصار العولمة البديلة يحاكمون الاستعمار في إفريقيا

ماجيد صراح
  • 117
  • 0
ح.م

أسدل الستار، يوم السبت 8 أوت، في العاصمة البينينية كوتونو، على فعاليات الدورة ال17 للمنتدى الاجتماعي العالمي، بعد خمسة أيام من النقاشات والورشات التي جمعت حركات اجتماعية ومنظمات مجتمع مدني وناشطين من إفريقيا ومختلف أنحاء العالم.
واستضافت إفريقيا المنتدى للمرة الرابعة، في دورة أراد منظموها أن تجعل من القارة السمراء فضاء لمناقشة قضايا ترتبط بتاريخها الاستعماري وحاضرها الاقتصادي والسياسي. وتوقع المنظمون مشاركة أكثر من 50 ألف شخص من أكثر من 150 دولة، مع تنظيم أكثر من 200 جلسة ونشاط.
وحمل المنتدى عنوان “حكامة الموارد الطبيعية والنضالات الشعبية في مواجهة الأزمات العالمية: أي بدائل من أجل السلام، التماسك الاجتماعي والتنمية المستدامة؟”، فيما تصدرت محاور إزالة الاستعمار
والسيادة، والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، والسلام ونزع السلاح وتقرير المصير، النقاشات التي احتضنها المنتدى.

نقاش حول السيادة
وكان وصول القافلة الغرب إفريقية من أجل الحق في الأرض والمياه والبذور الفلاحية أحد أبرز مشاهد المنتدى. فبعد أسابيع من التنقل عبر نحو عشرة بلدان وآلاف الكيلومترات، وصلت حافلات القافلة إلى جامعة أبومي كالافي، حيث استقبلها ناشطون وممثلو منظمات المجتمع المدني ووفود من عدة دول.
وانطلقت مسيرة من البوابة الرئيسية للجامعة نحو مدرج إدريس ديبي، بمشاركة زعماء تقليديين أفارقة.
وفي كلمة لها رحبت الناطقة باسم الأمانة التقنية للمنتدى بأعضاء القافلة، بعبارة اختصرت روح هذه الدورة: “لقد صمدتم، وصمدنا، وانتصرنا”، قبل أن تدعو المشاركين إلى جعل المنتدى فضاء لصياغة البدائل، انطلاقا من قناعة بأن “عالما آخر ممكن”.
وحملت القافلة معها نقاشات حول صعوبة تنقل المواطنين داخل القارة، وضعف الترابط بين منظمات المجتمع المدني، والاستحواذ على الأراضي، والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، وتداعيات التغير المناخي على المجتمعات.
ويشير منظمو المنتدى إلى أن اختيار بينين لاستضافة الدورة باسم إفريقيا كلها لم يكن “صدفة ولا مجرد تناوب جغرافي”، بل جاء في إطار قراءة لديناميكيات النضالات والمقاومات والمقترحات البديلة التي تحملها مجتمعات غرب إفريقيا.
وتواجه شعوب المنطقة تحديات متعددة، من الاستيلاء على الأراضي وآثار تغير المناخ إلى استخراج المعادن والنزاعات المسلحة وغير المسلحة، في وقت تبحث فيه المجتمعات عن إجابات متجذرة في المعارف المحلية والتضامن المجتمعي والدفاع عن الحقوق الجماعية في الموارد الطبيعية.

كما منح اختيار بينين للنقاش حول الاستعمار بعدا تاريخيا، باعتبارها أرض مملكة داهومي والمقاومة التي قادها الملك بهانزين ضد التوسع الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر. وبعد هزيمته أمام القوات الفرنسية، نفي بهانزين إلى الجزائر التي كانت آنذاك تحت الاستعمار الفرنسي، حيث أقام تحت المراقبة في البليدة قبل أن يتوفى في الجزائر العاصمة سنة 1906.
اليوم، وبعد استقلالها، لا تزال بينين، مثل عدد من دول غرب إفريقيا، ضمن منطقة الفرنك الإفريقي والاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا. ما يجعل مسألة السيادة النقدية والاقتصادية حاضرة في النقاشات المرتبطة بالإرث الاستعماري والعلاقات مع فرنسا.
وناقشت ورشات المنتدى نماذج سياسية واقتصادية ما بعد الاستعمار، والديون، وسيادة الشعوب، إلى جانب العدالة الاجتماعية والمناخ والسيادة الغذائية.

الجزائر.. من أجل ذلك العالم الآخر الممكن

في فضاء النقاش هذا، حضرت الجزائر من خلال وفد شارك في مختلف فعاليات المنتدى وأقام جناحا احتضن أنشطة ومعرضا دائما طوال أيام التظاهرة.
وكان للحضور الجزائري دلالة تاريخية بالنسبة إلى المشاركين، فالبلد الذي خاض واحدة من أبرز حروب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي وجد نفسه في قلب نقاش إفريقي حول الاستقلال والسيادة والذاكرة.


وصرح رئيس الوفد الجزائري المشارك في المنتدى، علي ساحل ل”الشروق اونلاين” أن هذه الدورة “فرصة كبيرة لتوحيد كل الأصوات المشاركة حول هدف واحد، هو الدفاع عن حرية الشعوب”.
وأضاف أن الوفد الجزائري “يضم صوته إلى أصوات الشعوب المحبة للسلام والحرية”، مؤكدا ضرورة إنهاء الاستعمار وتمكين الشعوب من تقرير مصيرها. واعتبر أن “القضيتين الاستعماريتين المتبقيتين اليوم على المستوى العالمي هما القضية الفلسطينية والقضية الصحراوية”.
وشدد ساحل على أن احترام القانون الدولي أصبح “ضرورة ملحة”، داعيا جميع الدول، ولا سيما الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى الالتزام به باعتبارها مطالبة بضمان تطبيق القانون الدولي.
وأكد أن الوفد الجزائري إلى جانب المشاركين في المنتدى، سيبقى “متضامنا ومساهما في دعم الشعب الفلسطيني، إلى أن يتمكن من إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف”.

التجربة الجزائرية في ثقافة السلام
ومن جانبها، قالت لنا ياسمين بن تونس، مسؤولة عن دار السلام ومنسقة المؤسسة المتوسطية للتنمية المستدامة “جنة العريف”، إن مشاركة المؤسسة في المنتدى تندرج ضمن مسار أوسع للدفاع عن ثقافة السلام والتعايش بين الشعوب.

وتعود تجربة المؤسسة، بحسب بن تونس، إلى مؤتمر عقد سنة 2014 تحت شعار “الكلمة للنساء”،والذي كان من بين توصياته إدراج يوم عالمي للعيش معا في سلام.

وتضيف أن الدبلوماسية الجزائرية احتضنت المشروع وعملت على إيصاله إلى الأمم المتحدة، حيث اعتمدت الجمعية العامة سنة 2017 يوم 16 ماي يوما دوليا للعيش معا في سلام الذي اقترحته الجزائر.
وتقول إن العمل على المشروع لم يتوقف عند اعتماده أمميا، بل انتقل إلى المجال التربوي، من خلال اعتماد التربية على ثقافة العيش معا في سلام كمنهاج تربوي.
وتضيف “اليوم أطلقنا في الجزائر سبع مدارس بيداغوجية، تقوم برامجها على ثقافة العيش معا في سلام”.
وترى بن تونس أن مشاركة المؤسسة في المنتدى فرصة لتقديم التجربة الجزائرية في مجال التربية على السلام، معتبرة أن هذه الثقافة “نابعة من قيم وتاريخ المجتمع الجزائري”، مستشهدة بتجربة الأمير عبد القادر.
كما اعتبرت أن حضور الجزائر في المنتدى مهم باعتبارها “بوابة لإفريقيا وجسرا يربط الشمال بالجنوب”، إضافة إلى تاريخها النضالي.
وكان الجانب الروحي أيضا حاضرا في المنتدى، فكان تيجاني محمد، حفيد الخليفة العام للطريقة التيجانية، ضمن الوفد الجزائري المشارك في المنتدى، حيث التقى بالمناسبة الخليفة العام للطريقة التيجانية في بينين.
وصرح لنا بأن أهداف المشاركة تمثلت في “التواصل الروحي والاقتصادي بين الجزائر وبينين”، مشيرا إلى أن المناسبة أتاحت التأكيد على أهمية هذا التواصل.
وأوضح أنه على الصعيد الروحي، يتعلق الأمر بكل ما يخص العلاقات التيجانية بين الجزائر وبينين، لافتا إلى ضرورة أن يواكب ذلك تواصل اقتصادي مهم بين البلدين.

فلسطين والصحراء الغربية حاضرتان في المنتدى

إضافة إلى القضايا الإفريقية، شكلت القضية الفلسطينية إحدى القضايا التي بقي هذا الفضاء العالمي وفيا لها، كما حضرت قضية الصحراء الغربية ضمن النقاشات المتعلقة بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وقال لنا امبارك سيد أحمد مامين، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد عمال الساقية الحمراء ووادي الذهب، إن تجربته في المدن المحتلة من الصحراء الغربية جعلته يعيش واقعا “صعبا جدا، يطبعه الحصار والقمع المستمران”.
ويشير مامين، المولود سنة 1995 في المدن المحتلة، إلى أن الصحراء الغربية “من المناطق القليلة في العالم التي يمنع دخول الصحافة الدولية والمراقبين الدوليين إليها”، معتبرا أن هذا الوضع يساهم، في حجب ما يجري في المنطقة عن الرأي العام الدولي.
ومنذ بلوغه 18 عاما، انخرط مامين في ما يصفه بـ”الإعلام الصحراوي المقاوم”، معتمدا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصوير المظاهرات وتوثيق عمليات القمع وشهادات الضحايا ونشرها خارج المنطقة. ويقول إن هذه المواد ساهمت في إعداد تقارير دولية تناولت أوضاع حقوق الإنسان في الصحراء الغربية.
لكن مساره تغير في نوفمبر 2020، بعد انتهاك الجيش المغربي وقف اطلاق النار بمنطقة الكركارات، وإعلان
جبهة البوليساريو استئناف الكفاح المسلح، حيث قرر الانتقال إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف.
وفي المخيمات، واجه ظروفا معيشية ومناخية صعبة، لكنه يقول إنه وجد في المقابل ما افتقده في المدن المحتلة وهو “الحرية”.
ويختصر تجربته بالقول “كل من يبحث عن الحرية احتضنته الجزائر”.
وخلال مشاركته في المنتدى ضمن الوفد الصحراوي، نظم مامين ورفاقه معرضا للتعريف بالقضية الصحراوية، إلى جانب محاضرات ونقاشات حول تطورات القضية ووضع حقوق الإنسان في الصحراء الغربية.
ويقول إن هذه الأنشطة انطلقت من اعتبار الصحراء الغربية “آخر مستعمرة في إفريقيا”، وسعت إلى عرض القضية أمام حركات ومنظمات من بلدان مختلفة.

“عالم آخر ممكن”
يعود المنتدى الاجتماعي العالمي إلى سنة 2001، عندما انعقدت دورته الأولى في بورتو أليغري بالبرازيل، في مواجهة النموذج الذي مثله المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. ومنذ ذلك الحين، تحول إلى فضاء للحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية والشبكات المدنية الباحثة عن بدائل للعولمة النيوليبرالية.
وبعد نحو ربع قرن، جاءت دورة كوتونو لتضع إفريقيا في مركز هذا النقاش، في وقت تتصاعد فيه المطالب بالسيادة الاقتصادية والسياسية، وتتزايد الانتقادات للتدخلات الخارجية وللنماذج التنموية المفروضة من الخارج.

مقالات ذات صلة