الرأي

أنفلونزا الربيع العربي!

جمال لعلامي
  • 3122
  • 3

ما يجري هذه الأيام في مصر، يستدعي وقفة شجاعة وعميقة وحيادية، لقراءة ما وراء الأحداث، وتقييم “ثورة” لا تريد أن تضع أوزارها، رغم رحيل نظام الريّس حسني مبارك، والزجّ به رفقه عائلته وحاشيته إلى السجن، فما الذي يفوّر دم الشارع المصري، ويجعل “ميدان التحرير” عود كبريت دائم الاشتعال لتفجير الأمن والاستقرار؟

عندما يسقط من الضحايا في “الثورة” على مرسي أكثر ممّن سقطوا في “الثورة” على مبارك، فهذا بالفعل يُثير علامات استفهام وتعجب أمام “ثورة” لا تريد أن تتوقف ولا تريد أن تهدأ، وإن تعدّدت بطبيعة الحال الأسباب والمبررات، واختلف “الثوّار” في توجهاتهم ومبرراتهم وأهدافهم وولاءاتهم!

بعيدا عن عُمق وخطورة الأزمة التي تعصف بمصر منذ عامين، فإنه من الواضح حسب ما يسجّله مراقبون، أن رياح ما يسمى “الربيع العربي”، لا تريد أن تغيّر وجهتها أو أن تتوقف عن هذه الهبّة الغريبة على مصر، وكلّ البلدان التي ضربها “تسونامي” ربيع تحوّل إلى خريف بارد وممطر وعاصف!

الآن، لم يعد من التهويل أو التأويل، عندما يتحدث متابعون عن المكامن الحقيقية لربيع ضرب العرب دون الغرب، فالربيع الذي يستغرق في وقته زمن كل الفصول الأربعة على مدار السنتين، هو ربيع غير طبيعي واستثنائي ويُثير الرعب والمخاوف وسط المستبشرين خيرا بشمس لا هي باردة ولا دافئة، وإنما شمس تصنع النعاس وتجبر القاعد تحتها على السبات العميق!

من مصر إلى تونس إلى ليبيا إلى سوريا، “الربيع العربي” مستمرّ، لكن بحرارة الصيف، والنسمات المنعشة تحوّلت إلى رياح “سيروكو” تجفّف العرق والريق وتنتهي بإصابة كلّ من تهبّ عليه بأنفلونزا قاتلة، لا تنفع معها الأسبيرين والبارسيتامول، وفي أحسن الأحوال هي حمّى تهزّ خلايا المناعة في جسم بلدان عربية مستهدفة!

رغم سقوط وتغيير أنظمة مبارك وزين العابدين والقذافي، فإن “الربيع العربي” لا يُريد أن يتوقف في مصر وتونس وليبيا، فألا يستدعي هذا الاستمرار الاستثنائي في “استقرار المناخ”، رغم أن المنطقة العربية هي منطقة لتعاقب وتداول الفصول الأربعة، التساؤل والبحث عن سرّ هذا”الربيع” الذي يقطع الطريق على الصيف والخريف والشتاء حتى يستوي قانون الكون؟

الغريب، أن “النظامين الجديدين” في تونس ومصر، يستعملان نفس الأسلحة التي أسقطت “الأنظمة القديمة”، فالربيع لم يوقف استعمال القنابل المسيلة للدموع، ولم يمنع خلفاء الهارب زين العابدين والمخلوع مبارك، من الاستنجاد بقوات الأمن والجيش وإعلان الطوارئ لإخماد “الثورة” المتجددة وقمع المتظاهرين عبر الشوارع!

سقوط قتلى وتجدّد الاشتباكات واستيقاظ يافطات “ارحل.. ارحل” رغم رحيل من قامت بسببهم الثورة، يعطي الانطباع أن أهداف عرّابي ومخابر فبركة “ربيع عربي” لم تتحقق بعد، ولذلك استأنفوا مهمّة التحريض على “ثورة” في طبعتها الثانية، بعدما لم تحقق “الثورة” في نسختها الأولى كل الأغراض التي سيكشف التاريخ حقيقتها وأجندتها إن آجلا أو عاجلا!

نعم، من عجائب الدنيا السبع، أن لا تخمد “الثورات” ولا يقتنع “الثوار”، رغم تنظيم انتخابات “حرّة ونزيهة” في تونس ومصر، وسقوط أنظمة “ديكتاتورية” وصعود أخرى “ديمقراطية” من رحم الصندوق ونتاج “إرادة شعبية”، فهل يُمكن للربيع أن لا يحقق التوافق والاتفاق بين المصابين بالروماتيزم والمعرّضين للحمى الباردة؟

مقالات ذات صلة