أهكذا نتعامل مع حقّ الله؟!
من المسلّمات التي لا يماري فيها مسلم، أنّ المساجد هي بيوت الله، وهي أحبّ البقاع إليه سبحانه.. فكان الواجب المفترض إزاء هذه الحقيقة المسلّمة، أن تكون المساجد أحبّ البقاع إلى قلوب المسلمين، يجلّونها ويوقّرونها ويسارعون فرارا إليها من طغيان الدّنيا، ليجدوا بين جدرانها راحتهم وأنسهم وينسوا فيها همومهم وغمومهم. وعلى ضوء هذه الحقيقة يتعلّم المسلم أنّ حقّ الله هو أعظم الحقوق، وأنّ الواجب عليه أن يهتمّ بهذا الحقّ غاية الاهتمام ويسعى إلى إيفائه في وقته برضا نفسه وإقبال جوارحه.
الله الكريم –سبحانه- ينادينا إلى بيوته خمس مرات كلّ يوم، لنشحن فيها قلوبنا وأرواحنا ونطهّرها من التعلّق بالدّنيا الفانية التي تحملنا على العداوة والتقاطع والتدابر.. ينادينا ليس لأنّه –جلّ شأنه- في حاجة إلى صلاتنا، فهو –سبحانه- الغني القائل كما في الحديث القدسي: “يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا”.. ويدعونا –سبحانه- مرّة في الأسبوع، يوم الجمعة، لنجتمع في بيوته، ليس لأنّه –عزّ وجلّ- في حاجة إلى اجتماعنا.. إنّ الله غنيّ كلّ الغنى عن تلبيتنا لندائه واجتماعنا في بيوته. ولكنّنا نحن في أمسّ الحاجة لأن نحثّ الخطى إلى بيوتٍ كفاها مكانة وشرفا أنّها تسمّى “بيوت الله”.
ساعتان –على الأقلّ- يفترض أن نأخذهما كلّ يوم من بين الـ24 ساعة، عن طيب نفس، للصلاة في بيوت الله، وساعة –على الأقلّ- يفترض أن نأخذها كلّ أسبوع من بين 168 ساعة، عن طيب قلب، لنجتمع في بيوت الله، لأجل قلوبنا وأرواحنا ونفوسنا، ولأجل قبورنا وآخرتنا.
إنّنا في أمسّ الحاجة إلى هذه السّاعات. بل إنّ قلوبنا أحوج إليها من حاجة أبداننا إلى الطّعام والشّراب والنّوم، وحاجة هواتفنا إلى الشّحن.. تلك الهواتف التي نحمل في جيوبنا، لو تركناها من دون شحن يوما كاملا، لانخفض شحنها وبعثت إلينا برسالة تفيد أنّ الشحن منخفض، فإذا أغفلناها فإنّها في النهاية ستنطفئ ولن يكون بإمكاننا الاستفادة منها.. هكذا قلوبنا؛ إذا أهملنا شحنها فإنّها ستظلم وتنطفئ ولن يمكننا الاستفادة منها. وليس هناك مكان تشحن فيه القلوب والأرواح كالمساجد.
إنّ من أعظم أسباب قسوة قلوبنا، أنّنا ننظر إلى الصّلاة في بيوت الله على أنّها حمل ثقيل وعمل زائد غير ضروريّ، والأدهى من ذلك والأعمّ والأطمّ أنّنا أصبحنا نتعامل مع حقّ ربّنا على أنّه ضريبة من أوقاتنا، نتحايل للتملّص منه أو نتحامل للقيام به.. حقّ ربّنا الذي لأجله خلقنا وخرجنا إلى هذه الدّنيا، أصبح ثقيلا على قلوبنا القاسية.. بعض المسلمين عندما يتعلّق الأمر بالصلاة في المسجد كأنّه يتفضّل ويمتنّ على ربّه بذلك الوقت الذي يقضيه في بيته! يجرّ قدميه إلى المسجد يوم الجمعة في آخر دقائق الخطبة، حاملا سجادته على عاتقه، ليجلس في الساحة أو في مكان الوضوء أو حتّى في الطّريق والشّارع، كأنّ تحت قدميه جمرا وفوق ظهره جبلا، جبينه مقطّب وروحه تكاد تخرج! حتى إذا أقيمت الصلاة طرح سجادته على الأرض في الشارع وصلّى ركعتين لا يعقل فيهما قرآنا ولا ذكرا. ليعود بعدها سريعا إلى هاتفه ويتابع تصفح اللغو والهذر والهذيان، أو يجلس مع الأصدقاء والخلان في “قصرة” لا يملّ منها ولا يتعب، بعد أن تعود إليه ابتسامته وراحته! هذه حاله منذ سنوات وعقود لم تتبدّل ولم يتغيّر؛ حقّ الله هو أثقل حقّ على قلبه، والمسجد هو أثقل مكان على روحه، والإمام داخل المسجد هو أبغض إنسان إلى قلبه!
فما الذي أوصل بعض المسلمين إلى هذه الحال؟ مع أنّنا رأينا في واقعنا وفي أخبار وأحوال إخواننا المسلمين من حولنا في هذا العالم ما يزلزل القلوب.. رأينا كيف كان إخواننا في غزة يذرفون الدّموع أنهم لم يجدوا مساجد يجتمعون فيها للصلاة، بعد أن سوّى الاحتلال الصهيونيّ مساجدهم بالأرض! ونحن مساجدنا قائمة شامخة مفروشة ومجهّزة، ومع ذلك نهجرها، وإذا أتيناها جلسنا فيها كأنّنا نمتنّ على ربّنا ومولانا! سمعنا عن إخواننا المسلمين الروهينجا في تركستان الشرقية، كيف تمنعهم السلطات الصينية من إظهار شعائر دينهم، وكيف تحرمهم الاجتماع في المساجد وتمنع نساءهم الحجاب، ويعاقب من يثبت عنه صوم رمضان. يبكون حنينا إلى المساجد وأسفا على الحجاب والصيام، ونحن لا يحول بيننا وبين بيوت الله حائل ولا يمنعنا من عمارتها مانع، ومع ذلك نتعامل معها كأنّها سجون للتعذيب نفرّ منها وتنقبض قلوبنا من وجودنا فيها!
رأينا على شاشات هواتفنا صورا ومقاطع لمسلمين يصلّون في المساجد بأعضاء اصطناعية، يجدون مشقة في الحضور للصلاة وفي القيام لها، لكنّهم يتحمّلون المشقّة عسى الله أن يحشرهم يوم القيامة مع أولئك الذين تعلّقت قلوبهم بالمساجد.. رأينا من يجرّ معه قارورة التنفس الاصطناعيّ إلى المسجد ليقف بها في بيت الله، لأنّ قلبه حيّ ويعرف أنّ ذلك المكان هو أكثر مكان تنزل فيه الرّحمة والمغفرة وفيه يكتب الرضوان والعتق من النيران.. رأينا أحوال المسلمين الجدد في بلاد الغرب، كيف يبكون عند سماع القرآن، وكيف يسارعون إلى المساجد رغم التضييق والاتهامات، ونحن المسلمين الذين قضينا في الإسلام عشرات السنوات في بلاد الإسلام، نتعامل مع القرآن كأنّه أنزل لغيرنا، ونشعر بأنّنا أصحاب منّة عظيمة عندما نجلس في المساجد بضع دقائق!
حرام أن يعاملنا الله برحمته وفضله، ويديمَ علينا نعمة الصحّة والعافية والأمن والأمان، ويرزقنا من أفضاله ما يكفينا ويزيد، ثمّ نحن نتعامل مع حقّه الواجب علينا كأنّه فضل ومزية منّا.. حرام وعيب أن يخلقنا الله لنعبده ونقيم حقّه، ثمّ نحن نعيش حياتنا كلّها وساعات عمرنا كلّها للدّنيا، للأكل والشّرب والنّوم والحكايات واللغو والشّهوات، وحقّ ربّ العالمين نترك له بضع دقائق في الأسبوع هي أثقل الدّقائق على قلوبنا.. إنّ الله العزيز لا يقبل من عبده عملا يشعر العبد بأنّه يمتنّ به على مولاه وخالقه.
إنّه ليس أمرا هيّنا أن يتعامل الواحد منّا مع حقّ الله كأنّه فضل منه. ليس هيّنا أن نتعامل مع بيوت الله كأنّنا نتفضّل عليها بحضورنا إليها، ونتعامل مع الصّلاة كأنّها همّ نسعى للتخلص منه في أقصر وقت ممكن.. إنّ الله الكريم –سبحانه- قد يطّلع على عبد من عباده يعظّم حقّه ويسارع إلى طاعته ويسابق إلى بيته فيكتب له رضوانه ولا يسخط عليه أبدا.. وقد يطّلع الربّ العظيم العزيز –سبحانه- على عبد من عباده وهو يتكاسل عن طاعته ويتثاقل في القيام بحقّه، فيكتب عليه سخطه ويختم على قلبه ويتركه فريسة لنفسه وشيطانه حتّى يلقى الله على أسوأ حال.
إنّ الله العظيم قد حذّر أشدّ التحذير من التكاسل في القيام بحقّه، خاصّة الصلاة، وذكر أنّ من صفات المنافقين الذين يُسكنهم الدّرك الأسفل من النّار أنّهم يقومون إلى الصلاة وهم كسالى، فقال جلّ شأنه: ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً)).. والنبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- حذّرنا تحذيرا يهزّ القلوب من التثاقل في طاعة الله، خاصّة الصلاة، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه أنّه –عليه الصّلاة والسّلام- رأى يوما تأخرا في أصحابه، فقال: “تقدّموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل”.