الرأي

أهمية إحياء خيار التعاون بين الدول المُسلمة

محمد سليم قلالة
  • 626
  • 0

يبقى الاستثمار في العمق الإسلامي أهم خيار لبلدنا لرسم إطارٍ لحركته السياسية والاقتصادية المقبلة على المستويين الإقليمي والعالمي. يُخطِئ من يعتقد أن العلاقات الدولية تحكمها المصالح الاقتصادية والعسكرية بعيدا عن العمق الديني. ويبتعد عن التحليل الموضوعي، بل والواقعي كل مَن اعتبر أن تأثير الدين قد خَفَتَ في رسم خارطة العالم المستقبلية وفي تعزيز العلاقات بين الشعوب والأمم.

لقد بات واضحا اليوم عودة روسيا إلى عمقها الأرثوذكسي في رسم معالم سياستها الداخلية والخارجية. تكفي مواقفُها الرافضة لقيم الحرية المطلقة التي تسعى الليبرالية الغربية إلى تعميها على العالم، بخاصة تلك التي تدعو إلى التخلي عن مفهوم الأسرة وتُرَوِّج للزواج المثلي وللمثلية بشكل عام وتدعم الإلحاد بعنوان اللائكية. يكفي قراءة فلسفة “الاسكندر دوغين” المعاصرة في هذا الجانب لفهم سبب عودة هذا البلد إلى عمقه الروحي في مختلف المجالات، بل ودعوته لشعوب الحضارات الأخرى، ومن بينها المسلمين، إلى الانطلاق من قيمهم الأصيلة لبناء مفهوم جديد للعلاقات الدولية المتعددة.

ولم يعد خافيا على أحد أن الصين أخذت الآن الوجهة ذاتها بعودتها إلى روح الفلسفة الكونفوشيوسية أساس تقاليدها العريقة لبناء شيوعية أخرى غير تلك التي قامت عليها “الماوية” التقليدية، أسماها الحزب الشيوعي الصيني “الحضارة الروحية”، تسعى من خلالها إلى إعطاء جوهر غير مادي لتفوّقها الاقتصادي على الصعيد العالمي. ولعل هذا الجوهر غير المادي هو الذي سيُمكِّنها من ربط علاقات أكثر استقرارا مع شعوب الحضارات الأخرى وبخاصة منها الإسلامية في آسيا وإفريقيا.

كما لا يخلو العنوان الذي أعطاه الكيان الصهيوني لمرحلة التطبيع الجديدة مع البلدان العربية من بعده الديني. إنه لا يسميها اتفاقيات سلام أو شراكة أو اعتراف متبادل.. إنما يضعها ضمن إطار عقيدي ويُسمِّيها “اتفاقيات أبراهام”. وهذا بتنسيق واضح مع الإدارة الأمريكية التي لا يخفي المحافظون الجدد فيها قناعاتهم الدينية وولاءهم للمسيحية الصهيونية؛ أي المسيحية التي تدعم بشكل واضح ومن دون شروط الصهيونية وترفض أي حق لغير الكيان الإسرائيلي في فلسطين.

وتبقى بعض بلدان أوروبا القديمة، وخاصة فرنسا، من أكثر بلاد العالم تمسُّكا بأفكار القرن التاسع عشر البالية القائلة بانعدام أي دور ومكانة للدين في المجتمع وفي السياسة بعنوان الدفاع عن اللائكية. رغم أن هذه الأخيرة قد ماتت وينبغي نقلها إلى مقبرة النظريات التي فشلت والقول على قبرها  “ارتاحي بسلام” (repose en paix) على حد تعبير Rodney Stark و  Roger Finke في كتابهما  « Acts of    faith » (انظر أمير نور “الإسلام ونظام العالم وصية مالك بن نبي” (بالفرنسية) (ص 130).

ولعل هذا ما يعزّز اقتناعنا بضرورة التفكير في كيفية العودة إلى إحياء انتمائنا الحضاري القائم على الإسلام، ليس فقط في سياستنا الداخلية، إنما في وضع إطار شامل يحكم علاقتنا الدولية. ولا يتعلق الأمرُ هنا بإعادة إحياء الصراعات الدينية عبر العالم، أبدا، إنما بتجديد أفكارنا عن “كومنولث إسلامي” ـ على حد تعبير مالك بن نبي ـ في علاقاتنا مع إفريقيا وآسيا وبقية العالم، وكذلك في إعادة بناء تحالفاتنا مع القوى الإسلامية الكبرى العربية (المملكة السعودية وبلدان الخليج) وغير العربية (تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان وماليزيا واندونيسيا.. الخ)، وفي تفسير مواقفنا الدولية المبدئية.

إن مثل هذا الإطار الحضاري هو وحده الذي يُعطينا العمق الاستراتيجي المستقبلي الضروري لتفوّقنا، ويَمنع التنافس السلبي بين البلدان الإسلامية في علاقاتها مع العالم، وكذلك هو وحده الذي يُمكِّننا من سدّ ثغرات الخلاف، ويضعنا على طريق تكتل حضاري ذي وزن في العقود القادمة.

مقالات ذات صلة