الرأي

أوروبا تَتَفكَّك… هل نتحد؟

محمد سليم قلالة
  • 597
  • 0

تكاد وسائل الإعلام الأوروبية تُجمِع على حدوث شرخ واسع في جسم الاتحاد الأوروبي نتيجة الخلاف الجوهري الحاصل اليوم بين أقوى دولتين فيه: فرنسا وألمانيا.. تجلّت رمزية هذا الخلاف في تأجيل الاجتماع الحكومي الألماني الفرنسي الذي كان مُقتَرَحا الأربعاء الماضي إلى أجل غير مسمى، وتم تعويضُه بلقاء ثنائي بين رئيسي البلدين دام ثلاث ساعات من دون الخروج بنتيجة تُوحِّد موقف الطرفين إلى درجة أن وَصفت الصحافة الفرنسية غداة هذا الاجتماع ألمانيا بـ”الدولة المُتعجرفة” (لوموند27 أكتوبر) و”الأنانية” (لوفيغارو لنفس اليوم)، بدون الحديث عن مقالات الرأي التي اتهمت الرئيس “شولتز” بتقسيم الاتحاد إلى شمال (أوروبي) تابع لألمانيا، وجنوب منقسم وضعيف تريد ترك بعضه لفرنسا.

وكما هو معروف، فإن حدة الخلاف بين البلدين وبعض دول الاتحاد ازدادت بعد تاريخ 29 سبتمبر الماضي عندما أعلنت ألمانيا تخصيص 200 مليار يورو لدعم مؤسساتها والأفراد اقتصاديًّا من دون التشاور مع بقية الأعضاء غير القادرين ماليًّا على القيام بمثل هذا العمل. وكان هذا القرار قد جاء بعد قرار آخر مماثل سَبَق وأن اتّخذته ألمانيا بعد بداية الحرب في أوكرانيا تَمَثَّلَ في وضع حدٍّ لحيادها العسكري وتخصيص 100 مليار يورو لتطوير الجيش.

وإذا علمنا أن تخصيص مثل هذا المبلغ دفعة واحدة من شأنه ليس فقط أن يُغيِّر من الموازين العسكرية في الاتحاد في المدى القريب، إنما سيؤثر على معادلة التوازن ومحاولة الاستقلال عن الجيش الأمريكي، يتجلى لنا بوضوح معنى لجوء ألمانيا كلية بعد هذا التاريخ إلى الأمريكيين وحتى الإسرائيليين لتعزيز قدراتها الدفاعية في المجال الجوي والبري، الأمر الذي اعتبرته فرنسا تقويضا لنظرية أوروبا المستقلة التي مافتئت ترفع شعارها منذ العهد الديغولي، بل وفيه تشكيك في المقدرات الدفاعية الفرنسية وجعلها معرَّضة لمخاطر جمة بامتلاك ألمانيا لدفاع جوي مركب من ثالوث ألماني (نظامIrisT)، أمريكي (باتريوت)، إسرائيلي (القبة الحديدية)، يجعل فرنسا أقل تحصينا في مجال الدفاع الجوي.

ومما زاد مخاوف الفرنسيين إعلان ألمانيا شراء أسلحة متطورة من الولايات المتحدة (دبابات، أنظمة دفاع… الخ) في انتظار تطوير قدراتها الذاتية في السنوات القليلة القادمة.

وإذا أضفنا إلى هذا ما هو معروف من خلافات بشأن التزود بالغاز من اسبانيا عبر خط أنابيب (ميدكات) جبال البرانس، إذ ترفض فرنسا ذلك ضمنيا بحجج مالية، وبروز نوع من الشكوك بشأن رغبة ألمانيا في توسيع الاتحاد الأوروبي إلى 36 دولة بدل 27 خدمةً لمصالحها، يتبين لنا حجم الاختلافات الأوروبية في مرحلة ما بعد حرب أوكرانيا، ويبرز جليا كيف أثرت هذه الحرب ليس فقط في علاقات التعاون الأوروبية-أوروبية، بل وفي علاقة الاتحاد برمته مع الولايات المتحدة الأمريكية والحلف الأطلسي.

يُنبِئ هذا الواقع بانقسامات أخرى حادة قادمة في مجال التعاون الاستراتيجي وفي الفضاء، وكذا في مجال تنسيق علاقات كل دولة أوروبية بغيرها من الدول ومن بينها الدول العربية جنوب المتوسط.

هل تغتنم هذه الأخيرة فرصة الانقسامات الغربية البَينية لتعزيز مواقفها؟ أم سَتستمرُّ في التعامل مع الغرب بأشكال منفردة كما كانت في السابق وتعجز عن تحقيق نقلة نوعية في علاقاتها الدولية؟

بقدر ما يبدو هذا السؤال بسيطا بقدر ما يُمكِن للإجابة عنه أن تَدلنا إلى أين نحن متجهين…
إن فُرَصَ انقسامات مثل هذه لا تتكرر دائما، هل نُدرك أبعادها؟ أم سَتَمُرُّ كغيرها من الفرص؟ ذلك هو السؤال.

مقالات ذات صلة