أوصى بدفنه في سطيف ورفض طلب بورقيبة بتسمية شارع عليه
تحل الذكرى الـ31 لرحيل الزعيم الوطني الرجل السياسي الجزائري، مؤسس الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وقيادي جبهة التحرير الوطني إبان حرب التحرير الجزائرية، وأول رئيس حكومة جزائرية مؤقتة، الصيدلي فرحات عباس،السبت، الذي انتقل إلى جوار ربه في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1985، عن عمر ناهز ستة وثمانين عاما.
ارتأت “الشروق”، أن تكشف بعض تفاصيل الحياة الشخصية والسياسية والنضالية لعباس، وعشقه لمدينة سطيف، وهي التفاصيل التي لم يسبق أن تطرق إليها المؤرخون أو الإعلاميون، وهذا بمساعدة الكاتب الإعلامي خليل هدنة ابن مدينة عين الفوارة، الذي اعتكف أكثر من ثلاثة أشهر لتصوير فيلم مدته 28 دقيقة عن فرحات عباس، سيعرض لأول مرة صبيحة اليوم في دار الثقافة هواري بومدين بسطيف، وسرّب هدنة حصريا للشروق، محتوى هذا الفيلم الذي أنجزه بناء على شهادات أصدقاء فرحات عباس، وابنه بالتبني نسيم.
وقبل سرد تفاصيل محتوى هذا الفيلم الخاص عن فرحات عباس الذي أنجزه خليل هدنة، نذكر أن الرئيس السابق لنادي اتحاد سطيف ورئيس تحرير جريدة الوفاق، ولد في الرابع والعشرين من شهر أوت عام 1899، وترعرع في دوار الشحنة في منطقة بني عاف حيث كان يعمل والده “قايد” وكان الدوار تابعا لبلدية الشحنة وقتها بولاية جيجل التي درس فيها مرحلته الابتدائية، وانتقل بعدها إلى ولاية سكيكدة، لمزاولة دراسته في الطور الثانوي، وبعد حصوله على شهادة البكالوريا، أكمل دراسته في جامعة الجزائر العاصمة تخصص الصيدلة.
هذه قصة قدوم عباس إلى عاصمة الهضاب العليا
كشف الكاتب خليل هدنة، العديد من الأمور عن عباس الصيدلي التي لم يكشف عنها من قبل، وهي التفاصيل التي قال بخصوصها خليل إنه وصل إليها بعد محاورته أصدقاء فرحات عباس من سطيف وابنه بالتبني نسيم. حيث روى بعض أصدقاء فرحات عباس، على غرار ساعد سعادنة المدعو “ساعد الكردوني”، وهو مجاهد من الرعيل الأول، أن فرحات عباس كان يعشق مدينة سطيف، أكثر مما يتصوره عقل الإنسان، كيف لا وهي المدينة التي احتضنته وكانت سببا في بروزه في الساحة السياسية. وفي هذا السياق سرد بعض أصدقاء فرحات حكاية قدومه إلى مدينة سطيف، حيث قالوا، إنه في عام 1933 كان سكان مدينة عين الفوارة مستائين من الوضع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه سطيف، ولهذا فكر أعيان هذه المدينة، بسحب البساط من ممثلهم الذي لم يدافع عن حقوق السطايفية، واعتبروه خائنا ويخدم مصالح الإدارة الفرنسية، وأرادوا تزكية الطبيب معيزة البشير المدعو السايح، حيث اقتربوا منه، وأفصحوا له عن نيتهم بترشيحه في الانتخابات، وهو الطلب الذي رفضه الدكتور بحجة مقنعة، لكنه أكد لهم أن لديه صديقا في العاصمة مثقف ومتمكن في الأمور السياسية، اسمه فرحات عباس، يمكن أن يمثل سطيف أحسن تمثيل.
وهو ما جعل أعيان سطيف يوافقون على ترشيح فرحات عباس في الانتخابات، حيث ربطوا معه اتصالا عن طريق وساطة صديقه الطبيب معيزة الذي أبلغ فرحات عباس، عن رغبة سكان سطيف لترشيحه في الانتخابات لتمثيلهم في سطيف والعاصمة، وهو العرض الذي وافق عليه فرحات عباس من دون تردد، وبعد قدومه إلى سطيف، خصص له سكان هذه المدينة مسكنا خاصا ومحلا في حي باب بسكرة لمزوالة عمله كصيدلي فيه، وهو ما جعله يعمل كل ما في وسعه حتى يكسب حب السطايفية أو كما يقال بالعامية يرجع لهم الخير، حيث أصبح يحتك بالمجتمع السطايفي ويستمع إلى انشغالاته والمشاكل التي تواجهه وخاصة فئة الشباب.
بعد أشهر قليلة من قدومه إلى مدينة عين الفوارة وتحديدا يوم 14 فيفري 1934 ترأس فريق اتحاد سطيف لكرة القدم الذي ما يزال إلى يومنا هذا، وترشح للانتخابات المحلية في 14 أكتوبر 1934، وفاز بمقعد مستشار عام، وبعدها بسنة فقط، وبالضبط في سنة 1935، ترشح مرة أخرى للانتخابات وفاز بمقعد مندوب مالي لبلدية سطيف الكبرى، ثم فاز بمنصب مندوب مالي في مجلس الجزائر العاصمة.
كما صرح ابن فرحات عباس بالتبني، المدعو نسيم، بأن والده، من شدة حبه لسطيف، في سنة 1937 نقل مقر جريدة الوفاق التي كان رئيس تحريرها من قسنطينة إلى سطيف، وتحديدا في المكان المسمى حاليا مقهى النادي المحاذي لثانية محمد قرواني، وهو المحل الذي احتضن مكاتب هذه الجريدة والذي يعد ملكا لأحد محبي فرحات عباس والمناضلين في الحركة وهو الحاج صاكي الطاهر وزوجته عائشة، وبعدها بسنة أي في سنة 1938، استقال فرحات عباس من رئاسة تحرير جريدة الوفاق، ليتفرغ بعدها الصيدلي فرحات للسياسة ومواجهة فرنسا الاستعمارية، وأصدر نداء أدان فيه بشدة ما اقترفته فرنسا من مجازر رهيبة في يوم 8 ماي 1945، وعبر فيه عن أهداف ومبادئ حزبه التي لخصها في تكوين دولة جزائرية مستقلة داخل الاتحاد، وهو الموقف الذي تراجع عنه، وبات يؤمن بالاستقلال التام وفي تلك المجازر حُلّ حزبه وألقي عليه القبض ولم يطلق سراحه إلا في عام 1946 بعد صدور قانون العفو العام عن المساجين السياسيين.
عباس يتحدى اليهودي “بوبي”
كما شارك فرحات عباس في الانتخابات الخاصة بالبرلمان وفاز حزبه بـ11 من أصل 13 وهكذا أصبح فرحات ممثلا لسطيف في الغرفة الثانية، وبعد رفض فرنسا للمرة الثانية اقتراحه الخاصة بوضعية الجزائر، استقال فرحات عباس من البرلمان، وشدد مواقفه السياسية ضد فرنسا من خلال كتاباته في جريدة لاقاليت الأسبوعية. كما أضاف عمي ساعد وابنه بالتبني نسيم، أن الزعيم فرحات عباس، كان يحب سطيف كثيرا، وخير دليل على ذالك، أنه بعد الاستقلال كان فرحات عباس في تونس يتهيأ للدخول إلى الجزائر، تقدم منه الرئيس التونسي وطلب منه أن يوافق على تسمية شارع في تونس باسمه، لكن فرحات رفض طلب الرئيس بورقيبة بلباقة وقال له أتمنى أن تسمي شارعا في تونس باسم سطيف، وهو ما وافق عليه بورقيبة، حتى تمت تسمية شارع في تونس باسم سطيف وما يزال إلى يومنا هذا.
والدليل الثاني الذي يؤكد عشق فرحات عباس لسطيف، أنه أوصى عائلته بدفنه في سطيف، لكن عائلته قالت له نحن سوف نلبي وصيتك، لكن لو رفضت السلطات العليا للبلاد تلبية وصيتك ماذا نفعل؟، فكان جوابه بالحرف الواحد، أن فرحات عباس ملك للجزائر وليس سطيف فقط، تدفنه السلطات حيث أرادت. كما كشف نسيم، أن عين الفوارة، كان يديرها يهودي يدعى بوبي، كان يفرض ضريبة على كل مواطن يشرب هو أو أغنامه من معلم عين الفوارة، لكن بعد اعتلاء فرحات منصبا في بلدية سطيف، أول شيء أصدره أول إلغاء هذه الضريبة، وهو ما أفرح كثيرا سكان سطيف، الذين كانوا يسافرون لمسافات طويلة بأغنامهم بحثا عن المياه وهذا حتى يتجنبوا دفع الضريبة على مياه عين الفوارة.
كما أشار نسيم، إلى أن صيدلية والده كانت تعتبر صيدلية المرضى الفقراء من الجزائريين أو الفرنسيين، حيث كان كل مريض لا يملك المال لشراء الدواء يقصد صيدلية فرحات عباس، لعلمه أنه فيها شخص لا يرفض طلب أي مريض. وفي الأخير قال نسيم، إن والده أسس جمعية خيرية في مدينة سطيف تتكفل بختان الأطفال ومساعدة المرضى والمحتاجين. تجدر الإشارة، أن فرحات عباس ليس لديه أولاد، ولهذا قرر تبني نسيم وحليم، وهما في الأصل ابنا شقيقه.

