الرأي

أوقفوا هذه الفتنة قبل أن تدمر الأمة!

الشروق أونلاين
  • 2403
  • 1

يبدو الصدام المذهبي بين السنة والشيعة الذي تعيشه شعوب الامة الإسلامية متجها نحو التصعيد والتمدد إلى مجالات جديدة، وإذا كانت السجالات المذهبية بين الطرفين قد استمرت لقرون عديدة، إلا أن هذا الخلاف المذهبي قد تحول بسبب الحرب الاعلامية في عصر البث الفضائي المفتوح إلى مصدر عداوة متجدّدة بين الشيعة والسنة حيث أصبحت الحصص التكفيرية والتشهيرية مادة رئيسية في القنوات الفضائية والصحف والمجلات الاسلامية، ومواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية، الأمر الذي زاد الأمور سوءا وتعقيدا بتحويل الخلاف المذهبي، من نطاق الجدل بين الفقهاء والمتخصصين في المجال الديني، إلى صراع وتعصب مذهبي متغلغل في أوساط القطاعات الشعبية الواسعة.

قبل ثلاثة عقود فقط، كان شعور الانتماء الإسلامي إلى دين واحد وإلى أمة موحدة المصير يشكل القاسم المشترك بين غالبية أفراد الأمة، ففي أواخر سبعينيات القرن الماضي وبالتحديد في سنة 1979 تفاعلت شعوب الأمة الإسلامية بمشاعر الابتهاج والتأييد والتفاؤل بانتصار الثورة الإيرانية ونجاح آية الله الخميني في إسقاط نظام الشاه العميل للولايات المتحدة الأمريكية، بل إن غالبية أفراد الأمة الإسلامية وقفوا إلى جانب الجمهورية الاسلامية الإيرانية الشيعية ضد نظام الرئيس العراقي السني الذي أعلن الحرب على إيران وظل تأييد الجماهير السنية متواصلا للطرف الإيراني طوال سنوات الحرب المجنونة التي استمرت لمدة ثماني سنوات (من 1980إلى 1988)، ورغم  أن النظام الإيراني قد لعب دورا لا ريب فيه في مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية  (التي يسميها الخطاب الرسمي الإيراني الشيطان الأكبر“) على إسقاط نظام طالبان السني بأفغانستان، فقد ظل الشارع الاسلامي يعتبر النظام الايراني رقما مهما في دعم القضايا الاسلامية وخصوصا قضية تحرير فلسطين، أمّ القضايا في الشأن الاسلامي المعاصر، ولذلك تحولت حرب الصمود التي خاضها حزب الله اللبناني في سنة 2006 ضد محاولة الاجتياح الاسرائيلي لجنوب لبنان إلى مفخرة للمسلمين من  الشيعة والسنة.

ولكن الأمور سرعان ما أخذت تتأزم مع تصاعد مؤشرات الحرب الطائفية في العراق واستخدام رئيس الحكومة السابق الشيعي نوري المالكي إمكانيات الدولة العراقية والدعم الإيراني والتواطؤ الأمريكي للانتقام من المكوّن السني العراقي الذي شكل النواة الصلبة للمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي، وقد كانت سنة 2007 منعرجا حاسما في تأجيج الصراع المذهبي والانسياق نحو منزلق الفتنة الطائفية، فقد تحول على سبيل المثالمؤتمر حوار  المذاهبالذي كان ينعقد لحل الخلافات والتقريب بين مذاهب أهل القبلة الواحدة، والكتاب الواحد، والدين الواحد، إلى جدل عاصف وخلاف جارف بين عقلاء المذاهب الاسلامية وخصوصا بين ممثلي الذهب السني والمذهب الشيعي.

كان من الواضح أن الاجندات السياسية والحسابات الإقليمية هي التي اصبحت لها الكلمة العليا في إدارة ملف الخلاف المذهبي بين طوائف المسلمين، ولعله من المثير للسخرية أن خلافات السنة والشيعة قد أصبحت تثار حتى حول أصول ساكن البيت الابيض الامريكي، حتى على مقربة من نهاية عهدته الرئاسية الثانية والأخيرة، فقد ذكرت صحيفةواشنطن بوستفي الأسبوع الأول من شهر جوان 2015  أن النائب  العراقي طه اللهيبي أرجع  سبب تعاون الرئيس الأمريكي باراك أوبامامع شيعة إيران، إلى جذور الرئيس الأمريكي الشيعية من ناحية والده. مؤكدا أن أوباماتربى في حضن شيعي، واسم والده حسين. ويبدو أنه حتى السعوديين بدأوا يشعرون بأن الأميركيين لم يعودوا  يفضلونهم على الإيرانيين، وأن التحالفات التي ظلت قائمة لمدة عقود لم تعد تبعث على الاطمئنان للجانب الأمريكي. غير أنه من المرجح أن تكون حقيقة السياسة الأمريكية ملخصة فيما عبّر عنه الكاتب الامريكي اليهودي دانيال بايبس مدير منتدى الشرق الأوسط المقرّب من مراكز صنع القرار في واشنطن وتل أبيب أن من المصلحة الأمريكية أن تقاتل إيران مع الأحزاب الشيعية الحركات السنية وفي مقدمتهاداعشللقضاء على الاثنين.

إن الصراع الشيعي السني المحتدم يبدو اليوم وكأنه قد خرج على السيطرة، إذا لم تسارع  النخب السياسية والدينية والإعلامية وقوى التعقل والاعتدال في الطرفين السني والشيعي إلى إيقاف هذا التدمير الذاتي لكيان الأمة والنزيف المتواصل لطاقاتها المنذر بأوخم العواقب فلا أحد اليوم يمكنه أن يراهن على مستقبل هذه الأمة، وضمان أمنها، واستعادة مكانتها بين الامم، فضلا عن التمكن من أداء رسالتها الحضارية والدينية في أداء الشهادة على الناس.

ولعل البداية تكون بإيقاف وتجريم وتحريم حملات التشهير وبث الكراهية والتحريض ضد الطرف الآخر في الخطابات الرسمية والدينية والإعلامية لأتباع المذهب السني وأتباع المذهب الشيعي، ووضع وتفعيل ميثاق تحقيق الوئام بين السنة والشيعة .

مقالات ذات صلة