الجزائر
جمعية‮ "‬كافل‮ ‬اليتيم‮" ‬ببرهوم‮ ‬وراء‮ ‬المبادرة‮ ‬

أيتام‮ ‬يرسمون‮ ‬اللحظات‮ ‬الأخيرة‮ ‬لحياة‮ ‬آبائهم‮ ‬

الشروق أونلاين
  • 4154
  • 0

‭ ‬هم أطفال دون الحادية عشرة، فجأة أدارت لهم الحياة ظهرها بفقدان أحد الوالدين أو كليهما في حوادث مختلفة، الأمر الذي سبب لهم صدمة نفسية كبيرة أفقدتهم القدرة على ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، وجعلتهم يعانون من أمراض نفسية جسدية، وهو ما دفع بجمعية “كافل اليتيم” ببلدية برهوم، ولاية المسيلة، إلى فتح أبوابها أمام هؤلاء الأطفال من خلال قسم الرعاية النفسية، الذي تشرف عليه أخصائية نفسية ومستشارة في التربية والتوجيه كخطوة أساسية للتنفيس والتفريغ الانفعالي من خلال تنظيم حصص للرسم الجماعي، وكم كانت المفاجأة كبيرة حينما عبر هؤلاء‮ ‬الأطفال‮ ‬عن‮ ‬اللحظات‮ ‬الأخيرة‮ ‬في‮ ‬حياة‮ ‬آبائهم‮ ‬وأمهاتهم‮ ‬الذين‮ ‬ماتوا‮ ‬في‮ ‬حوادث‮ ‬مرور‮ ‬أو‮ ‬بسبب‮ ‬أمراض‮ ‬خطيرة‮ ‬فيما‮ ‬يشبه‮ “‬التوثيق‮” ‬ولكن‮ ‬بالأقلام‮ ‬والألوان‮ ‬القاتمة‮ ! ‬

‭ ‬أمجد‮.. ‬رسم‮ ‬بطن‮ ‬والده‮ ‬الميت‮ ‬مفتوحا‮ ‬

  أمجد، طفل في السادسة، ملامح وجهه الحزينة تعبر عن مأساة كبيرة اجتثت منه براءة طفل لم يحفظ بعد قسمات وجه أبيه الذي مات بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان، لم يصدق أمجد حتى اليوم أن أباه الذي كان متعلقا به تعلقا شديدا غادر الحياة إلى غير رجعة، لذلك رفض أن ينتقل إلى بيتهم الجديد الذي استفادت منه أسرته في إطار السكنات الاجتماعية وفضل انتظار عودة والده، والذي رغم أنه يعرف أنه مدفون تحت كومة كبيرة من التراب، إلا أنه يحكي له عن ألعابه وعن أحوال أمه وإخوته عندما يزور قبره، ويمني نفسه ويمني أخته الصغيرة بعودة  قريبة له‮.‬

 ومن خلال حصص الرسم التي خصصتها جمعية “كافل اليتيم” ببلدية برهوم للأيتام، رسم والده الذي تساقط شعر رأسه بسبب العلاج الكيميائي مفتوح البطن، في تعبير عن الحالة الصحية المتردية التي كان عليها، هذه الصورة المعبرة تفسر ما يعانيه الطفل من إفراط حركي ولمس الأشياء بطريقة غريبة، ولذلك عمدت الأخصائية النفسية إلى إسقاط بعض الاختبارات والمقاييس النفسية على الحالة في قياس للسمات النفسية والمدركات العقلية قصد تطابق الذات المدركة مع الذات الواقعية مع تنظيم نشاطات ثقافية كالرسم والأشغال اليدوية والكتابة قصد استغلال هذا الإفراط‮ ‬الحركي‮ ‬في‮ ‬أشياء‮ ‬تفيده‮. ‬

 

رسم‮ ‬ثلاث‮ ‬جثث‮ ‬مرماة‮ ‬على‮ ‬الطريق‮ ‬

صورة أخرى تعبر عن مأساة كبيرة تعرض لها الطفل “ط. ي” صاحب العشر سنوات، الشاهد الوحيد على حادث مرور خطير تعرضت له عائلته والذي أودى بحياة والده وأخته الصغيرة، بينما نجا بأعجوبة هو وأمه، التي كانت مغمى عليها أثناء الحادث، هذا الطفل لا يكف عن البكاء بسبب الألم الشديد الذي يقول إنه يعاني منه على مستوى الذراع الأيمن، والذي ما يفتأ أن يتوقف عن الحركة نهائيا، ما يجعله غير قادر على ممارسة أي وظيفة جسدية، رغم أن الأطباء الأخصائيين أكدوا لعائلته أنه سليم ولا يعاني من أي شلل.

 وهنا، يأتي دور الأخصائية النفسية، التي سعت إلى استخراج التعبير الأولي للحالة النفسية بتنظيم حصص رسم من أجل مساعدته على التفريغ الانفعالي، وكم كانت المفاجأة كبيرة -تقول المكلفة بالإعلام في الجمعية حسينة مخلوف لـ “الشروق” –  حينما اكتشفت أن الطفل لا يعاني من أي شلل، بل يتعمد ذلك، لأنه لا يزال يعايش صدمة الحادث الذي تعرضت له أسرته، ففي الحصة الأولى رسم  ثلاث جثث ملقاة بجانب سيارات كثيرة وشاحنات ملونة باللون الأحمر، جثتان منها قريبتان من بعضهما، وأخرى بعيدة عنهما، هكذا شرح الصورة للأخصائية النفسية، أما في الحصة الثانية للرسم، فقد قام الطفل بتلوين الورقة البيضاء بألوان قاتمة حزينة في كل اتجاه، وبطريقة انفعالية مثيرة للانتباه، ثم أخذ يبكي ويتظاهر بألم شديد في ذراعه الأيمن الذي توقف عن الحركة نهائيا.

  هتان الحالتان ليستا الوحيدتين في الجمعية الخيرية “كافل اليتيم” ببرهوم، التي تشرف على 200 عائلة، وإنما هما نموذجان لعشرات الاطفال الذين اقتطفت براءتهم في أول الطريق، عندما فقدوا آباءهم وأمهاتهم، ومن هؤلاء “م. ع”، طفلة صغيرة كانت تبلغ من العمر ثلاث سنوات حينما‮ ‬مات‮ ‬والدها‮ ‬في‮ ‬حادث‮ ‬سيارة‮ ‬وهو‮ ‬ينقل‮ ‬أمها‮ ‬المريضة‮ ‬إلى‮ ‬المستشفى،‮ ‬والتي‮ ‬ماتت‮ ‬بعد‮ ‬سنتين‮ ‬على‮ ‬رحيله،‮ ‬وظلت‮ ‬تسأل‮ ‬أقرانها‮ ‬في‮ ‬براءة‮ ‬الأطفال‮: “‬هل‮ ‬أرسل‮ ‬لها‮ ‬أبي‮ ‬السيارة‮ ‬لتلحق‮ ‬به‮.. ‬هل‮ ‬اشتاق‮ ‬إليها؟‮”‬

 ولا تبدو قصة الطفلة ياسمين مختلفة عن سابقتها، إلا في بعض التفاصيل الصغيرة، حيث إنها شاهدت والدتها وهي تصارع سرطان الحنجرة وتدعو الله أن يرفعها إليه، الأمر الذي جعلها تصاب بأزمة نفسية حادة كانت تعبر عنها بالكتابة باللون الأسود، ولا تزال حتى الآن تعالج في قسم‮ ‬الرعاية‮ ‬النفسية‮ ‬بالجمعية‮.  ‬

 

مقالات ذات صلة