-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أين المجلس الأعلى للتربية؟!

أين المجلس الأعلى للتربية؟!
أرشيف
تعبيرية

في بلد يعاني منذ عقود من تقلبات إصلاحية ومناهجية في قطاع التعليم، يبرز “المجلس الأعلى للتربية” في الجزائر كضرورة وطنية لا غنى عنها، وكمؤسسة فكرية واستشارية قادرة على تثبيت البوصلة التربوية وسط موجات التغيير المتلاحقة.

غير أن واقع الحال يُظهر غيابًا لهذا المجلس، وكأنه وُجد ليُجمّد ولا ليُفعَّل. فمتى قرأنا له تقريرًا علنيًا؟ ومتى خرج برؤية استراتيجية متكاملة؟ ومن ينوب عنه اليوم في هذه المهام الثقيلة؟.

المجلس الأعلى للتربية؟

المجلس الأعلى للتربية هيئة استشارية مستقلة ذات طابع وطني، أنشئ بمرسوم رئاسي سنة 1996 ليضطلع بمهمة التفكير الاستراتيجي والمتابعة النقدية لكل ما يتعلق بمنظومة التربية والتعليم. وكان من المقرر أن يضم في تشكيلته ممثلين عن مختلف القطاعات الوزارية ذات العلاقة، إضافة إلى باحثين ومختصين تربويين وخبراء في مختلف العلوم.

فالمجلس لا تقتصر مهامه على إبداء الرأي في مشاريع القوانين والمناهج، بل تشتمل على: 1) تقديم تقارير دورية تقييمية عن واقع المنظومة التربوية؛ 2) صياغة رؤى بعيدة المدى لإصلاح التعليم وضمان استقراره واستمراريته؛ 3) مراقبة مدى انسجام السياسات التربوية مع مبادئ الهوية الوطنية ومتطلبات العصر؛ 4) المساهمة في تنسيق الجهود بين مختلف الفاعلين في قطاع التعليم، من المدرسة إلى الجامعة؛ 5) العمل كقناة وصل بين النخب العلمية والسلطات التنفيذية في مجال التربية والتعليم.

إن ترك هذه الأدوار الحساسة شاغرة، أو منوطة بهيئات ظرفية تفتقد لعنصر الاستقرار والاستمرارية في أداء نفس المهام، يعدّ تفريطا وتعطيلا للأداء التربوي في البلاد، إذ يُفترض أن يُسند إصلاح التعليم بعيدًا عن الارتجال والظرفية. إننا لا ندعو هنا إلى مجرّد تفعيل شكلي للمجلس الأعلى للتربية، بل إلى إحيائه فعليًا بروح المؤسسة الوطنية المستقلة والمستنيرة التي تجمع خيرة العقول التربوية والعلمية، وتشتغل في وضوح وشفافية.

لقد آن الأوان أن ندرك بأن إصلاح التربية لا يمكن أن يكون منتوج مكاتب مغلقة أو لجان يغلب على عملها الطابع البيروقراطي، ولا تابعًا للتداولات السياسية. فكما هو معمول به في جميع البلاد العربية وغيرها من بلدان القارات الخمس، فإن هذه المجالس لا تعمل في الظل، بل تشتغل في العلن وفي شفافية مطلقة تجعلها تعرض أعمالها ونقاشاتها في المنصات الالكترونية للداخل والخارج. ومن ثمّ، يُنظر إلى آرائها بجدية من قبل السياسيين والمواطنين على حدّ سواء.

إن المدرسة الجزائرية بحاجة إلى من يراها ككُلّ، لا كمشاريع منفصلة أو مراحل مجزّأة. إنها بحاجة إلى من يضمن استقرارها رغم تعاقب الحكومات والوزراء. وإن لم يكن المجلس الأعلى للتربية هو من يضطلع بهذه الوظائف، فمن يا ترى يقوم مقامه !؟ نرجو أن يكون هذا السؤال بدايةً لإعادة النظر، لا في المجلس كمبنى أو هيئة، بل كفكرة مؤسساتية يجب أن تُبعث فيها الحياة إن كنّا حقًّا نؤمن بأن التعليم أولوية وطنية لا شعارًا مناسباتيًّا.

مثال عن سوء القرار التربوي

في الجزائر، حيث توالت إصلاحات تربوية متضاربة أحياناً منذ الثمانينيات، غالباً ما كانت السياسات التعليمية رهينة الظرف السياسي، وليس ثمرة نقاش وطني موسّع. ولهذا فإن وجود هيئة مثل المجلس الأعلى للتربية يمنح للقرار التربوي طابعاً مؤسسياً واستراتيجياً، بدل أن يكون إجراءً ارتجالياً. في منظومات التعليم المتقدمة، لا تُترك القرارات المصيرية المرتبطة بمستقبل الأجيال إلى الاجتهادات الفردية أو الاعتبارات الظرفية، أو الرؤى البيروقراطية، بل تُوكل إلى هيئات عليا ذات طابع استشاري واستراتيجي، مثل المجالس العليا للتربية. هذه المجالس، حين تكون قائمة وفاعلة، فهي تضمن الاستقرار والتخطيط بعيد المدى، وتُحصِّن قطاع التربية من القرارات المرتجلة أو التي تفتقر إلى الرؤية الشاملة.

ولعلّ ما وقع مؤخرًا في قطاع التعليم حين قررت وزارة التربية أن يقضي الطلبة ستّ سنوات كاملة في المدارس العليا للأساتذة حتى يتأهّلوا للتدريس في المرحلة الثانوية، وخمس سنوات للتدريس في المرحلة المتوسطة، يُعدّ مثالًا صارخا على سوء اتخاذ القرار التربوي الصائب في غياب هيئة وطنية من قبيل المجلس الأعلى للتربية. فما المنطق الذي يجعل تدريس تلاميذ الثانوية يتطلّب ست سنوات من التكوين الجامعي؟ لا وجود لأي مبرر بيداغوجي! وهذا ما يُجمع عليه خبراء التربية وأساتذة المدارس العليا للأساتذة. إنه بكل بساطة قرار نابع من فراغ مؤسساتي وارتجال كان من المفروض ان يُسْأل فاعله ويطالب بتقديم المبررات البيداغوجية؟

والأدهى من ذلك أن الخبراء والأساتذة الجامعيين واضعي المناهج وجدوا أنفسهم بعد صدور القرار أمام سؤال محيّر: ماذا يمكن أن ندرّس في السنة السادسة؟ بمعنى أنهم يَجتهدون في ملء برامج سنة كاملة بمناهج لا يدرون ما ستكون محتوياتها.

إن هذا التوجّه لا يُمثّل عبثًا بمسارات الطلبة المهنية فحسب، بل يُجسّد أيضًا هدرًا فادحًا للوقت والمال العام، ويعكس بوضوح خللًا في آليات صناعة القرار التربوي. فالسنة الجامعية ليست مجرّد رقم يُضاف إلى منظومة التكوين على الورق، بل هي 12 شهرا كاملة من عمر الطالب، تتحمّل الدولة أعباءها المالية، من ميزانية التسيير والتأطير البيداغوجي، إلى الإيواء والإطعام الجامعيين، إلى تخصيص قاعات للتدريس، إلى تجنيد أساتذة إضافيين، وكل ذلك من أجل سنة تكوينية تفتقر إلى المبرر العلمي والوظيفي.

لو كان المجلس الأعلى للتربية قائمًا بدوره الفعلي، لكان هذا القرار قد خضع للنقاش العلمي ضمن رؤية شاملة لسياسات التكوين والتوظيف، ولَمَا أمكن تمريره بهذه السهولة. فالمجلس لا تقتصر مهمّته على إبداء الرأي، بل تشمل أيضا تقويم السياسات، وضمان الحكامة التربوية والتكوينية.

إن ما نحتاجه اليوم ليس إصلاحًا للقرارات فحسب، بل إصلاحًا لمنظومة اتخاذ القرار، وهو ما يبدأ بإعادة تفعيل دور المجلس الأعلى للتربية بوصفه الضامن الأوّل للتفكير التربوي الراشد والمستدام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!