أيّها الصّحفيون.. كفاكم إزراءً بالأئمّة
أحبّ أن أؤكّد ابتداءً أنْ ليس كلّ الصّحفيين يسيئون إلى الأئمّة؛ فهناك من إخواننا الصحفيين من يعرف للإمامة قدرها، ولا يتكلّمون عن الإمام إلا بما يحفظ مكانته ورمزيته، وإن عاتبوه أو أشاروا عليه، أو أرادوا الحديث عن تقصير بعض الأئمّة في أداء واجبهم وتأخّرهم عن مواكبة عصرهم وواقعهم، فإنّهم يتحدّثون بأدب واحترام، بعيدا عن لغة التّعميم الجائرة.. هذه هي حال كثير من الصحفيين الذين يلتزمون أخلاقيات مهنة الصّحافة، ويعرفون للكلمة قدرها؛ لكنّ بإزائهم صحفيين آخرين، من هواة الإثارة والتّهريج، وممّن يرفعون شعار “الغاية تبرّر الوسيلة”، لا يجدون أيّ حرج في الحديث عن الأئمّة بكلّ استخفاف وإسفاف؛
فخطباء المنابر في منظور هؤلاء الصحفيين هم مجموعة من الدّراويش، يعيشون في الأقبية والأوكار المظلمة، لا شغل لهم سوى تفسير الأحلام! ومطاردة الجنّ! والحديث عن السّحر والعين! ولا تستهويهم من قضايا المجتمع سوى العنوسة والرّضاع والتعدّد!… والعجيب في أمر هؤلاء الصحفيين أنّهم لا يزعهم وازع ولا يردعهم رادع عن وصف الأئمّة بمثل هذه الأوصاف، بصيغة التّعميم التي لا تستثني أحدا من الخطباء والمدرّسين وحفظة كتاب الله، ولا يجدون –أي الصحفيين- أيّ حرج في التخلّي عن أبسط أخلاقيات مهنة الصّحافة كلّما تعلّق الأمر بالأئمّة الذين ينأون بأنفسهم في أكثر الأحيان عن متابعة من يسيء إليهم، أو الردّ عليه.
أحد هؤلاء الصحفيين، وضمن عمود ساخر له، أراد أن يعلّق على دعوة وزير الشؤون الدينية الأئمّةَ لغزو الفايسبوك، فكتب قائلا: “ربّما السيّد محمّد عيسى لا يعلم أنّهم غزوا الفايسبوك منذ زمن طويل، ولكن من خلال تقديم تفسير الأحلام، وكيفية الرقية من عين الحسود ومن السحر الذي عقّد حياة العوانس والعاقرات والفاشلين في حياتهم، ربما هو لا يعلم بأنهم يقدمون للشباب كيفية الفوز بامرأة تجمع كل الصفات الحسنة، من مال وجمال ومكانة مرموقة، وللشابات كيفية تزويج أنفسهن، المهم أن الشيوخ خاضوا عبر الفايس بوك في كل شيء على طريقة شيوخ مصر والمملكة العربية السعودية الذين حرّموا لبس ربطة العنق وأباحوا رضاعة –كذا- الكبير من ثدي امرأة، ولا أحد منهم طرح قضية فكرية ولو من باب الخطأ”.
هكذا، بكلّ جرأة، وبصيغة التّعميم، وبمثل هذه النّبرة الحادّة، وعلى بُعد أيام من شهر رمضان، يصف هذا الصّحفيّ حال أكثر من 30 ألفا من أئمّة الجزائر، من دون أن يكلّف نفسه أو يجد من يلزمه باستثناء إمام واحد بينهم! ومن دون أن يجد من يسأله عن قاعدة البيانات التي رجع إليها ليتوصّل إلى هذا الذي دبجه!.. نحن لا نشكّ في أنّ هذه الاتّهامات التي أطلقها هذا الصّحفيّ لم تأت نتيجة استقراء قام به وشمل صفحات بعض الأئمّة على الفايسبوك، وإنّما هو الولع بالإثارة والانتقاد والتّعميم الجائر على طريقة “هلك النّاس جميعا”.
ربّما لا يعلم هذا الصّحفيّ ولا يهمّه أن يعلم أنّ بين الأئمّة دكاترة في تخصّصات مختلفة من العلوم الإسلامية، وأنّ بينهم حاملي شهادات عليا في تخصّصات مختلفة، بينها تخصّصات علمية، كالإعلام الآلي والإلكترونيك، وتخصّصات إنسانية كعلم النّفس وعلم الاجتماع، وبينهم من درسوا في جامعات مرموقة، وحصّلوا شهادات عالمية.. وربّما لا يدري هذا الصّحفيّ أيضا أنّ صفحات بعض الأئمّة على الفايسبوك هي من أكثر الصّفحات التي تفتح نقاشات معمّقة حول قضايا الأمّة وقضايا البلد، بعيدا عن لغة الإثارة والتّهريج التي أدمنها بعض الصحفيين.
ليس الصحفيون وحدهم من يقع عليهم اللّوم في الإزراء بالأئمّة والإساءة إليهم، فحتى وزير الشّؤون الدّينية والأوقاف، ملوم على تصريحاته التي يطلقها من حين لآخر في شكل تعليمات أو نصائح توجّه للأئمّة عبر الصّحافة! من دون أن تكون بين يديه أي معطيات تتعلّق بواقع فرسان المنابر في الملفّ الذي يتحدّث فيه.. الأئمّة هم من أنشط فئات المجتمع على موقع الفايسبوك، وإذا ما استثنينا الشيوخ الكبار المقبلين على التقاعد، فإنّه لا يكاد يوجد إمام لا يملك صفحة على هذا الموقع.. الأئمّة موجودون على مواقع التّواصل الاجتماعيّ وينشطون في الحديث عن مستجدّات القضايا التي تخصّ البلاد والأمّة، ويبذلون النّصح للشّباب في القضايا السياسية والاجتماعية، ويتحدّثون عن الفتن التي تواجه الشّباب في واقعهم، ليس على طريقة الصحفيّ الذي ينشد الإثارة وإنّما على طريقة الطّبيب الذي يحذّر من أسباب المرض ويصف العلاج من دون أن يخوض طويلا في الحديث عن الأعراض.
إنّ الواجب الأخلاقيّ قبل الواجب المهنيّ يحتّم على وزير الشّؤون الدّينية أن يتواصل مع الأئمّة عبر القنوات الخاصّة، ليعرف واقعهم ويبذل نصائحه استنادا إليه، ويحتّم على مدراء ورؤساء التّحرير في الجرائد والقنوات الفضائية أن يراقبوا خرجات صحفييهم ولا يسمحوا لهواة الإثارة بالتّمادي في الإساءة إلى الأئمّة والخطباء.. لا يجوز ولا ينبغي أن تكون العناوين المثيرة التي تزيد من سحب الجريدة أو مشاهدة القناة، غاية تبرّر كلّ وسيلة وتجرّئ الصحفيين على الأئمّة والعلماء والدّعاة بغير حقّ.. الأئمّة والعلماء والدّعاة بشر، يخطئون ويصيبون، ويجتهدون ويقصّرون، لكن أن يتمّ الحديث عن تقصير بعضهم بصيغة التعميم، وتجعل أخطاء بعضهم وصفا لازما لجميعهم، فهذا لا يجوز ولا يليق.