.. أيّ منقلب ينقلبون!
“يعز من يشاء ويذل من يشاء”.. آية غنية عن كل تعليق وشرح وتفسير توضحها صور محاولة ما بعد الانقلاب الفاشل، بجلاء تام ونحن نرى عتاة قيادات العساكر على اختلاف رتبهم ومراتبهم في هرم الجيش التركي وهم يُساقون مكبَّلين مطأطئي الرؤوس من طرف عناصر الشرطة والشعب بعد أن نالوا جرعاتٍ من الصفع والركل والتجرجير! صور محزنة فعلا لجنرالات كانوا بالأمس القريب يخيفون.. محزنة حقا، حتى أنك لتشفق لحالهم! لكن قواعد السلطان كالقمار، لا يمكنك أن تختار النهاية التي تريدها، غير تلك التي يفرضها قانون البوكير، وقد خُيِّروا، فاختاروا اللعب على الربح، فجلب لهم قمارهم الخسارة!
هذه الصور، تنبِّهنا إلى أي حد يمكن أن يُذل الإنسان ويهان، بين عشية وضحاها، وكيف أن الإنسان لا قيمة له، وضعفه لا يقلّ ضعفا عن أيّ بعوضة أو زنبور أو حيّة، فلولا السم ما كان للحيّة أن تخيف ولا للعقرب أن تُفزع! وهكذا دواليك، فلولا قوة السلاح لما كان لصاحب هذه الرتبة أن يخيف. إذ بمجرد أن يتجرد رجل السلطة، سياسيا كان أم عسكريا، من ثوب السلطان حتى يتحوّل إلى نكرةٍ مذلول! وهذا ما يجعل رجل السلطة يتشبَّث بالسلطة لأنه بدونها لا يساوي قشرة سلاطة، وقد رأينا كيف سيق هؤلاء الجنرالات، بأرجل حافية وبألبسة مدنية وبيجامات! البعض منهم كان يتظاهر بأنه غير مكترث، والبعض الآخر لم يرغب حتى في رفع رأسه إلى أعلى ليشاهد من يشاهدوه، فعلا المنظر محزن، لكن العبر يجب أن نأخذها: “وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون”!
نمتُ على هذه الصور وهذه العِبر لمن أراد أن يعتبر، لأجد نفسي أحاور سيادة اللواء خالد نزار باعتباره أحد رواد جماعة “الجانفيين”: سيادة الجنرال: لو كنت محل واحد من هؤلاء، ماذا كنت ستفعل وأنت تقاد من طرف شرطي إلى المخفر؟ لم يجبني، بل رفع يده وأراد أن يصفعني:.. ينعل بو الراصة نتاعك! أنا تردّني كيما هاذوك؟ تتمسخر بيّ؟
قلت له: ولمَ لا؟ أنا فقط استخلص العبرة.. أنا مجرد صحافي غلبان مثل عادل إمام، لا دخل لي بالسياسة ولا بأهلها ولا بأصحابها وأكرهها وأمقتها، ولكني أشفق عليك كما أشفق على هؤلاء المساكين الذين كانوا بالأمس مثلك يصولون ويجولون وأصبحوا اليوم يُساقون كالإبل مكبَّلين في الأصفاد! قال لي: دبّر راسهم! إذا كان عندهم راس! وكل شاة تُعلّق من كراعها، إذا كان عندهم كرعين! أنا وهم، وحنا وهما، مش كيفكيف إذا راك تمعْني! أحنا هم اللي جبنا وعيّنّا “أربكان” نتاعنا في ذاك الوقت، ولما تزاقات، طلبنا منه رد الأمانة لأهلها.. فردّ لنا الأمانة! أحنا ما نفذناش انقلاب ولا فشلنا فيه! أحنا أنقذنا البلاد من فشل الإنقاذ! قلت له: بصح الشعب أكل طريحة آآآمحمد! 20 سنة وحنا عايشين في الجبل.. آه.. في الزبل! قال لي: لو كان الشاذلي دار كما أردوغان وحرّك الشارع! قلت له: راك تزعق آحضرات؟ وعلاه الشاذلي بعدا كان عنده آي فون؟!.. أردوغان نتاعنا! هز كتفيه وردّ علي باستهزاء: هئهئ! أردوغان نتاعكم؟ قلت له: وخير من أردوغان! وعلاش؟ ما بغيتش؟ ما رشقتلكش؟ تزيّرت؟ قال لي: لو كان راني غير أنا وأنت نقول لك وحد الكلمة اللي عمرك ما سمعتها! قلت له: آآه راك خايف من قانون “التحفظ”! هئهئ؟! قلت له وأنا أغني لعبد الوهاب الدوكالي: وإذا ناوي تغدر قولها.. وهنيني!
وأفيق وأنا أضحك من هذا الحلم السخيف كالعادة!