أي منقلب سينقلبون؟
لم تكن يوما، وفي أي زمان ومكان مقاومة الاحتلال لتنكسر أو تموت، بموت قائد أو قادة أو أشخاص أو حتى جيل من المقاومين، بل كانت المقاومة دوما كشجرة، جذورها ثابتة في التربة، حتى وإن زُبرت أغصانها وجذعها، تعود لتبرعم ولتخرج أغصانا وثمارا بكثافة أكثر وعنفوان أقوى.
التجارب كثيرة ولا حصر لها، ولنا في التجربة الجزائرية ضد المحتل الفرنسي، أحسن الأمثال: 132 سنة من الاحتلال والاستيطان، والتدمير وأجيال من المقاومات، ما كانت جذوة إحداهما تنطفئ بانطفاء قائدها ومُلهبها وملهمها، حتى تلتهب شعلة جهاد أخرى في مكان آخر، لتُكمل ما وصل إليه الجيل السابق، حتى إذا استنفدت كل القوة المادية والمال والدعم، بعد حملات الإفقار والتجويع والإبادة وحرق المحاصيل، كانت المقاومة تتَّخذ شكلا جديدا، يبدو مهادنا إنما هو في الجوهر، شكل جديد للمقاومة، تحضيرا ليوم آخر: هكذا، كان لكل أربعين سنة، لكل جيل، أناسها ومقاوموها ممن عرفوا كيف يستنزفون المحتل الغاصب وكيف يعلّمونه أن المقاومة لا تموت، ويقولون له، على رأي الشاعر القبائلي الكبير “موح أومحند”: “سوف نُكسر ولن نُعصر”، حتى كانت ثورة التحرير الكبرى: سبع سنوات ونصف سنة، ومليونا ونصف مليون من الشهداء، وملايين من المشردين والجرحى واللاجئين، وفي النهاية كان الانتصار الأكبر، وكان أن رُفع العلم عاليا فوق المباني التي تركها الاستعمار بعد أن شيّدها لأبنائه من خلف البحر، وغادر المعمِّرون المستوطنون، البلاد في بضعة أيام، على عجل، بلا متاع ولا زاد إلا ما خفّ حمله.
بالروح نفسها، وبالعزيمة ذاتها وقانون التاريخ، تاريخ المقاومة ضد الاحتلال الغاصب المجرم في حق الإنسانية وفي حق الحضارة والأخلاق والدين والقوانين الدولية، لن تُهزم المقاومة أينما وُجدت: في فلسطين، غزة والضفة، و48، وفي لبنان وفي كل مكان، وجدت فيه مقاومة ضد المحتل “فما ضاع حق وراءه طالب”. غير أن هذا يتطلب خوض الصعاب، جهادا واستشهادا، وإنكارا للذات وطلبا للشهادة لا للحياة.
الاحتلال الصهيوني منذ عام 48، وقد مر على هذا الاحتلال نحو جيلين، لكل جيل أربعون سنة، ستنتهي بعد سنتين من الآن، وسيزول الاحتلال يوما، طال الأمد أو قصر، مادام هناك مقاومة، إن لم يكن بعد جيلين فبعد الجيل الثالث.
استشهاد يحي السنوار على تلك الصورة من البطولة، عكّر السردية الإعلامية السياسية الدعائية عنه بأنه قتل أكثر من مرة أو يكون متخفِّيا في الأقبية المظلمة محاطا بـ”الرهائن كدروع بشرية”: استُشهد على طريقة كل المجاهدين والثوار، مسلحا، مجاهدا، خارج الأرض، محاربا إلى آخر نفس، كما استُشهد قبله قادة سابقون في الحركة وفي كل الحركات النضالية من أجل التحرر والاستقلال: كل مرة، يُقطع فيها فرع، كان الفرع يُنبت أغصانا ويورق من جديد ويُثمر قيادات وأيادي وعقولا وعزائم أقوى على المواصلة والتصدي والتحدي حتى إخراج العدو من الأرض المحتلة، مهما طال الزمن ومهما كانت التضحيات والصعاب والجرائم ضد المدنيين العزّل وتدمير البنية التحتية المدنية التي تؤمِّن للساكنة والمهجَّرين العيش ولو لم يكن رغيدا.
رحل السنوار، بعد 23 سنة في سجون الكيان، وسنوات من النضال، وعام من مقاومة باسلة في غزة و”طوفان الأقصى” الذي كان مهندسه وصانعه رفقة إخوته في الفصائل المقاومة: إنجازات لم يتخيل أحدٌ أن يحققها أحد، وهاهو يرحل بعد أن أنجز ما وعد، وترك البقية لجيل من بعده سيصمد، ولن تكون هناك مهادنة حتى ولو حلم الكيان وحلفاؤه الذين سارعوا إلى إعلان النصر السريع.. من دون إدراك أي منقلب سينقلبون.