إبراهيم وعد أمّه بالحج عندما يكبر فكان سببا في عمرتها ووالدة هارون لم يفارقها إبنها أبدا
انتقلت “الشروق” صباح الجمعة إلى منزل عائلتي حشيش وبودايرة بالمدينة الجديدة علي منجلي بقسنطينة، وكان لنا هذا اللقاء مع أفراد عائتي الضحيتين هارون وإبراهيم بعد عودتهم من البقاع المقدسة، التقينا أولا بالسيدة ياسمينة والدة ابراهيم، والتي كانت مستاءة من الإشاعات التي تداولتها بعض الصحف، راجية من الإعلاميين تقصي الحقائق وعدم قذف الناس بتهم غير صحيحة، منها حكاية تنازل العائلة عن حق ابنها (داوهم للحج باش يسكتوهم على حقهم)، لتؤكد: “لن نسكت عن حق ابننا أبدا، ومن يقول ذلك يضع نفسه مكانناو وكل مسؤول في البلاد ذنب البريئين ابراهيم وحشيش في رقبته إذا لم يقتصوا لنا وبالإعدام”، وروت لنا أن إبراهيم، طلب منها قبل اختطافه وقبل إجراء الامتحان أن تجمع له ملابسه ليمنحها لزميله يوسف الذي يحتاج للمساعدة، وألحّ أن يكون ذلك يوم السبت أي يوم اختطافه بالذات 9 مارس، وقد أكدت لنا الوالدة أنها ستلبي طلب ابنها قريبا، هذا إلى جانب أنه كان دائما يقول لها (سأبعثك إلى الحج حينما أكبر)، وأنها رأته في منامها قبل أيام، وقال لها (لا تبكي يا أمي.. أنا متّ وخلاص)، لتضيف إن زيارتي للكعبة الشريفة أراحتني كثيرا، وأراحت بناتي، لتقدم شكرها للسفير الجزائري بالمملكة السعودية وزوجته اللذان لم يتأخرا في تقديم كل الدعم لهم منذ اليوم الأول، إلى جانب أنهم استقبلوهم ببيتهما، وكذا مدير الحج والعمرة، وأيضا عمال نزل توفيق بلازا وكل الأهل والأحباب.
في حين عبرت لنا أخوات ابراهيم (هديل، عبير، ملاك، خديجة، لبنى، والصغيرة بسملة ذات الست سنوات) عن فرحتهن بأداء مناسك العمرة وهن في مقتبل العمر، هذه الفرصة التي أتيحت لهن لم يكن تحلمن بها بتاتا، ومن خلالها زرن الكعبة الشريفة وارتاحت النفوس قليلا بعد فراق الغالي إبراهيم.
خديجة 14 سنة، قالت كنت أحلم أن أزور الكعبة الشريفة، وأرتدي الحجاب وتحقق حلمي أخيرا، وأحمد الله على كل شيء، وأخي هو الآن في الجنة ونحن لن ننساه أبدا.
أما عبير 18 سنة، المقبلة على اجتياز شهادة البكالوريا، قالت: (الحمد لله، لقد ارتاحت نفسي، ورغم حرارة الجو فأنا كنت جد سعيدة ومنحني الله القوة لإتمام مناسكي، وأخي ابراهيم سيظل بقلوبنا حتى نلقاه، والمجرمان بإذن الله سيأخذان جزاءهما وهو الإعدام).
أما والد إبراهيم السيد مراد، فقد صرح لنا قائلا: “أشكر كل المحسنين الذين ساهموا في هذه المبادرة، وأن أداء مناسك العمرة لمّ شمل العائلتين، وكأنهما عائلة واحدة، ولن أتنازل عن حق ابني أبدا، وإذا تنازلت فسيكون شرطي تحرير فلسطين من أيدي الإسرائيليين”، وعن إشاعة تغيير مسكنه، أكد لنا أنه لن يغيره أبدا بحكم أن الجيران وأهل حي 1 نوفمبر 1954 هم عائلته الثانية، ويحس بالأمان وهو في وسطهم. في حين بدت الجدة يمينة جد متأثرة، لأنها لم تجد إبراهيم في البيت لتحمد الله على كل شيء ولتذرف دموعها في صمت مترحمة على حفيدها.
أما عائلة بودايرة، فقد أكد لنا والد هارون السيد سليم، أن سفر العائلة أزاح عنها الكثير من الحزن والهمّ (كي شفنا الكعبة الشريفة نسينا كل شيء، الله يجازي الجميع بكل خير)، وحتى السيدة نضيرة والدة هارون وجدناها صبورة كما عهدناها أول الفاجعة، فإيمانها بالله كبير، وأنه لا مرد لقضائه أبدا، كانت تبكي في صمت وتنظر في زوايا البيت بحثا عن هارون الذي كان يملأ بيتها بشغبه وبراءته، وهو الذي لم يفارقها ابدا من خلال إطلالته في المنام على مدار أيامها في البقاع المقدسة، رغم انها ارتاحت بجوار ربها وهي تدعو لهارون بالجنة. ولم يفوتا الفرصة ليشكرا بدورهما كل من ساعدهم على لملمة الجرح الغائر.