الرأي

إبعاد فلسطين عن المحاور

صالح عوض
  • 1467
  • 0

لقد زجوا بفلسطين في كل قضاياهم العبثية.. وكم كان يحلو للكثير سابقا أن يتدثروا براية فلسطين كلما هموا بفعل مشين ضد شعوبهم أو ضد الأمة. فلقد سبق لأحدهم أن توسط للإفراج عن قادة المقاومة الإسلامية من السجون الأردنية، لأنه كان بصدد الإعلان عن علاقة بالكيان الصهيوني..

ومع التوغل في الهزيمة، خلعوا ما عليهم من كلمات باردة ميتة عن فلسطين، وخرجوا “للعيب” مباشرة بمدهم جسور المودة للأعداء الصهاينة الذين يهوِّدون الأرض والأقصى وأصبحنا نعيش مرحلة بصفات جديدة.. وهنا أصبحت الكلمات عن فلسطين ذات قيمة وتكلف أثمانا باهظة.. لم يعد التدثر براية فلسطين عملا من أصناف اللهو والتغطية، إنما هو خط أحمر لا يقوى عليه إلا المؤمنون بفلسطين ومستقبلها..

قدمت الثورة الجزائرية من خلال دولتها وشعبها وأحزابها نموذجا فريدا في التعامل مع فلسطين والفلسطينيين، بدأت معهم بأن أعفتهم من أي موقف سياسي مقابل دعمها غير المحدود وغير المشروط.. كان يكفي للجزائريين أن الذي بإزائهم فلسطينيون فيقدِّموا لهم الواجب بلا منٍّ ولا أذى.. لم يتفق الفلسطينيون في منظمة التحرير مع كل المواقف الجزائرية، لكن الجزائر وقفت مع الفلسطينيين في كل مواقفهم؛ ذلك لأن الجزائر تدرك خصوصيات الحالة الفلسطينية، وأنهم لا يستطيعون دفع ثمن التمحور والتخندق في أي محور حتى لو كان صوابا، فالمسألة تحتاج حكمة وجمع الطاقات وتقليل جبهة الأعداء وعدم التورط في معارك ثانوية غير معركة التحرير.. فوضعت الجزائر بذلك لبنة أساسية في سلوك سياسي كان لابد أن يتبناه العرب والمسلمون تجاه فلسطين وأهلها.

وعندما تعلن بوليفيا ونيكاراغوا والبرازيل وكوبا وفنزويلا عن مواقف ثابتة مع فلسطين، وعندما تصرخ رئيسة برلمان بوليفيا: “لن نتنازل عن حبة تراب من فلسطين.. ولن نقبل بأي تصالح مع الكيان الغاصب العنصري على أرض فلسطين”، إنما هي في حقيقة الأمر ترفع الغطاء عن عبث النظام العربي في أكثر من مكان وهو يتقرب زلفى إلى العدو الصهيوني ويرسل وفوده متطوعا علنا وسرا للتنسيق معه وتكوين التحالف ضد الأمة ومقدراتها وقوتها.. وعندما يرتفع الصوت عاليا “أن يا فلسطينيون لا تدخلوا المحاور وأن ليس لأحد أن يطلب من الفلسطينيين موقفا ضد أحد آخر في الأمة”.. فإن هذا يعني أن وعيا سياسيا متطورا حصل في الأمة مهما كان خطه ضعيفا محاصَرا محدودا.

فلسطين أكبر من المحاور وعلى أرضها ينبغي أن تلتقي كل الجهود المخلصة والطيبة مهما تكن قد فرقتها الاجتهادات ذات اليمين وذات الشمال، لأن المعركة على أرضها تحتاج مقدراتٍ كبيرة وإمكانات ضخمة متتالية، ثم إنها الفرصة التاريخية ليلتقي أصحاب وجهات النظر المختلفون على قاعدة متينة؛ إنها الاتجاه نحو تحرير فلسطين وتفكيك الكيان الصهيوني.

كم كنا نحتاج تمدد هذا الموقف اليتيم.. فلقد كانت الجزائر وحدها من يتبناه في التعامل مع فلسطين، فهل ترسخ إيران موقفها الذي أعلنته في مؤتمر طهران سلوكا عمليا في المستقبل؟ وهل يجد مثل هذا الموقف امتداداتٍ أوسع في الأمة؟ ذلك رهينٌ بمدى الوعي والالتزام بقضية فلسطين.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة