الرأي

إحباط علوي لانقلاب من معسكر بني أمية؟

حبيب راشدين
  • 6548
  • 24

عندما تقبل شعوب العربية برواية الربيع الذي سوق الانقلابات العسكرية في مسوح ثورات شعبية، فلابد لها أن ترضى بالرواية التي سوقها النظام السوري بكفاءة للتعمية على عملية إحباط علوي لمحاولة انقلاب عسكري من طوائف بني أمية.

الأحداث في العالم العربي الموبوء بالربيع الأمريكي المغشوش تتدافع بسرعة تمنع العقل من التركيز، وتحول دون التحليل الجيد، ومنها تحديدا ما حدث في العاصمة السورية يوم الأربعاء بتصفية قيادات أمنية رفيعة، حدث آخر قد يصرفنا لحين عن متابعة ما يجري في مصر من تصعيد متسارع قد   يضع   أم   الدنيا   على   مسار  بنت  الشام .

وكالعادة فقد سوق لنا حادث اغتيال ثلاثة من كبار القادة العسكريين والأمنيين السوريين وكأنه حادث إرهابي صرف، سارعت مجموعتان من المعارضة السورية المسلحة إلى تبنيه كعمل نوعي، دقائق قليلة بعد أن أذاع التلفزيون السوري النبأ ساعة وقوعه على غير عادته، ويراد للمشاهد   أن  يقبل بالصيغة التي التقى عندها هذه المرة كل من النظام السوري والمجموعات السورية المسلحة، وحتى الدول العظمى المتقاتلة على الأرض السورية.

.

حارس بشار في عرين الأسد

دعونا نذكر بمعطيات الحدث كما جاءت، سواء في البيان الرسمي السوري، أو في بيان التبني لمجموعتين مسلحتين. ففي الصيغة الرسمية، جاء “أن تفجيرا إرهابيا نفذ داخل مقر قيادة الأمن القومي أدى إلى قتل وزير الدفاع السوري، ومسؤولين أمنيين كبيرين أحدهما آصف شوكت صهر الرئيس بشار الأسد، وجرح آخرين من بينهم وزير الداخلية”، وتوالت البيانات الصحفية تقول كبنت الصدى عن سماع: أن المنفذ هو عنصر من دائرة الحرس الشخصي لبشار الأسد، فيما ذكر بيان عن إحدى الجماعات أن العملية نفذها انتحاري بحزام ناسف، وذهب متحدث باسم الجيش السوري الحر إلى سرد تفاصيل كثيرة، ادعى فيها أن العملية تم الترتيب لها منذ شهور بإدخال المواد المتفجرة من صنع محلي على مراحل، ثم تركيبها في عين المكان وتفجيرها عن بعد عند انعقاد الاجتماع الأمني الكبير.

.

أجواء متقلبة لتهيئة الانقلاب

قد يكتفي بعضنا بهذا القدر من المعلومات ثم ينصرف لحاله، ولمن وجد في نفسه بعض الريبة والتشكيك أدعوه معي إلى الوقوف عند ما أفصح عنه، وما تم تجاهله أو التدليس فيه لغاية في نفس يعقوب. وقبل ذلك، قد نحتاج إلى تعقب الأحداث المسجلة في الأيام الثلاثة التي سبقت حادث التفجير وأجواء التحضير للحدث، حيث جرى تصعيد إعلامي في قنوات الربيع العربي الأربع، كان يدور في الجملة حول معركة حاسمة تكون قد بدأت داخل العاصمة دمشق، فيما كان البريطانيون قد تقدموا بمشروع قرار جديد لمجلس الأمن تحت البند السابع كان سينظر فيه يوم الحادث، وسارعت الولايات المتحدة إلى الإعلان عن وصول حاملة طائرات إلى السواحل السورية.

وعلى الأرض، وقبل يوم واحد من الحدث، انتشر بعض أفراد المجاميع المسلحة في بعض أحياء دمشق يطلقون النار في الهواء، وكأن العاصمة قد أصبحت ساحة لمواجهة حاسمة وشيكة كما حدث في طرابلس عشية

سقوط النظام الليبي.

.

رواية الآحاد لحدث يحتمل التأويل

تلكم كانت الأجواء السائدة قبل وقوع الحدث يوم الأربعاء، وحتى مع التسليم بحصول بعض الارتخاء في الأجهزة الأمنية، فإن الصيغة التي قدمت للحادث لا تستقيم، وفيها كم هائل من الثغرات والمسكوت عنه، وسوف أدعو القارئ إلى إعادة ترتيب عناصر الخبر، ومناقشتها بذهنية متفتحة على أكثر من فرضية.

أولا: الحادث جرى، حسب الصيغة المتفق عليها، في واحد من أهم المقرات الأمنية التي تجتمع فيها المجموعة المكلفة بإدارة أمن البلاد في الداخل والخارج: وزير الدفاع ونائب القائد العام للقوات المسلحة، ومساعد نائب رئيس الوزراء، وصهر الرئيس، ووزير الداخلية وشخصيات أمنية سامية لم تذكر بالاسم، يفترض أنه حصن محصن بقدر تحصين مقر إقامة الرئيس، يصعب اختراقه حتى من قبل الأجهزة الإستخباراتية الكبرى.

الثاني: أن السلطة السورية سارعت لحظة وقوع الحدث إلى إعلانه وإعلان أسماء من قتل ومن أصيب، وهم قيادات كبرى في البلد، وكان بوسعها حتى مع إعلان النبأ أن تؤخر إعلان وفاة وزير الدفاع، وقياديين أمنين كبيرين، ولمن يتابع الأحداث في سورية، يعلم أن تفجيرات سابقة، استهدفت مقرات أمنية متواضعة، لم تعلن عنها السلطة إلا بعد مرور ساعات طوال، وبعد أن تناولها الإعلام العربي والغربي.

.

انفجار لم يسمعه الجار

الثالث: أنه حتى الآن لم ينقل التلفزيون السوري، أو أي طرف إعلامي، ولا صرة واحدة عن البناية التي تكون قد تعرضت للتفجير كما يقول الخبر، كما أن مراسل فرانس 24 ذكر يوم الخميس أن السكان المجاورين للعمارة لم يسمعوا أي تفجير.

الرابع: تقول الرواية التي ساقتها وكالة رويتر، واعتمدها لاحقا الجيش السوري الحر، أن المنفذ هو عنصر من دائرة الحرس الشخصي للرئيس بشار الأسد، وقد فاتها أن هذا العنصر، إذا كان فعلا من دائرة حرس الرئيس، وتم تجنيده من قبل الجيش السوري الحر، أو أي تنظيم استخباراتي، كان يفترض أن يستهدف الرئيس الذي تجتهد قوى عظمى لترحيله أو قتله.

الخامس: أن السلطة السورية التي كانت تبادر إلى تكريم ضباط من رتب صغيرة، لم تخصص هذه المرة أي تكريم رسمي للضباط الكبار الثلاث، حتى وإن كان الإعلام السوري واصل حتى ليلة الخميس يصفهم بالإبطال والشهداء، غير أن السلطات لم تتخذ أي قرار بالحداد وتنكيس الأعلام، كما لم ينشر أي بيان عن الرئيس بشار الأسد يعزي فيه الجيش العربي السوري وأهل الضحايا كما جرت العادة، وقد ظهر على الشاشة وهو يستقبل وزير الدفاع الجديد.

.

عقدة لسان عند أمريكا الثرثارة

السادس: حتى مساء الخميس لم يتحدث أي مصدر رسمي عن مراسيم تشييع جنازة الضباط الثلاثة، وذكر التلفزيون السوري بالأماكن التي تستقبل فيها عائلات القادة الثلاث تعازي الأهل والمواطنين، كما لم ينقل التلفزيون أية صورة لوزير الداخلية من المستشفى حيث نقل لتلقى العلاج كما تقول الرواية.

السابع: أن الولايات المتحدة، وهي التي كانت تسبق الجميع في رد الفعل، ظلت لساعات طوال صامتة وكأنها مصابة بصدمة، أو أن تعجل الجيش السوري الحر والمعارضة السورية في تبني الحدث يكون قد قطع عنها الطريق لمعالجة الحدث معالجة سياسية، وهي التي تعلم ما تعلمه كبريات أجهزة المخابرات عن استحالة أن يكون الحدث من تنفيذ فصيل مسلح.

الثامن: أن روسيا والصين، وهما القوتان المتورطتان في المواجهة الدولية الجارية في سورية، لم يتأثرا كثيرا بالحدث حين استعملا للمرة الثالثة حق الفيتو ضد مشروع قرار بريطاني، كان يريد معاقبة سورية تحت البند السابع، مما يشير إلى أنهما يعلمان أن النظام السوري ليس في موقع سيء حتى بعد قطع رأس قيادته الأمنية.

التاسع: أن وزير الخارجية لافروف، صرح دقائق بعد وقوع الحدث: أن معركة حاسمة قد بدأت الآن في دمشق، وصدقته أحداث الساعات الأخيرة، بتنفيذ الجيش العربي السوري لسلسة من العمليات داخل دمشق، وعبر التراب السوري هي الأوسع والأعنف، مع تعطيل شامل لإشارة البث لجميع قنوات الجزيرة والعربية.

.

.انقلاب استباقي على انقلاب مبرمج

ولولا ضيق المجال، لذكرت معطيات كثيرة تم تجاهلها في تناول الحادث، قبل أن تنصرف عنه الفضائيات، بعد أن بدأ الشك يحوم حول حقيقة ما جرى، أو لأنها بدأت تشعر أن النظام السوري يكون قد أوقعها في فخ التسويق لعملية إرهابية وهمية، وصرفها عن البحث في فرضيات أخرى.

السنة ونصف السنة من أحداث سورية كشفت للجميع استحالة تغيير النظام بالمظاهرات السلمية كما بالعمل المسلح، وامتناع التدخل العسكري بواسطة النيتو مع وجود الفيتو الروسي الصيني، وكان الأمل معلقا فقط على أحد الأمرين: اغتيال بشار الأسد على يد أحد الحراس أو كبار الضباط، أو قيام قيادة من الجيش بتنفيذ انقلاب عسكري.

العناصر التسعة التي أوردتها أعلاه، تميل بنا إلى الأخذ بفرضية نجاح نظام بشار الأسد في إحباط انقلاب عسكري كانت تعد له المجموعة التي استؤصلت يوم الأربعاء، وتم القضاء عليها، وغطى الحدث بفبركة حادث إرهابي وهمي نسب للمعارضة، وسقطت المعارضة وحلفاؤها في الشرك، حين تسرعت في تبني العملية وهي لا تعلم أنها تمنح شهادة براءة ذمة للنظام السوري في حال قيام قرائن على ضلوعه في الحادث.

.

.إسقاط حكم الطائفة بتوليفة طائفية

وجود أصف شوكت، صهر الرئيس الأسد، من بين القتلى يلقي بظلال كثيفة على الحدث، ويمنح فرضية الانقلاب قدرا من الصدقية، ويذكرنا بحالة مماثلة حصلت مع الرئيس الراحل صدام حسين وأحد أصهاره، لأن الجهات التي كانت تعمل على تدبير الانقلاب منذ بداية الأحداث، تعلم أن نجاح الانقلاب يحتاج إلى شراكة طرف قد يستميل القوى العلوية النافذة في الجيش والأجهزة الأمنية، وشخصية مسيحية مثل وزير الدفاع يطمئن المسيحيين، ويمنع حدوث انقسام داخل الجيش ونزوح المسيحيين. وحيث لم يكن من السهل الاقتراب من العماد ماهر الأسد شقيق بشار وقائد الحرس الجمهوري، فإن الاختيار يكون قد وقع على صهر الرئيس بمعية وزير الدفاع، وقيادي ثالث من الأقلية التركمانية.

التصفية تكون قد تمت في مكان آخر غير مقر الأمن القومي، الذي هو في الأصل كما تقول بعض المصادر بناية مفتوحة، يحتمل معها تصديق رواية “التفجير الإرهابي أو الإستخباراتي”، وحتى تنفيذ تفجير وهمي للتغطية على عملية إفشال الانقلاب، لأن النظام لم يكن بوسعه أن يسوق التصفية في صيغة عملية إحباط لانقلاب عسكري، كانت ستضعفه في الداخل والخارج حتى بعد فشل الانقلاب.

.

الدب والتنين لحماية عرين الأسد

ثلاثة أمور تغذي الشك والريبة، في أن ما حدث لم يكن سوى تغطية بارعة لعملية إحباط انقلاب عسكري، كان سينفذ بالتزامن مع هجوم للجماعات المسلحة، التي استدرجت لدمشق بكثافة في الأيام الثلاثة التي سبقت الحدث، ربما بتسهيلات من الجهات التي كانت تحضر للانقلاب:

الأول: هو تعامل السلطات السورية الذي خرج عن المألوف والعادة، سواء في سرعة نقل الخبر والإفصاح عن الضحايا، أو في غياب مظاهر الحزن والحداد على مقتل قادة كبار، وامتناع السلطات حتى الآن ( صبيحة الجمعة) عن الخوض في مراسيم تنظيم تشييع رسمي لجنازة الضباط الكبار، وامتناع الرئيس بشار عن تعزية ذويهم.

الثاني: اندفاع الجيش السوري في عمليات واسعة لمحاصرة العناصر التي جلبت للعاصمة لدعم الانقلاب ساعات بعد الحادث، وكأن إحباط الانقلاب قد حرر قيادات ميدانية من أوامر كانت تقيد تحركاتها ضد المجموعات المسلحة.

الثالث: أن الروس والصينيين، ما كانوا ليغامروا بفيتو ثالث عقب الحدث الذي قضى على قيادات أمنية كبيرة، لو لم يكونوا على علم بأن ما حدث هو في صالح تقوية النظام وليس إضعافه، إن لم يكونوا شركاء في رصد الترتيبات للانقلاب، وإقناع بشار بقرار الحسم، حتى أن لافروف وزير الخارجية الروسي صرح في وقت متزامن مع الحدث أن معركة الحسم قد بدأت في دمشق.

الفرضية، حتى وإن كانت تفتقر لمزيد من المعطيات، هي في كل الأحوال أقرب للتصديق من الرواية التي توافقت عليها الأطراف المتصارعة في هذه المواجهة، التي لم يتردد سفير روسيا في مجلس الأمن بوصفها “مواجهة جيوستراتجية” لن يقبل أي طرف بالاعتراف فيها بالهزيمة حتى لو أفتى الشعب السوري بالكامل.

مقالات ذات صلة