إخفاء الخطبة عن الأهل والجيران.. خباثة أم كياسة؟
إخفاء الخطبة عن الأهل وأقرب المقربين والجيران، بات سلوكا دارجا جدا بيننا، نحن الجزائريين، يؤشر لهشاشة العلاقات الاجتماعية وانخفاض مستوى الثقة والاطمئنان للآخر، ولشرخ كبير في متانة الصلات العائلية. كما صار سببا لقطيعة الرحم واندثار الروابط بين المعارف والجيران. ففي الوقت الذي يبرر فيه من يخفون الخطبة سلوكهم، بأحقيتهم في السرية والكتمان، إلى حين تمام الأمر وحدوث الزواج، يستهجن من أخفيت عنهم الخطبة ذلك ويصفونه بالخباثة واللؤم وبالخديعة، التي لا تغتفر أحيانا. فهل من الجائز شرعا إسرار الخطبة.
حروب أهلية
وكأنها حرب البسوس، التي دامت قرابة الأربعين عاما، ونشبت بسبب حادثة بسيطة ضخمتها امرأة وأدت إلى تفجير سلسلة ثأر متبادل ومتواصل بين قبيلتين. تلك هي حال القطيعة الأبدية والحرب الأهلية، القائمة منذ سنوات، بين عائلتي السيد عبد الفتاح وأخيه الأصغر، التي بدأت لما أشارت عليه زوجته بأن يخفي أمر خطبته فتاة من خارج دائرة الأقارب لابنه البكر، عن أخيه الأصغر وأسرته، وهو الذي كان متفقا معه على خطبة ابنته الكبرى، إذ لم يسمع العم بخطبة ابن أخيه إلا قبيل العرس بيومين فقط، حينما وصلته دعوة الفرح. وكم كانت صدمته كبيرة، إذ اغتاظ من الأمر كثيرا وشعر بالإهانة والغدر. وطبعا، زوجته بدورها، لعبت دورها المكيدي والكيدي في تأجيج الوضع. فقرر عدم تلبية دعوة العرس. ورغم حدوث الصلح بينهم لاحقا، إلا أن نار الثأر لم تنطفئ، إذ لما خطبت ابنة أخي السيد عبد الفتاح أخفى عنه ذلك، ليستمر الأمر كذلك بينهما إلى ما لا نهاية.
نفس الأمر، يتكرر في عائلة السيدة وردة، التي تؤكد أنه لا أحد يعلم بأمر خطبة غيره في العائلة الممتدة، إلا قبيل الزفاف بأيام، خوفا من العين والحسد، أو كنوع من أنواع المعاملة بالمثل. وهذا ما أدى إلى فتور الروابط العائلية وانقطاع صلة الرحم بين الكثير منهم.
خباثة أم كياسة؟
هذا السيناريو صار شائع الانتشار بين الأسر الجزائرية. فأصبح أمر إسرار الخطبة عن الأهل والأقرباء والأصحاب ضرورة اجتماعية، تفرضها دواعي الحرص والحذر والحيطة، خوفا من المفسدين والمخببين والحاقدين والحاسدين أحيانا، ورغبة في الخصوصية وتفاديا للتدخلات، أو انتظارا لتمام الأمر واكتماله، لكون الخطبة مجرد وعد بالزواج، قد يتم الإيفاء به أو قد لا يتم.
ولكن قليل من يتفهم الدوافع المشروعة لذلك، ويعذر أصحابها. فالكل يمنح نفسه الأحقية في العلم بموضوع خطبة غيره، حتى وإن كان بعيد القرابة أو مجرد جار. وكل من يخفيها يتهم بالخباثة واللؤم. وتتم معاملته بالمثل أو مقاطعته وعدم حضور عرسه، رغم أنه قد يعد ذلك أحيانا من الكياسة المطلوبة. فحتى من الناحية الشرعية، استحب بعض العلماء إخفاء الخطبة. ومازلت أذكر في هذا السياق مدى الإحراج الذي طال إحدى الجارات، التي لم يحضر عرس ابنتها أغلب أقاربها، لكونها أخفت عنهم جميعا أمر خطبتها. وفاجأتهم بذلك لما دعتهم لحفل الزفاف، رغم أن دافعها لذلك كان منطقيا، لكون ابنتها متقدمة في العمر وفسخت خطوبتها لأربع مرات قبل زفافها، بسبب المفسدين الذين كانوا يطعنونها في عرضها ظلما وبهتانا.
أسروا الخطبة وأعلنوا الزواج
رغم أن الحديث الذي رواه الديلمي: “أظهروا النكاح وأخفوا الخطبة”. هو حديث ضعيف، كما يقول أستاذ الشريعة الإسلامية بلقاسم.ز: “إلا أن العلماء فعلا استحبوا إخفاء الخطبة خوفا من الحسدة والحاقدين، الذين قد يسعون لإفساد الزيجة. ويستدل هؤلاء بقوله- صلى الله عليه وسلم-: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالسر والكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود”. وبالتالي، فإن إسرار الخطبة مستحب من باب عدم إظهار نعمة الله- تعالى- أمام الحاسدين، حفظا لها من الزوال. وهذا ما كان يفعله المسلمون قديما. فأمر النكاح يستعان على نجاحه بالكتمان. على عكس الزواج، الذي يجب إعلانه وإظهاره للإعلان عن الحلال. وبالتالي، ليس من أخلاق المسلم أن يعاتب أحدا، لأنه أخفى خطوبته وأمر زواجه، حتى يعلنه بنفسه بالوليمة”.