الجزائر
برنامج خاص يعتمد على الحواس والذاكرة البصرية

إدماج أطفال “طيف التوحد” في التربية المرورية والبيئية

مريم زكري
  • 48
  • 0

يستفيد أطفال طيف التوحد، مع بداية الدخول المدرسي الجديد من برنامج تعلمي خاص، يعتمد على الحواس الخمس والذاكرة البصرية والحركية، لتدريبهم على فهم الطريق والتعامل الآمن مع مخاطره، ويحوّل البرنامج إشارات المرور وممرات الراجلين وأصوات المركبات من معلومات مجردة إلى تجارب يعيشها الطفل بالمشاهدة واللمس والاستماع والحركة، قبل الانتقال إلى محاكاة مواقف العبور والتوقف والانتباه داخل فضاء مروري مصغّر.

وتقوم المبادرة على تدريب الطفل على الانتقال من التعرف على الإشارة إلى فهم دلالتها ثم الاستجابة لها سلوكيا، مع مراعاة خصوصيته الحسية وقدرته الفردية على التعلم، بما في ذلك تجنب الأصوات والمحفزات التي قد تسبب له الانزعاج.

وفي السياق، أطلقت الجمعية الوطنية للممرنين المحترفين للسياقة برنامجا بيداغوجيا تحسيسيا وتوعويا موجها لفائدة أطفال طيف التوحد، تحت شعار “أبجديات السلامة المرورية من الحواس الخمس إلى الواقع… نحو تربية مرورية دامجة”، في خطوة ترمي إلى نقل التربية المرورية من مجرد تلقين للقواعد إلى تجربة حسية وتطبيقية تراعي خصوصية هذه الفئة واحتياجاتها الإدراكية والحسية.

تدريب بالمحاكاة على فهم الطريق والتعامل مع الأخطار

وتنطلق المبادرة من ولاية الجزائر، وتحديدا من المركز الوطني المتخصص في التكفل بأطفال طيف التوحد، لتشكل محطة ميدانية أولى في مسار تربوي يسعى إلى إدماج الأطفال في محيطهم المروري والبيئي، من خلال التعلم بالحواس، والمحاكاة، والتجربة المباشرة، بدل الاكتفاء بالمعلومة النظرية.

وترتكز الفكرة، بحسب الجمعية، على مبدأ مفاده أن التربية المرورية حق تربوي للجميع، بمن في ذلك الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد، باعتبار أن بناء السلوك الآمن يبدأ في مرحلة الطفولة، من خلال مساعدة الطفل على فهم محيطه، والتمييز بين المخاطر، واحترام القواعد، واتخاذ القرار المناسب في المواقف اليومية.

إشارة المرور تتحول إلى تجربة حسية

وبحسب ذات المصدر، لا يعتمد البرنامج على الطريقة التقليدية في تقديم إشارات المرور، وإنما يوظف الحواس كمدخل أساسي للتعلم، من خلال تقديم الإشارات وممرات الراجلين، يتم التركيز على الشكل واللون والرمز، مع الاستعانة بمجسمات فيزيائية مختلفة الأحجام والأشكال ووسائل تعليمية ملموسة، وصولا إلى استخدام العجينة في تجسيد بعض الرموز والمعالم المرورية.

وتراهن هذه المقاربة على الذاكرة البصرية والحركية للطفل، بحيث لا تبقى إشارة المرور مجرد صورة على ورق، وإنما تتحول إلى شيء يمكن رؤيته ولمسه والتفاعل معه وربطه بسلوك محدد.

وتوضح الجمعية أن الهدف النهائي ليس حفظ الطفل لأسماء الإشارات، وإنما مساعدته على الانتقال تدريجيا من التعرف على الرمز إلى فهم معناه ثم ترجمة ذلك إلى سلوك آمن.

السيارات والترامواي... تدريب على التمييز قبل العبور

ويخصص البرنامج جانبا للتوعية السمعية، من خلال تدريب الطفل، وفق قدراته وخصوصيته، على التمييز بين بعض الأصوات الموجودة في المحيط المروري، كأصوات السيارات والقطارات والترامواي، ولا يتوقف النشاط عند معرفة مصدر الصوت، بل يربط بينه وبين الاستجابة الوقائية المناسبة منها التوقف، الانتظار، الانتباه والتحقق قبل العبور.

وفي المقابل، تراعي المبادرة الخصوصية الحسية للأطفال ذوي طيف التوحد، خاصة بالنسبة لمن يعانون من حساسية تجاه بعض الأصوات، حيث يتم تجنب المحفزات الصوتية القوية أو المزعجة، والاستعانة عند الحاجة بوسائل الحماية السمعية، بما يتناسب مع حالة الطفل وطبيعة النشاط، كما ولا تقتصر المبادرة على السلامة المرورية، إذ تمتد إلى التربية البيئية من خلال توظيف حاسة الشم في أنشطة آمنة ومراقبة.

ويتم، وفق طبيعة النشاط، تعريف الطفل ببعض الروائح المرتبطة بالنظافة والنفايات والتلوث، وربطها بالسلوك البيئي السليم والمحافظة على المحيط، إلى جانب الاستعانة كما بروائح طبيعية، كرائحة التربة المبللة والطبيعة، في أنشطة تربوية تساعد على تعزيز علاقة الطفل بالبيئة، وترسيخ مفاهيم المحافظة على الأشجار والمساحات الخضراء وحماية المحيط.

حظيرة مرورية مصغرة... الطفل يتعلم بالممارسة

ومن أبرز ركائز البرنامج المقترح، إنشاء أو توفير حظيرة مرورية تربوية مصغرة تسمح للأطفال بتطبيق ما تعلموه في فضاء آمن، من خلال محاكاة ممرات الراجلين وإشارات المرور وحركة المركبات وقواعد التوقف والعبور، كما تشمل المبادرة الاستعانة بالرسوم المتحركة والمجسمات والوسائل التعليمية والأنشطة التطبيقية، داخل المراكز المتخصصة التابعة لقطاع التضامن الوطني، بما يجعل الطفل طرفا فاعلا في العملية التعليمية.

وترى رئيسة الجمعية أن الانتقال من الورشة إلى الواقع من شأنه أن يساعد الطفل على تحويل المعرفة إلى عادة وسلوك، خصوصا عندما يتم تكرار المواقف المرورية في بيئة آمنة قبل مواجهتها في الشارع.

وتقوم المبادرة، بحسبها على العمل التكاملي بين الممرن المحترف والأخصائي النفساني والمربي والأسلاك الأمنية وباقي المتدخلين، خاصة أن النجاح في تعليم الطفل قواعد السلامة المرورية لا يرتبط فقط بالمعلومة التي تقدم له، وإنما بطريقة تقديمها، ومدى ملاءمتها لقدراته الفردية، ووتيرة التعلم، والظروف الحسية والنفسية المحيطة بالنشاط، وتوسيع مفهوم التربية المرورية ليشمل الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، عبر اعتماد وسائل تعليمية تتناسب مع خصوصياتهم، وتساعدهم على اكتساب مهارات يمكن أن ترافقهم في حياتهم اليومية.

وتعتبر المتحدثة أن إدماج أطفال طيف التوحد في التربية المرورية والبيئية يمثل استثمارا في الإنسان وفي الأجيال الصاعدة، ويعكس مسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة والمدرسة وقطاعات التضامن والتربية والأمن والحماية المدنية والمجتمع المدني.

مقالات ذات صلة