الرأي

إذا ضاقت بك الدّنيا فأحسن إلى المحرومين

سلطان بركاني
  • 844
  • 0

هذه الحياة الدّنيا دار امتحان وابتلاء، مشوبة بالأخطار ممزوجة بالأكدار، لا تستقرّ على حال ولا قرار؛ يُبتلى فيها العبد بنقص المال وفقد القريب والحميم، ويُبتلى بالأسقام والمنغّصات، وربّما يبتلى بخذلان كلّ من هم حوله، حتى أقرب النّاس إليه ربّما يتخلّون عنه في أصعب الظّروف وأحلك المواقف، وينشغلون بأنفسهم عن محنته.. كلّ هذا حتى ييأس العبد المؤمن من المخلوقين الذين كان يظنّ أنّ دنياه لا تقوم إلا بهم، ويتوجّه بمجامع قلبه إلى خالقه الذي يدبّر الأمور وبيده مقاليد السّماوات والأرض.

إذا ما أحسن العبد التوجّه إلى مولاه وأظهر له فقره وضعفه وقلّة حيلته، وسعى في رحمة وعون من هم حوله من أهل الحاجة والبلاء، فإنّ الله يجعل لذلك العبد من ضيقه مخرجا ومن همّه فرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. يقول أحد العارفين: “إذا تخلّى الناس عنك في كرب؛ فاعلم أنّ الله يريد أن يتولى أمرك، وكفى به ولياً، فإذا علمت هذا؛ فاعتمد على الله اعتماد الغريق الذي لا يعلم له سبب نجاة غير الله، وإياك أن تطلب حوائجك ممّن أغلق دونك بابه، وجعل دونك حُجَّابه”.

العبد المؤمن مهما عظم بلاؤه في هذه الدّنيا، ومهما تتابعت عليه الابتلاءات، فإنّه لا ييأس من روح الله، بل يتذكّر أنّ من يدبّر أمور هذا الكون هو أرحم الرّاحمين وأحكم الحاكمين، ويخفّف عن نفسه دائما بالنّظر إلى من هم أكثر منه بلاءً وحاجة، بل مع حاجته وما هو فيه من البلاء فإنّه يسعى إلى رحمة المكلومين والمحرومين من حوله ولو بأقلّ القليل، ولو بكلمات مواساة، رجاء أن يتداركه الله برحمته، فهو لا ينسى قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: “ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ”، ولا ينسى أنّ من سنن الله في تدبير أمور خلقه أنّه إذا أراد رحمة عبد من عباده فإنّه يسوقه بلطفه الخفيّ ليرحم عبدا حسيرا من عباده، فيلهج لسان ذلك العبد الكسير بالدّعاء له، فترتفع دعواته إلى السّماوات العلى، ويأذن الله بإجابتها، يقول النبيّ عليه الصّلاة والسّلام: “هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاّ بِضُعَفَائِكُمْ”.

لعلّ منّا من جرّب ورأى وعاين من تدبير الله في هذا الباب ما جعل قلبه يخفق بحبّ مولاه ولسانه يلهج شكرا له جلّ في علاه.. ربّما يمتلئ العبد في بعض الأوقات همّا، فيرسل الله على طريقه أو عند بابه حيوانا ضعيفا جائعا، فيرحمه العبد ويطعمه من القليل الذي عنده، فيكون ذلك سببا لانقشاع الهمّ الذي ألمّ به.. ربّما يُبتلى العبد المؤمن في بعض الأحيان بضيق لا يعلم سببه، أو بهمّ لا يدري كيف تسلّل إلى نفسه، وربّما يبتلى بدين أو حاجة إلى المال، فيشعر وكأنّ في داخله ما يدعوه إلى الخروج من بيته أو مغادرة المكان الذي هو فيه، ليسلك طريقا ربّما لا تكون له فيها أيّ حاجة، فلا يلبث أن يلتقي مبتلى أو صاحب حاجة يقصّ عليه من همومه ما ينسيه همّه ومن آلامه ما ينسيه ألمه، وربّما يحرّك الله قلبه بالشّفقة لحال ذلك المحروم، فيخرج من جيبه ما هو في أمسّ الحاجة إليه فيضعه في يد ذلك المبتلى، فيدعو له المبتلى بالخير ويسأل له الحنّان المنّان أن يفرح قلبه ويسعده، فما يلبث سوى ساعات أو أيام حتى يفتح الله له رزقا وفرحا وأنسا، فيتذكّر موقفه مع ذلك الفقير المبتلى، فيحمد الله، ويزداد يقينا بأنّ لهذا الكون خالقا عليما حكيما.

يقول أحد الدّعاة: “إنّ من أعظم أسباب تيسير الأمور وتفريج الهموم والكروب في هذه الدنيا، بذلَ العون وإسداء الخير للآخرين، فإذا ضاقت بالعبد المؤمن فليتصدّق، وليعُن من هو في حاجة إلى العون، يقول الله تعالى: ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى))”.

قضى الله -تبارك وتعالى- أنّه لا يضيع أجر المحسنين، وقضى أن يكون في عون عبده ما كان العبد في عون إخوانه، والعبد المؤمن لا يلزم أن يكون غنيا وثريا حتى يقدّم العون لإخوانه، ويسعى في تفريج كروبهم، بل يكفي أن يكون سخيّ القلب، يحسّ بحاجة إخوانه ومعاناتهم.

لأجل هذا ينبغي أن نتنبّه لأنفسنا ونحذر نزغات الشّيطان الذي يعدنا الفقر ويأمرنا بالفحشاء، ونطهّر أنفسنا من الأنانية وحبّ الذّات.. إنّ من التعاسة والخسارة أن يقضي العبد عمرا طويلا في هذه الدنيا، مشغولا بهمّ نفسه وهمّ أبنائه، لا يتجاوز همّه جدران بيته. لا تحدّثه نفسه ولا يجول في خاطره أن يقدّم شيئا للدّار الباقية.. يكنز ويدّخر، ويردّ أصحاب الحاجات ويغلق دونهم بابه ويمنع عنهم عونه. حاله كحال من وصفه النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- بأنّ مال ورثته أحبّ إليه من ماله، فعند البخاري عن ابن مسعود –رضـي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “أيّكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله؟” قالوا: يا رسول الله، ما منّا أحد إلا ماله أحبّ إليه، قال: “فإنّ مالَه ما قَدم، ومالَ وارثه ما أخَّر”، أي أنّ المال الحقيقيّ للعبد هو المال الذي قدّمه لآخرته، ومال ورثته هو المال الذي يتركه خلفه.

مقالات ذات صلة