العالم
المستشارة بالسفارة التونسية لدى الجزائر مريم العجيمي لـ"الشروق":

إرادة من أعلى هرم السلطة نحو شراكة استراتيجية شاملة

عبد السلام سكية
  • 1723
  • 0
ح.م
المستشارة بالسفارة التونسية لدى الجزائر مريم العجيمي

تشهد العلاقات الجزائرية-التونسية حركية متواصلة تعكس متانة الروابط التاريخية والأخوية بين البلدين، مدعومة بإرادة سياسية مشتركة لتعزيز التعاون في مختلف المجالات، لاسيما في الثقافة والتعليم العالي والبحث العلمي والتبادل الطلابي.
وفي هذا الحوار، تتحدث المستشارة بالسفارة التونسية لدى الجزائر، مريم العجيمي، عن مخرجات الدورة الأولى للجنة المتابعة الجزائرية-التونسية، وآفاق التعاون الثقافي والجامعي، ودور الدبلوماسية الثقافية في ترسيخ التقارب بين الشعبين، إضافة إلى أبرز المشاريع التي تعمل عليها المستشارة الثقافية.

احتضنت الجزائر مؤخرًا أشغال الدورة الجديدة للجنة المتابعة الجزائرية-التونسية، تزامنًا مع زيارة وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج إلى الجزائر. كيف تقيمون مخرجات هذه الدورة، وما الذي تحمله من آفاق جديدة لتعزيز التعاون في مجالات الثقافة والتعليم العالي والبحث العلمي وتبادل الطلبة بين البلدين؟
لجنة المتابعة هي آلية تمّ إحداثها لمتابعة تنفيذ وتفعيل نتائج وتوصيات اللجنة المشتركة الكبرى، والإعداد للاستحقاقات القادمة. وتم الاتفاق على عقدها بصفة دورية لتكون إطارًا مؤسسيًا لتعزيز العلاقات الثنائية، من التعاون القطاعي إلى الشراكة الشاملة، كما أكد وزيرا خارجية البلدين.
وقد تم، بمناسبة الدورة الأولى المنعقدة بالجزائر يومي 7 و8 جويلية الجاري، تقييم ما تم إنجازه منذ انعقاد الدورة الثالثة والعشرين للجنة المشتركة المنعقدة بتونس في ديسمبر الماضي، ووضع خارطة طريق لعقد بقية اللجان القطاعية وبرامج التعاون المتفق عليها.
وبالنسبة للتعليم العالي، ثمّن الجانبان ما تم الاتفاق عليه في اللجنة القطاعية الأخيرة، التي تم خلالها الاتفاق على تبادل عدد من المقاعد الدراسية من الجانبين، لاسيما في الاختصاصات ذات الاهتمام المشترك، مثل المناخ والطاقة والتكنولوجيا، مع التأكيد على أهمية مواصلة التعاون بين الجامعات في المناطق الحدودية، أو ما يعرف بـ«5+5»، التي التأمت نسختها الأخيرة بإشراف وزيري التعليم العالي في ديسمبر الماضي بولاية سوق أهراس.
وفيما يتعلق بقطاع الثقافة، فإن التعاون يشهد تطورًا مضطردًا، خاصة عقب الزيارة الأخيرة للسيدة وزيرة الشؤون الثقافية في أفريل الماضي، التي تم خلالها الاتفاق على تكوين أوركسترا نسائية مشتركة، وتعزيز التعاون في مجال الإقامات السينمائية، ودعم الإنتاج السينمائي المشترك. كما ستكون الجزائر ضيف شرف معرض تونس الدولي للكتاب السنة المقبلة.

تشكل العلاقات الجزائرية-التونسية نموذجًا للتعاون المغاربي. كيف تقيمون اليوم مستوى الشراكة في مجالي الثقافة والتعليم العالي؟ وما أبرز النتائج التي تحققت بفضل هذا التعاون؟
فعلًا، العلاقات التونسية-الجزائرية هي علاقات نموذجية، ليس فقط في المنطقة المغاربية، بل أيضًا نموذج للتعاون والشراكة بين بلدين متجاورين يشتركان في التاريخ والثقافة، وكذلك في التحديات التي تفرضها التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وهي علاقات ترعاها إرادة سياسية من أعلى هرم السلطة في البلدين، سيادة الرئيس قيس سعيّد وفخامة الرئيس عبد المجيد تبون، والطريق معبّدة بفضل هذه الإرادة لمزيد الارتقاء بها بما يخدم مصلحة البلدين والشعبين الشقيقين.
ومن بين المشاريع الرائدة، مشروع تنمية المناطق الحدودية، وهو مشروع نموذجي ستعمل الجهات المختصة في كلا البلدين على تفعيله، لما له من أهمية في النهوض بمختلف القطاعات في المناطق المعنية على طول الشريط الحدودي، خاصة في قطاعي الثقافة والتعليم العالي.

المستشارة الثقافية لا تقتصر مهامها على الجانب الثقافي فقط، بل تتولى أيضًا متابعة شؤون الطلبة. كيف تصفون واقع الطلبة التونسيين في الجزائر، وما أبرز الانشغالات التي تحرصون على معالجتها؟ وكيف تقيّمون، في المقابل، حضور الطلبة الجزائريين في الجامعات التونسية؟
هناك عدد لا بأس به من الطلبة الجزائريين في تونس، يفوق 300 طالب، كما يوجد عدد من الطلبة التونسيين في الجامعات الجزائرية، وهو عدد في تزايد، ونأمل في مزيد دفع هذا التبادل خلال السنوات القادمة.
وحاليًا، يشمل تبادل المقاعد الدراسية فقط طلبة الدراسات العليا، أي الماستر والدكتوراه. وتم، في شهر جوان الماضي، بمناسبة اجتماع اللجنة الفنية المشتركة الخاصة بالحركية والتبادل الطلابي، الاتفاق على تبادل عدد من المقاعد البيداغوجية.
كما توجد اتفاقيات شراكة وتوأمة بين عدد من المؤسسات الجامعية، خاصة في إطار ما يعرف بـ«5+5» الذي يجمع الجامعات الحدودية، ويتيح للطلبة في هذه الجامعات الاستفادة من الإشراف المزدوج على أطروحات الدكتوراه (Cotutelle).
أما بالنسبة للشهادات، فهناك اعتراف متبادل، لكن توجد بعض العراقيل الإجرائية أو الإدارية التي نعمل على تجاوزها في القريب العاجل، بإذن الله.

في ظل التحولات الإقليمية والدولية، ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الدبلوماسية الثقافية والجامعية في ترسيخ العلاقات الجزائرية-التونسية، وتعزيز التقارب بين الشعبين، خاصة لدى فئة الشباب؟
نحن في تونس نؤمن بالدبلوماسية الثقافية، باعتبارها رافدًا مهمًا في سياستنا الخارجية، ودورها في تعزيز التقارب بين الدول والشعوب. والآن، في ظل ما يشهده العالم من تحولات، أعتقد أننا مدعوون، أكثر من أي وقت مضى، إلى إيلاء الدبلوماسية الثقافية المكانة التي تستحقها. فهي وسيلة مهمة من وسائل القوة الناعمة، من شأنها بناء جسور الثقة بين الأمم.
وهذا عندما نتحدث عن الدول البعيدة والمختلفة ثقافيًا. وهنا أستذكر قول كونفوشيوس: “إذا لم يقتنع سكان البلاد البعيدة بسلطة الأمير، فليعمل على ازدهار الثقافة لإقناعهم”، في إشارة إلى قوة الثقافة ودورها في العلاقات الدولية.
فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بشعبين يجمعهما الكثير من الروافد الثقافية والروابط الاجتماعية العميقة؟ وفي ظل الإرادة السياسية لقيادتي البلدين، يصبح للدبلوماسية الثقافية، في رأيي، دور أهم وأعمق، يتمثل خاصة في تعميق التكامل والاندماج، وتوحيد المواقف، والوقاية من الاستلاب. ولِمَ لا التفكير في مشاريع ثقافية وأقطاب جامعية مشتركة تعود بالنفع على الشعبين، وتستقطب الطلبة من دول أخرى، خاصة دول القارة الإفريقية.

ما أبرز المشاريع والبرامج التي تعمل عليها المستشارة الثقافية خلال المرحلة المقبلة، وما الذي تتطلعون إلى تحقيقه على المدى القريب؟
قامت البعثة مؤخرًا بتنظيم “أيام الثقافة والسياحة التونسية بالجزائر”، وكانت محطة متجددة للفنانين من البلدين للالتقاء، وتبادل الآراء، والتفكير في مشاريع ثقافية مشتركة.
ونحن الآن بصدد متابعة مخرجات هذه التظاهرة، خاصة من خلال ربط الصلة بين الفنانين والفاعلين في القطاع الثقافي من البلدين، لتعزيز التعاون، خاصة في مجالات الموسيقى والسينما والمسرح.
كما تعمل السفارة، بالتنسيق مع وزارتي الثقافة في البلدين، على تعزيز التبادل الثقافي من خلال تكثيف المشاركات التونسية في الفعاليات الثقافية المقامة بالجزائر، وتعزيز مشاركة الفنانين الجزائريين في التظاهرات الثقافية والمهرجانات في تونس.
وأبشّر الجمهور التونسي بأن هذه الصائفة ستشهد مشاركات متعددة ومتنوعة في مختلف المهرجانات الصيفية التونسية.

ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الطلبة والباحثين والمثقفين في الجزائر وتونس؟ وكيف تتصورون مستقبل التعاون بين البلدين في ظل الإرادة السياسية المشتركة لتعزيز التكامل؟
نحن نعيش اليوم، بفضل الإرادة السياسية لقائدي البلدين، زخمًا كبيرًا في العلاقات الثنائية على جميع المستويات، ومن واجبنا، كلٌّ من موقعه، العمل على الارتقاء بهذه العلاقات إلى شراكة استراتيجية شاملة، بما يعود بالنفع على البلدين والشعبين.
ومسؤولية الطلبة والمثقفين والباحثين في مزيد دعم هذه العلاقات أساسية، فدورهم مهم في تشكيل وعي المجتمعات، ومحاربة الأفكار الهدامة، ومقاومة الاستلاب الفكري.
والأكيد أن توحيد الجهود، ووضع رؤى واستراتيجيات مشتركة، من شأنه تعزيز القدرة على رفع التحديات ومجابهتها، وتهيئة مستقبل نتمنى أن يكون مشرقا لبلدينا.

مقالات ذات صلة