الجزائر
يجب تسديدُها قبل تقسيم التركة

“إرث” ديون الآباء يرهق كاهل الأبناء

الشروق أونلاين
  • 6216
  • 2
ح.م
زهيرة مجراب

يصدم المرء دوما بعد فقدانه لأغلى الناس عنده ألا وهما الوالدان، فيلزمه فترة طويلة من الزمن كي يتمكن من تجاوز الصدمة والتعوُّد على العيش بدونهما، وتزداد الأمور تعقيدا إذا كان المتوفي هو الأب والذي يعد ركيزة البيت وصمام الأمان. غير أن بعض الأبناء تتضاعف صدمتهم بموت والدهم وقدوم زائر لا يخطر على البال أشد شراسة وفتكا من الموت، إنهم أصحاب “الدين” أو “الدائنون” فبمجرد أن يطرق سمعَهم خبرُ وفاة فلان حتى يسارعوا في كل الاتجاهات بغية استرجاع أموالهم كي لا تذهب أدراج الرياح. قصصٌ كثيرة عن شباب صدمتهم كثرة الديون وكادت تلحقهم بوليّهم المتوفي.

عندما يتوفى الوالد يسارع الأبناء والأقارب دوما لإحصاء التركة بغية اقتسامها، خاصة إذا ما خلف أموالا طائلة وعقارات، إلا أن بعض الأبناء ممن يعانون من سوء الحظ والطالع يكتشفون بعد الساعات الأولى من وفاة والدهم وقبل دفنه وجود أشخاص غرباء يطالبونهم بتسديد دين والدهم كي ينتقل إلى بارئه مطمئنا خاليا من الذنوب والحسابات الدنيوية وهي الصعقة التي تنسيهم هول الوفاة.  

وفي هذا الصدد يذكر عبد الرحمان، 29 سنة، عون أمن ووقاية في مؤسسة خاصة، أن والده توفي قبل 3 سنوات وتركه غارقا في ديون ليس مسؤولا عليها، يقول عبد الرحمان: “عندما توفي والدي سألنا أقاربنا والأصدقاء ممن شهدوا الجنازة إذا ما كان أحدهم يدين له بمبلغ من المال فليتقدم لأخذه أو يسامحه بينه وبين نفسه، فلم ينبس أحدٌ من الحضور ببنت شفة بل عمَّ الصمت فحمدت الله أن والدي لم يترك  لنا عبء دين أقضيه، حتى أنه لم يخلِّف تركة أو مالاً. وبعد مرور أشهر عن وفاته جاءني أحد أبناء صديقه من ولاية بجاية يعزيني ويطالبني بمبلغ 27 مليون سنتيم كان قد استدانها والدي منه لشراء سيارة، حقيقة صدمني المبلغ فأنا عامل بسيط بالكاد أغطي مصاريف والدتي وشقيقاتي ثم إن والدي لم يشترِ السيارة المزعومة ولا أعرف فيما أنفق المبلغ، كما أن الدائن يملك أدلة وشهوداً. وفي لحظة عزمت على عدم تسديد المبلغ المطلوب ثم تراجعت بعد أن سألت إمام مسجد حيّنا، فشدّد على ضرورة قضائه فاستلفت المبلغ وقضيته به وأنا لا أزال أسدد دين والدي إلى يومنا هذا”. 

 

مطالبته بتسديد قرض والده تدخله الاستعجالات

وإن كان محدثنا السابق قد وجد في سداد الدين بدين حلا لأزمته، فإن محمد، 37 سنة، عامل حرّ غرق في دوامة من الديون والمشاكل الصحية ولم يجد مخرجا منها، يقول: “توفي والدي قبل سنتين ونصف سنة فحزن كل أفراد العائلة، ولأننا من عائلة متدينة سألنا أقاربنا وأصدقاءه ومعارفه فوجدنا بعض الديون البسيطة وقضيناها له قبل دفنه، وبعد حوالي سنة تلقينا طلبا من البنك بتسديد دفعات من قرض استفاد منه والدي في حدود 100 مليون سنتيم، هالني الموقف فاقتربت من البنك في اليوم نفسه لأستفسر لعل هناك خطأ ما، ولكن لم يكن هناك أي خطأ فوالدي بالفعل أخذ المبلغ بحجة أنه سينجز مشروعا تجاريا ولم يُعِده، والقرض بفوائد وأنا ملتزم وأرفض تسديد القروض الربوية من مالي. بعد عودتي إلى البيت ارتفع ضغط دمي وأصبت بنوبة سكَّري ودخلت مصلحة الاستعجالات، وبعد أن غادرت أعلمني أحد أصدقاء والدي أنه صرف المال على فتاة كان يرغب في الزواج منها وما عليّ الآن سوى تسديد المبلغ بصمت ودون أن أطلع والدتي كي لا تتدهور حالتها الصحية.

 

شاب يقضي شهرا  في الركض لتسديد ديون والده

أما حكاية سمير، 27 سنة، ابن حسين داي، فتختلف عن الحكايات السابقة وإن تشابهت معها في الدين إلا أن طرافتها تكمن في الفترة التي قضاها لتحصيل دين والده والتي تجاوزت الشهر، يحكي سمير: توفي والدي قبل 3 سنوات بعد إصابته بمرض عضال، وهو على فراش الموت كان يطلب رؤيتي باستمرار وقتها كنت طالبا جامعيا فقدمت إليه للمستشفى، وهناك أعلمني أن هناك بقالا في الحي يدين له بمبلغ من المال فذهبت وسددت المبلغ، بعدها أخبرني أن هناك صاحب مقهى في المدنية يدين له وفي اليوم الموالي قضيته له، وبعدها جزار وفي كل يوم كان يتذكر شخصا يدين له بالمال وكنت أستلف من أصدقائي لأنني أكبر إخوتي لأسدد الدين.. تصوروا: البقال، الخباز، الإسكافي… الجميع يدينون له وفي أحياء مختلفة، قضيت شهرا كاملا في تسديدها. وأثناء وفاته شاهدتْه والدتي يختنق فعلمنا أن هناك ديوناً أخرى تطارده ولكن ليس بإمكاننا فعل شيء، لا أستطيع أن أسأل كل أصحاب محلات العاصمة إن كانوا يدينون له بشيء.

 

غياب القضاء الشرعي في الجزائر سمح بالاحتيال على الموتى

وحول الموضوع، أوضح الشيخ عبد الفتاح حمداش، أن الدين أمانة بالنسبة للإنسان يسأل عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين”، فالدين يسأل عنه يوم القيامة مهما كانت مرتبته، وفي حديث للرسول صلى الله عليه وسلم: “ومن ترك ديننا فإليّ أو عليّ” فإن كان للميت عذرٌ شرعي كالفقر ولم يستطع أولياؤه سداده، فسيتدخل النبي “ص” للشفاعة فيه.

ويضيف الشيخ حمداش قائلا: الإنسان إذا ما مات فأول ما يُنظر فيه الوصية والدين، فإذا كانت الوصية غير مخالفة للشرع تُنفذ وإن كانت العكس فلا تنفذ، وتقتضي السنة الشريفة أن يُنظر في الدين ويُسدد قبل اقتسام التركة؛ فالأبناء مطالبون بذلك امتثالاً لأوامر الله عز وجل وعليهم قضاء دين والدهم فإن رفضوا فالله وليّ الذين آمنوا.

وأعاب الشيخ حمداش غياب القضاء الشرعي في الجزائر، والذي يُلزم الأبناء بقضاء الدين قبل اقتسام التركة ويمنح الدائنين الحق في رفع دعاوى قضائية للمطالبة باستعادة أموالهم ويتم الفصل فيها قبل قضية التركة. وعن تسديد الديون التي تحتوي على  فوائد أوضح الشيخ عبد الفتاح أن هذه الفوائد مهالك وهي مسمى جديد يُطلق على الربا، ولا يجوز للمسلم أن يساهم فيها لأنه ورد 37 حديثاً عن النبي “ص” يدل على تحريمها فما بُني على فاسد فهو فاسد، داعيا السلطات المعنية إلى إلغاء هذه الفوائد والالتزام بما يتماشى مع الشريعة السمحاء.

 

مقالات ذات صلة