إرهاب المفاهيم
عندما يتحدث “مساهل” بسهولة عن دعم الأسد ضد الإرهاب، فنحن في الواقع حيارى من كلمة إرهاب هذه التي صارت كالعلكة الأمريكية تلهو بها الأفواه والشداق بكل أريحية، لأن المشبه به هو “مسلم”!
فلقد صرنا هذه السنوات الأخيرة، نعيش على وقع “تفجيرات انتحارية” مفاهيمية! مفاهيم قاتلة متفجرة، لا يتحكم فيها أحد، مع ذلك يريدون أن يركبوها على واحد فقط عنوانه الإلكتروني “إسلام ـ كم”!. يأتي هذا التصنيف حتى من داخل الجلد المسمى “محمدي” أشخاص يسمونهم “محمد” وهم ألدّ الأعداء لمحمد ولِدين محمد.
نظمنا ملتقياتٍ وطنية ودولية وحضرتُ كثيرا منها، كان عنوانها وموضوعها حول الارهاب، ومنها ملتقى دولي رسمي حضرته قبل سنوات وحضره الرئيس بوتفليقة الذي كان يحضّر للعهدة الثانية وخطب فيه وكان شعار الملتقى”السابقة الجزائرية”، والذي مفاده أننا كنا “نحن السابقين وأنتم إن شاء الله اللاحقون”.. وقد لحق بنا بطبيعة الحال الكثير ممن كانوا في مأمن ومكمن.. حتى أمريكا المتهمة أصلا بالإرهاب.. وكأن المثل القائل: كما تدين تدان، صار “قاعدة”، وبن لادن وداعش هو دينها وديدانها.
الإرهاب.. دعوني أنا الذي لا أكتب إلا نائماً، أكتب وأصيح لأول مرة وأنا صاح.. يا صاح: ما معنى الإرهاب؟ ومن هو الإرهابي؟..
أول تعريف قديم (عندنا على الأقل في الجزائر)، هو ذلك التعريف الذي قدّمته المحكمة العسكرية التي حاكمت العربي بن مهيدي، وصحافيوها الذين كانوا يعزفون على نفس الوتر والذي جاء في شكل سؤال ردا على سؤال: أنت إرهابي!
بن مهيدي:.. أنا بدوري أسألكم: ما معنى كلمة “إرهابي”؟
المحقق (الأعور): إني أراك تستهزئ بنا قليلا!
بن مهيدي:.. أنت لا ترى شيئا.. ثم أني لا أستهزئ قليلا.. بل كثيرا..!
المحقق: أجب عن السؤال.
بن مهيدي:.. بل أنتم الذين عليكم أن تجيبوا على سؤالي: ما معنى “تيرو”؟.. “إرهابي”؟
المحقق (الأصمّ): هو كل شخص يحمل خنجرا أو مسدسا، يخفيهما في قفة ليقتل به الأبرياء!
بن مهيدي:.. إذن.. أعطونا دبَّاباتكم وطائراتكم.. وسنتوقف ساعتها عن استعمال الخناجر والمسدّسات!
(هذا التعريف، بالمناسبة، قال لي عنه المجاهد “ياسف سعيد” في باريس، أنه هو من لقن هذا التعريف لبن مهيدي!).
هذا سيناريو.. قديم.. قدم تعريفين مختلفين لكلمة “الإرهاب”، وأعتقد أن نفس الميزان لا يزال صالحا ومعمولا به في تعريف الإرهاب.. (واسألوا “النتن ياهو” وسلفه شارون.. وبوش من جهة.. واسألوا كل فلسطيني ومسلم وعربي.. وإنسان إنساني يختزن في قلبه لحمة).
بالمقابل، هناك تعاريف أخرى: مجموعة الاستئصال الديني واللغوي والثقافي والحضاري، يعرّفون الإرهاب على أنه: كل لحية طالت.. وكل بسملة قامت.. وكل حمدلة حامت.. وكل حركة لسان عربي لامت..! فيما يرى نتن ياهو وبوش والسيسي، وجنودهم أن الإرهابي كل من أبى وعصى.. وتمرّد وخرج عن الطاعة وكفى!
أمام هذا القاموس الذي لا يقف على قرار.. وهذه “التخاريف” التي لا تقوم على جوار.. كيف نعرف الإرهاب في مطلقه؟
أعتقد واثقاً أنه لا يوجد تعريفٌ موحّد لهذا النعت.. تماماً كما لا يوجد تعريفٌ موحّد لمعايير أساسها الاختلاف والتمايز في المواقف والمصالح والانتماء.. وعليه أعرِّف الإرهاب بما يحلو لي وليذهب من قال غير ذلك إلى الجحيم (إن وَجد مكانا فارغا): الإرهابي هو من لا رحمة في قلبه.. ولا خوف من ربِّه.. سواء كان في السلطة.. أو في الكازما أو في بيت أمه!
واتركوني أنام!