إسبانيا تلعب وتفوز وتُبدع، والإيرلنديون يرقصون ويغنون؟
لا يمكن للجمهور الكروي في كامل المعمورة أن ينسى نهاية مقابلة إسبانيا أمام إيرلندا التي جرت في الدور الأول لكأس أوربا الحالية، حينما كان الإسبان تحت زخات المطر متفوقين برباعية نظيفة ومستعمرين منطقة الإيرلنديين بالأداء والفنيات الراقية تحت أهازبج مدوية ليس من الجمهور الاسباني وإنما الجمهور الإيرلندي السعيد جدا حتى أوحي لكل متفرج أن الفائز والمسيطر على المباراة هم الإيرلنديون وليس الإسبان.
كانت لوحة نادرة لجمهور كروي ذواق مع منتخب بلاده فائزا أو خاسرا مؤمنا بأن في كل مباراة فائز واحد رغم أن هذه الحادثة لم تكن قاعدة وإنما استثناء تمنى كل من شاهدها أن تكون مثلا لدول مازالت المباريات فيها مخاطر وممنوعة على الأطفال والعائلات، وصغر القارة الأوروبية يجعل من الحضور الجماهيري في كأس أمم أوربا يحطم كل الأرقام القياسية وأحيانا يتفوق على الحضور الجماهيري في كأس العالم رغم أن عدد المنتخبات المشاركة في المونديال ضعف المنتخبات المشاركة في كأس أوربا، ورغم أن اللاعبين المشاركين حاليا كلهم يلعبون في البطولات الأوروبية باستثناء اللاعب روبي كين الايرلندي الذي يلعب في البطولة الأمريكية واللاعب السويدي هيمسن الذي يلعب مع الهلال السعودي، واعتماد بلدان بعيدة عن قلب العالم مثل جنوب إفريقيا وكوريا واليابان والولايات المتحدة ومستقبلا البرازيل وروسيا وقطر زاد من صعوبة تحقيق حضور جماهيري قياسي في مباريات كأس العالم، بينما صارت مباريات كأس أمم أوربا لا تلقى غزوا للمدرجات من طرف المنتخبات المتأهلة بل تعدى ذلك إلى دول غير معنية بالمنافسة كما هو حاصل حاليا حيث يتواجد أنصار من بلجيكا ومن النمسا ومن النرويج وتركيا وحتى من خارج القارة العجوز، حيث سافر جزائريون ومغاربة وخليجيون وحتى من أمريكا واليابان، وبينما تقدم شاشات التلفزيون صورا جميلة من المدرجات الأوكرانية والبولونية حيث يتواجد الأطفال مع أوليائهم والنساء مع أزواجهم فاجأ الروس العالم وكانوا عكس ما عُرف عنهم في الزمن السوفياتي عنيفين حتى ضد البولونيين في عقر دارهم، وانقلبت المعادلة رأسا على عقب فبعد أن كان الهولنديون وخاصة الإنجليز هم الهوليغانز الذين يُرعبون البلدان المستضيفة للمنافسات الدولية صارت دول شرق أوربا هي التي تصنع العنف، وكان مجرد الشتم جريمة بالنسبة لأنظمتها في عهد الاشتراكية والشيوعية، ففي لقاء كرواتيا التي كانت تابعة ليوغوسلافيا ضد إيطاليا أبان الجمهور الكرواتي عنصرية ضد اللاعب الزنجي باروتيلي الذي خرج تحت عاصفة من التصفير وهو ما أغضب الإيطاليين الذين يلعبون لأول مرة في تاريخهم بلاعب إفريقي الأصل، وفي الذاكرة عنصرية هولندية بلغت درجة رفض اللاعبين السُمر القادمين من سيرينام رغم أنهم هم الذين ساعدوا هولندا في الحصول على اللقب الوحيد في تاريخهم عام 1988 تحت قيادة السُمر غيليت وريكارد وراي زيغار ومن بعدهم كلايفرت وسيدورف ولحسن الحظ كانت هذه المظاهر نادرة حيث تجول المتفرج بناظره في تُحف راقية لمناصرين كانوا فعلا في نزهة، فشجعوا منتخبات بلادهم وتمنوا فوزها وخرجوا برغم الخسارة سعداء، وواضح أن حادثة هايسل التي أودت بحياة العشرات في لقاء ليفربول بجوفنتوس لن تتكرر، حيث أصبحت درسا أعطى نتائجه كما أعطت مباراة تعود لعام 1969 بين الهوندرواس والسالفادور تحولت فيما بعد إلى حرب ضروس دروسا لمنتخبات أمريكا الوسطى، على أمل أن لا تتكرر أحداث مباراة مصر الجزائر في أم درمان والتي كانت حربا باردة بين البلدين، والدرس الأوروبي الحالي في منتهى البلاغة.