العالم
الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة لـ"الشروق":

“إسرائيل تريد هدنة بلا قيود على الاغتيالات والقصف والتوغل”

عبد السلام سكية
  • 136
  • 0

يواصل الاحتلال الإسرائيلي خرق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر الغارات والاغتيالات والعمليات العسكرية، في وقت لا تزال فيه ملفات الانسحاب وإعادة الإعمار والتسوية الدائمة تراوح مكانها، ما يضع الاتفاق أمام اختبار متزايد لمدى قدرته على وقف الحرب فعليًا. وبينما يركز الوسطاء على منع عودة التصعيد الواسع، يرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني وسام عفيفة أن المشهد يتجه نحو إعادة تعريف الهدنة، بحيث تتحول من اتفاق لإنهاء الحرب إلى إطار لإدارة الصراع بوتيرة منخفضة، مع احتفاظ الاحتلال بما يعتبره “حرية عمل عسكري” داخل القطاع.

ويحذر عفيفة، في حوار مع “الشروق”، من أن استمرار الخروقات دون آليات ردع واضحة يضعف معنى وقف إطلاق النار تدريجيًا، ويجعل كل جريمة جديدة أكثر قابلية لأن تتحول إلى أمر واقع، منتقدًا محدودية أدوات الوسطاء والإدارة الأمريكية في إلزام الاحتلال بتنفيذ الاتفاق. كما يربط جانبًا من التصعيد بالحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات، دون اختزال العمليات العسكرية في العامل الانتخابي وحده، ويتناول احتمالات تكرار نموذج الهدنة في لبنان داخل غزة، والضمانات الدولية، ومستقبل الاتفاق في ظل استمرار العمليات العسكرية.

هل تملصت إسرائيل عمليًا من التزامات وقف إطلاق النار؟

المشكلة لم تعد في خرق منفرد يمكن احتواؤه، بل في تكرار واتساع العمليات العسكرية حتى بات وقف إطلاق النار لا يعني وقفًا فعليًا للنار. فبعد نحو عام على الاتفاق ما زالت الغارات والاغتيالات مستمرة، بينما بقيت ملفات الانسحاب وإعادة الإعمار والتسوية الدائمة عالقة. والتقديرات تشير إلى استشهاد أكثر من 1300 فلسطيني في غزة منذ بدء الهدنة، بينما يقترب عدد الشهداء منذ بداية الحرب إلى 74000 شهيد.

هل تقود هذه الخروقات إلى انهيار الهدنة؟

حتى الآن نحن أمام منطقة رمادية: الاتفاق لم ينهر، لكنه غير قائم عمليًا، بل يتآكل من الداخل. استمرار الاغتيالات وجرائم الحرب يرفع احتمال ردود ميدانية تعيد التصعيد، وبالتالي، فإن الخطر الحقيقي ليس قرارًا معلنًا بإلغاء الهدنة، وإنما انهيارها تدريجيًا تحت ثقل الخروقات المتراكمة، أو استمرار القتل تحت عنوان التهدئة، وهو وضع خطير.

لماذا يبدو تحرك الدول الراعية محدودًا؟ وما أدواتها؟

للأسف، لأن الأولوية لدى الوسطاء تحولت إلى منع العودة إلى حرب واسعة، وليس الدخول في مواجهة سياسية مع دولة الاحتلال لوقف الانتهاكات والخروقات. ويظهرون اليوم عاجزين ولا يملكون أدوات فعلية حتى بالحد الأدنى مثل: الضغط السياسي والدبلوماسي، ربط التعاون والمساعدات بتنفيذ الاتفاق، ممارسة ضغط أميركي مباشر على الاحتلال، وتفعيل آليات رقابة واضحة على الانتهاكات. المشكلة ليست في غياب الأدوات بقدر ما هي في حدود الإرادة لاستخدامها، وأخذ قرار حاسم لمنع استمرار الجرائم بغزة.

هل تحول الوسطاء من ضمان الاتفاق إلى مجرد احتواء أزماته؟

صحيح… هذا ما يظهر عمليًا. يتحرك الوسطاء غالبًا على قاعدة احتواء التصعيد الواسع، وتجاوز انفجار المشهد كله، ومع الوقت يصبح معيار النجاح هو منع انهيار الهدنة، حتى بشكلها الصوري، دون ضمان تنفيذها على أرض الواقع، وهذه معادلة خطيرة يفرضها الاحتلال، وتتحول إلى أمر واقع، يقبل فيها من توسطوا ورعوا الاتفاق. بينما مارسوا ضغوطًا متراكمة على المقاومة والفصائل.

أين مجلس السلام والجهات الدولية؟

العنوان الرئيس هو الفشل والإخفاق للإدارة الأمريكية في تنفيذ خطة ترامب وخارطة ميلادنوف، رغم أنها تخضع في مجملها لشروط الاحتلال. المعضلة أن المؤسسات والوسطاء يستطيعون إصدار التحذيرات ووضع الخطط، لكنهم لا يملكون تلقائيًا قوة تنفيذية على الأرض. إعادة إعمار غزة نفسها ما زالت بعيدة، فيما تشترط دولة الاحتلال التقدم فيها بملفات نزع سلاح حماس، رغم موافقة الأخيرة على جمع وتحييد السلاح الثقيل، أي إن المسار السياسي والاتفاق الذي روج له الرئيس الأمريكي بأنه إنجاز له، لم يتحول حتى الآن إلى آلية إلزام واضحة للاحتلال، الذي يرفض، ويعطل، ويفرض واقعًا جديدًا.

ما أثر الحسابات السياسية الإسرائيلية الداخلية؟

طبعًا لا يمكن فصل المشهد عن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026 وعن المنافسة الحادة داخل الحلبة السياسية في الكيان. في مثل هذه البيئة تصبح ملفات غزة والأمن جزءًا من الخطاب الانتخابي، والمزايدات السياسية، لكن من الصعب اختزال العمليات العسكرية كلها في العامل الانتخابي وحده؛ هناك أيضًا اعتبارات عسكرية وأمنية معلنة لدى الحكومة والجيش، بالإضافة إلى العوامل الخارجية والإقليمية والصراع في الساحات الأخرى في المنطقة، لأن قيادة حكومة الاحتلال ترى في غزة الساحة الأسهل لتقديم إنجازات مقارنة بإخفاقات أو مخاطر تواجه الكيان في ساحات أخرى.

هل تريد إسرائيل فرض معادلة: وقف إطلاق نار مع حرية العمل العسكري؟

لا شك في أن هذا هدف مركزي في هذه المرحلة، وهو شرط أكدت عليه للإدارة الأمريكية. وعليه، يصبح وقف العمليات الواسعة مقابل احتفاظ جيش الاحتلال بحق الاغتيال والقصف والتوغل تحت ذريعة أن هناك تهديدًا أمنيًا، وبناءً على هذه المعادلة أصبحنا اليوم أمام إعادة تعريف للاتفاق: ليس نهاية للحرب، بل إدارة منخفضة الوتيرة لها.

هل يمكن تكرار نموذج لبنان في غزة؟

هناك تشابه نسبي وهذا السيناريو وارد من حيث الهدف… وقف واسع للقتال لا يمنع ضربات متقطعة تُبرر أمنيًا.

لكن غزة أكثر هشاشة وتعقيدًا؛ الكثافة السكانية، حجم الدمار، وجود قوات الاحتلال على مساحة 65%، ومسائل الانسحاب والسلاح والإعمار تجعل أي خرق فيها أكثر قابلية للتحول سريعًا إلى مواجهة أوسع، خصوصًا في ظل استسهال الاحتلال اختراق القواعد في غزة.

ماذا يبقى من الضمانات الدولية إذا ترسخت هذه المعادلة؟

للأسف، هذا سقوط وفشل للمجتمع الدولي، فالضمانة التي لا تقترن بثمن سياسي واضح للخروج عليها تفقد قيمتها تدريجيًا.

عندها يتحول الاتفاق من إطار لإنهاء الحرب إلى مظلة لإدارة الصراع وإعادة ترتيب الميدان، بينما يبقى السكان تحت خطر الضربات وتبقى إعادة الإعمار معلقة، والاحتلال طليق اليدين. ويتحدى العالم.

هل نحن أمام اختبار للاتفاق أم بداية انهياره؟

أخيرًا… نحن أمام اختبار جدي لقدرة الاتفاق والوسطاء والإدارة الأمريكية على وضع حدود لجرائم الحرب. لا توجد حتى الآن معطيات ترجح أن العودة إلى الحرب الشاملة أصبحت حتمية، لكن المؤشر الأخطر هو اعتياد الانتهاكات والخروقات، باعتبارها أمرًا واقعًا. وكل جريمة يرتكبها الاحتلال تمر بلا آلية رد واضحة تجعل العملية التالية أسهل، وتُضعف تدريجيًا معنى وقف إطلاق النار، الذي تحول إلى استنزاف من طرف واحد. الاحتلال ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.

مقالات ذات صلة