إسماعيل خباطو: 92 عاما بطولات ومعارك !
الحديث مع العمّ إسماعيل خباطو الأب الروحي لكرة القدم الجزائرية حديث ذو شجون، فالأمر عظيم ويتعلق بالتفتيش في دفاتر ما يزيد عن ستة عقود في عالم المستديرة، فالعم إسماعيل بسنواته الــ92 هو بامتياز مكتشف أفضل الأسماء، وأول مدرب للمحاربين في جزائر ما بعد الاستقلال، وهو أيضا ذاك المغامر الجريئ والمكتشف للمواهب والمتوّج بعديد الألقاب.
كنت أول من زاوج بين اللعب والتدريب بالجزائر

نزل مندوب الشروق الرياضي ضيفا على عميد المدربين الجزائريين ذات جمعة حارة، وحرص العم إسماعيل وأحفاده على كرم الضيافة بأدب جمّ وتواضع كبير، ورحنا نستحضر مختلف أشواط مسيرته الرياضية منذ مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وما انتاب إشرافه على مولودية الجزائر والمنتخب الوطني وحكاياته الكثيرة مع الرئيس الراحل أحمد بن بلة وصراعه التاريخي مع الفرنسيين.
بدأت مداعبة المستديرة في سن الرابعة عشر، كيف قبل مسيرو فريقك الأول شباب بلوزداد (بلكور آنذاك) انضمام طفل حديث السن إلى فئة الأكابر؟
(يتنهّد) حملت ألوان النادي الأحمر والأبيض لموسمين اعتبارا من موسم 1933 – 1934، كنت أبلغ حينها 14 سنة، لكني كنت أتمتع ببنية مورفولوجية هائلة أقنعت إدارة شباب بلوزداد (بلكور آنذاك) بانتدابي، وبالفعل لم أخيّب الظن وأحرزت نتائج طيبة مع شباب بلوزداد، والحقيقة أنّ النادي الأحمر والأبيض فتح أمامي باب الشهرة وصنع لي اسما بين كبار الكرة ببلادنا، ومع أبناء لعقيبة تمكنت من التتويج بالبطولة مرتين، إثر تحقيقنا نتائج باهرة آنذاك أسهمت في لفت الانتباه، لاحقا لعبت لأولمبي العناصر.
لكن كيف جرى انتقالك إلى نادي القلب “مولودية الجزائر”؟
تابعني مسيرو المولودية باهتمام بعد أصداء إنجازاتي مع شباب بلوزداد، أذكر حينما أتى مسؤولو العميد للبحث عني وأقحموني في مسابقة انتقائية تألقت خلالها ونلت المركز الأول، وهو ما ساعدني على الانضمام إلى مولودية الجزائر، وبعد عام واحد صعد الفريق إلى القسم الأول، وتوجت مع النادي الأخضر والأحمر ببطولتين وكأسين.
احكي لنا عن مسيرتك مع المولودية لاحقا كمدرب وما حققته من بطولات وكؤوس وثلاثية 76 التاريخية؟
(يطلق زفرة طويلة) يا ابني، الحديث عن المولودية يستدعي كتب بل مجلدات، كان الأمر يتعدى نطاق كرة، كنا اسرة كبيرة متلاحمة، وهذه الروح الرفيعة هي التي وقودنا للتألق محليا، مغاربيا وإفريقيا وحتى عالميا، إذا ما وضعنا بعين الحسبان المشاركة المتميزة للعميد في دورة ريال مدريد عام 1977.
أتشرف كثيرا بكوني تواجدت في الطاقم الفني لعصر المولودية الذهبي، حينما أهدينا الجزائر أول لقب قاري عام 1976، وكانت لنا صولات وجولات في ايطاليا، ألمانيا، وفنلندا، وغير ذلك كثير.
عمي إسماعيل أنت معروف بكونك عميد المدربين الجزائريين، كيف نلت أولى شهاداتك؟
وانتقلت في نهاية أربعينيات القرن الماضي نحو مدينة ريمس الفرنسية من أجل المشاركة في تربص تقييمي بمشاركة عدد كبير من المدربين الكبار، كنت حينها لا زلت لاعبا، وأتذكر أني أنهيت التربص في المركز السابع من مجموع 157 مشاركا، أين رفعت التحدّي وشرفت بلادي في دورة لم تكن سهلة بحضور كبار عمالقة العالم أمثال هيلينو هيريرا.
ماذا عن استراتيجيتك في التدريب؟
كنت متشبعا بأهمية واستثنائية وتعدد أدوار المدرب، فهو مثلما قال الأوّلون (عينو ميزانو)، في وقتنا لم نكن نمارس التدريب فقط، بل كنا بمثابة مربيين ومؤطرين ومكتشفين، ودورنا لا يقتصر على الأكابر بل يمتد إلى سائر الفئات الشبانية، ودفعني اهتمامي المتزايد بالمهنة إلى السفر عدة مرات إلى فرنسا للرسكلة وتقديم الدروس، والنجم السابق “رشيد مخلوفي” كان من بين من قمت بتأطيرهم.
كنت أول مدرب للمنتخب الوطني في عهد الجزائر المستقلة، ماذا عن مباراة بلغاريا الأولى للمنتخب الوطني رفقة الراحل قادر فيرود على ملعب 20 أوت؟
كنت حينها المدرب الوحيد في الساحة الكروية ببلادنا، وهو ما دفع الاتحادية الجزائرية لكرة القدم وقتها بقيادة الراحل الدكتور معوش لتعييني مدربا وطنيا، قدت التشكيلة لخوض عدة مباريات خاصة خارج الوطن، وبداياتنا كانت في الولايات المتحدة الأمريكية أين لعبنا مباراة أمام أحد أنديتها الذي سبق له إحراز البطولة الأمريكية.
الأمر حينها لم يكن سهلا لتشكيل نخبة قوية، بحثنا عن أسماء قادرة على تشريف الألوان الوطنية، بعد تفضيلنا عدم استدعاء نجوم ذلك الوقت، وهو ما جعلنا كطاقم فني وطني رفقة الراحل إبرير عرضة للانتقادات جراء عدم استنجادنا بلاعبين منتخب جبهة التحرير، الذين كانوا يلعبون في البطولة الفرنسية آنذاك، وآثرنا رفع التحدي بمجموعة لاعبين محليين كانوا في مستوى الثقة.
حققنا فوزا مهما أمام المنتخب البلغاري بهدفين لواحد، علما أنّ البلغار كانوا يشكلون أحد أقوى المنتخبات الأوروبية آنذاك، تحت أنظار الرئيس الراحل أحمد بن بلة ووزيره للشباب والرياضة عبد العزيز بوتفليقة، عزف نشيد قسما وكان وقعه خاصا على الجميع ممن كانوا حاضرين في ملعب 20 أوت 55 والمدرجات كانت مملوءة عن آخرها، قبل أن نجهز على تشيكوسلوفاكيا السابقة برباعية نظيفة بعد هزيمة أمام المنتخب ذاته.
أذكر أنّ الفرنسيين لم يتحملوا فوزنا على بلغاريا ثم تشكوسلوفاكيا، وأتذكر أنهم شككوا في الانتصار الذي حققناه، وظهر واضحا أنهم لم يتحملوا ظهور منتخب الجزائر المستقلة بتلك الصورة القوية.
قال خباطو:
لا تهمني المسؤوليات
* بقيت أرفض تقلّد كثير من المسؤوليات التي عُرضت عليّ، مثلما رفضت عرض إدارة مولودية الجزائر لتولي الرئاسة الشرفية للعميد، هذه الأمور لا تهمني، أنا رجل ميدان أحب المستطيل الأخضر وليس أمرا آخر، وبالنسبة للكرة حاليا لا يمكنني أن أكون قريبا مثل أيام زمان بسبب تقدمي في السن، لذلك أكتفي بمشاهدة المباريات عبر شاشة التلفزيون.
* من اللاعبين السابقين، هناك “حميد زوبا” الذي يتفقدني باستمرار ويأتي لزيارتي من البليدة، أيضا “الزبير باشي” و”عبد الوهاب زنير” يزورانني بالإضافة إلى الفنان “عيسى دراوي” الذي يتنقل لرؤيتي من سكيكدة.
هذه قصتي مع البليدة
* تحولت في مطلع خمسينيات القرن الماضي إلى اتحاد البليدة، وخضت مشواري مع نادي عاصمة الورود لاعبا ومدربا واقترنت المهمتين باسمي، حيث كنت أول جزائري زاوج بين المنصبين وتمكنت من التوفيق بينهما رغم أنّ المسؤولية التي كلّفني بها مسيرو الفريق حينها لم تكن سهلة، أشير هنا إلى أني عملت مع البليدة خمس سنوات وكان معي حينها حميد زوبا كلاعب، وتمكنا من قيادة الفريق إلى الصعود ووضعه في مصاف أندية القسم الأول.
* جاء اختيار مسيري الاتحاد الاسلامي لمدينة البليدة لشخصي آنذاك، بناء على شهادة التدريب التي نلتها خارج الوطن، وناس البليدة كانوا يحبونني، وبدوري تعلّقت بالمدينة حيث كنت أقطع المسافة بين العاصمة والبليدة يوميا من أجل الإشراف على النادي الأخضر والأبيض، ورغم التعب وصعوبة المهمة إلا أنني رفعت التحدي من أجل تحمل كافة مسؤولياتي، وعليه فرضت برنامجا تدريبيا شاقا، وكنا نتدرب في مرتفعات الشريعة، بما مكّن من تأهيل عناصري بدنيا، فنيا وتكتيكيا، كان ذلك قبل أن أضع حدا لنشاط الكروي عاما واحدا بعد اندلاع ثورة نوفمبر الخالدة، حيث أصدرت جبهة التحرير الوطني قرارا في 22 أوت 1956 قضى بالتوقف عن ممارسة سائر الأنشطة الرياضية، وجرى دعوة كل الرياضيين للانضمام إلى جيش التحرير الوطني والمشاركة في الثورة لتسريع مسار تحرير البلاد.
ربطت صداقة عميقة مع هيريرا
* جمعتني ذكريات عديدة بهيلينو هيريرا (1910– 1997) المدير الفني الأسطوري لنادي أنتير ميلانو ومخترع طريقة “الكاتيناشيو”، التقيته أول مرة في تربص تدريبي بمدينة ريمس الفرنسية، وارتبطنا بعلاقة صداقة بعد ذلك، كان نجم المدربين حينها بل وأسطورة حية، وكان يلقب بالأب الروحي لأنتير ميلانو، كان مشهورا جدا في أوروبا، ومعرفتي الشخصية به جعلته يزورني بالجزائر في عدد من المناسبات، وكان فخرا بالنسبة لي الاحتكاك بأسماء بقيمة هيريرا ما شكّل تجربة إضافية في مسيرتي الطويلة.
أمتلك الحاسة السادسة في اكتشاف المواهب
* اهتممت منذ خمسينيات القرن الماضي بالتنقيب عن المواهب الكروية، وذلك بعد فترة من حصولي على شهادة التدريب بفرنسا، وتمكنت من اكتشاف عديد الأسماء على غرار عمر بطروني، الزبير باشي وعيسى دراوي، وأخرى لا أتذكرها، جميعهم دوّنوا أسماءهم بأحرف من ذهب يحفظها التاريخ
* أتذكر حادثة وقعت لي مع عمر بطروني، فعندما وضعت ثقتي فيه أيام كان صبيا نحيفا، كنت عرضة لسيل من الانتقادات اللاذعة حيث لم يستوعب كثيرون إقحامه بين الأساسيين بسبب بنيته الضعيفة وقصر قامته، لكن عمر أبدى أشياء خارقة وتألق كثيرا، ما جعل الانتقادات تتحوّل إلى مديح وإشادة، هكذا كنت مؤمنا بخياراتي ومراهنتي على الفوز في معاركي مهما تعددت.
حسرتي كبيرة على اندثار مدارس عريقة
* أصاب بحسرة لا حدود لها حينما ألاحظ بألم اندثار مدارس كروية عريقة في سنوات مضت على غرار نصر حسين داي، رائد القبة، جمعية وهران وأولمبي العناصر، أيام زمان كانت فيه تلك النوادي وغيرها تنجب لاعبين من الطراز العالي سواء لأندية النخبة أو مختلف أصناف المنتخب الوطني، اليوم لم يعد لها وجود للأسف الشديد في انعكاس للمرض الذي ينخر الكرة في بلادنا، والتي أصبحت لا تستطيع تقديم لاعبين جدد للمنتخب الوطني الأول ومضطرون لاستيراد عناصر جاهزة من مختلف البطولات الأوروبية.
* الأمر نفسه ينسحب على الرياضة الجماهيرية التي غابت تماما ولم يعد لها وجود للأسف، جميع الأسماء التي صنعت أمجاد المنتخب الوطني والأندية انطلقت من الشارع، لكن اليوم صار اختيار اللاعبين خاضعا لأسس غير صحيحة، وأضحت المحسوبية و”الحقرة” السمة الأبرز في استقدام اللاعبين.
فكرة شيطانية قهرت بها النصرية
* لا يمكنني أن أنسى إحدى مواجهات نصر حسين داي ومولودية الجزائر، حينما اهتديت إلى فكرة شيطانية قهرت بها النصرية التي كانت فريقا صلبا ومن الصعب النيل منها، أتذكر أني حرصت على تحفيز اللاعبين على قهر النصرية بتمكينهم من خوض مباراة دولية ودية في أوروبا، لكن الأمر لم ينجح في الشوط الأول حيث كنا متعادلين، ورغم قوة الهجوم الذي كنا نملكه لم نتمكن من التسجيل خاصة أنّ النصرية كانت تملك أفضل دفاع، وبين الشوطين، تخمّرت في ذهني فكرة شيطانية حيث طلبت من اللاعبين في صورة بتروني وباشي استخدام الحيلة في الشوط الثاني وإيهام المنافس بالتعب وعدم القدرة على اللعب من أجل الانقضاض عليه، وهو ما حصل حيث تمكنا من تحقيق الفوز.
* اللاعبون كانوا يقدّمون أفضل امكانياتهم فوق أرضية الميدان بفضل الحماس الذي كنا نعمل على زرعه فيهم بمجرد أننا نخبرهم أنهم سيلعبون خارج الوطن، فاللعب ما وراء البحار كان مكافأة خاصة كنا نمنحها إياهم، أتذكر أنّ المنح لم تكن تتجاوز مبلغ الخمسة آلاف دينار آنذاك.
كنت من مقرّبي بن بلة
* كان الرئيس الراحل “أحمد بن بلة” يحترمني ويعمل معي في مكتب واحد رغم أنه كان رئيس الدولة حينها، وبعد نجاحنا في قهر البلغار تلقيت دعوة خاصة من طرف الفقيد، وحُظيت بتكريم خاص من بن بلة.
إشاعة وفاتي أفرزت وضعا صعبا
* تسببت إشاعة وفاتي في ديسمبر 2010، في مرور عائلتي بوضع صعب، سيما وأنّ الأمر حصل بالتزامن مع رحيل زوجتي والتحاقها بالرفيق الأعلى، أعتبر الذي حصل “شائعة سخيفة” أثرّت بشدة عليّ رفقة أولادي وأحفادي، إلى درجة اعتزامي مقاضاة من نشروا تلك المعلومة، قبل أن أتراجع.
أرقام خباطو مع الخضر
* تواجد خباطو كمدرب أول للمنتخب الوطني اعتبارا من عام 1963 بجانب المدرب قادير فيرود، وكانت بداية خباطو مع ثعالب الصحراء أمام منتخب بلغاريا في مباراة انتهت بهدفين لواحد لصالح الخضر، وكانت تلك المقابلة الوحيدة للمدرب قادير فيرود على رأس المنتخب عام 1963، وحل محله مؤقتا حمو حكاش الذي انسحب بعد خسارة المنتخب أمام منتخب تشيكوسلوفاكيا بهدفين لصفر.
* تولى خباطو المهام رسميا أمام تشيكوسلوفاكيا وفاز برباعية نظيفة، ثم خاض مباراتين أمام مصر وانتهت كلتاهما بتعادلين (1-1) و(2- 2).
* فاز خباطو في 1 جانفي 1964 بهدفين لصفر على ألمانيا بنجومها: هانس تلكوسكي، أوفه زيلر، هاملت هالر، كارل هانس شنيلينغر وهو المنتخب الذي خاض نهائي كأس العالم 1966 وخسر (2-3) أمام إنجلترا.
* أنهى خباطو مسيرته مع ثعالب الصحراء بمباراتين أمام مصر خسر في الأولى (0-1)، وتعادل في الثانية (2-2) ، ثم لعب مباراة أمام المنتخب الروماني (0- 0) وأخرى أمام المنتخب السوفياتي (2-2).






