إشارات على طريق النّجاة
على الرغم من أنّ هذا الزّمان الذي نعيشه، هو زمان صعب حقا وحقيقة؛ كثر فيه الخلاف، وعمّ فيه الهرج والمرج والقيل والقال، حتى ما عاد المسلم يعرف من يتبع ولمن يسمع ولا إلى أين يتّجه. إلا أنّ طريق النجاة لا تزال معالمها واضحة، لمن صدق في طلبها، وتنطق بها آيات محكمة من كتاب الله وأحاديث صحيحة صريحة من سنّة رسول الله، وتدلّ عليها سير الصالحين والمصلحين.. وفي هذا المقال محاولة للفت الانتباه إلى بعض الإشارات التي تجلّي معالم الطّريق.
الإشارة الأولى تقول: ((وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى))؛ وهي إشارة واضحة نجدها في كلّ صفحة من كتاب الله، تقريبا، ويجب أن تكون حاضرة في كلّ خطوة من حياتنا، وليس يجوز لعبد مسلم أن ينساها، ولا تحتاج لوضوحها وحضورها إلا أن ينظّف العبد قلبه من التعلّق بالدّنيا وحظوظها المادية الفانية كالشّهوات وحبّ الخلود والعلوّ والظّهور والرئاسة، ويجعل الهمّ هما واحدا، همّ الظّفر بالحظوظ الباقية في دار الخلود، ويسخّر ما يملك في دنياه لخدمة هذا الهمّ.
حينما تكون الآخرة بين عينيه وتكون غايته الأهمّ، سيرى الاستعداد لها أهمّ من كلّ شغل آخر، ويشعر بأنّها أقرب إليك من كلّ قريب. فيعيش حياته خفيفا متخففا، كالنسمة العابرة، روحه خفيفة، وكلامه خفيف، وظلّه خفيف، وحياته خفيفة، وحتى ذنوبه وأخطاؤه تكون خفيفة، ويتتمنّى أن يكون رحيله خفيفا.
الاهتمام بأمر الآخرة، لا يجعل العبد المؤمن ينزوي وهو ينتظر أجله، ويترك الدّنيا لمن يريدون بدينه وأمّته سوءًا، بل يجعله يسترخص كلّ غال، ولو كان روحه، لأجل أن يظفر بالمقامات العالية والدرجات الرفيعة في الآخرة، تلك الدرجات التي لا تنال إلا بالسعي والجلاد.. لذلك نجد أنّ آيات القرآن التي تحرّض الأمّة على طلب العزّة تربط ذلك بما أعدّه الله في الآخرة لمن يسيرون على هذه الطّريق.
الإشارة الثانية تقول: “قلبك ثم قلبك”؛ هذه الإشارة توصي كلّ عبد مؤمن بأن يكون تطهير قلبه وغسله وتنقيته أهمّ عمل يشغله في هذه الدّنيا.. لأنّه تقرأ قول الله –تعالى- في كتابه: ((وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ))، والقلب السليم هو الخالي من كلّ ظنّ سيّئ بالله، والخالي من كلّ حقد وحسد وبغض لعباد الله المسلمين؛ مهما ابتلي العبد بنقص في دنياه فإنّه يحسن الظنّ بربه ويقول: عسى أن يكون خيرا.. ومهما تأخّر ما يرجوه من ربّه فإنّه يحسن الظنّ بمولاه ويقول: عسى أن يأتيني به ربي في الوقت المناسب.. ينظر في أمور دينه إلى من هم أفضل منه وأكثر اجتهادا في عمل الصّالحات ويغار منهم وينافسهم ويسأل الله أن يوفّقه كما وفّقهم. بينما ينظر في أمور دنياه إلى من هم دونه ليعرف قدر نعمة الله عليه.
لا يحسد أحدا من عباد الله على نعمة أوتيها، بل يتمنّى له الخير والبركة فيها.. يحسن الظنّ بإخوانه من حوله ويحمل أقوالهم وأفعالهم على أحسن المحامل ما وجد إلى ذلك سبيلا. بين عينيه حديث النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “أفضلُ النَّاسِ كلُّ مخمومِ القلبِ، صدوق اللِّسانِ، ومخموم القلب هو التَّقيُّ النَّقيُّ، لا إثمَ فيه ولا بغْيَ ولا غِلَّ ولا حسَدَ”، وقول الإمام جعفر الصّادق –رحمه الله-: “إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته، وإلا، قل: لعل له عذرًا لا أعرفه”.
طهارة القلب لله، تجعل العبد يطمئن لما يراه من بلاء ينزل بعباد الله المسلمين، ويفهم منه أنّ الله يجهّز عباده لأمر عظيم فيه عزّهم في الدّنيا ورفعتهم في الآخرة.. وطهارة القلب لعباد الله، تجعل المسلم يلتمس الأعذار لعباد الله المؤمنين الذين ربّما تغيب عنهم بعض الإشارات وتزلّ أقدامهم في بعض المحطّات؛ فالهداية الكاملة ليست إلا للأنبياء والمرسلين، وكلّ من هم دونهم قد يقتربون من الحقّ ويبتعدون بأسباب أمرها عند الله.
الإشارة الثالثة تقول: “نيتك ثمّ نيتك”؛ أي احرص غاية الحرص على أن تكون نيتك خالصة لله. كلّ طاعاتك لله وحده، وكلّ أعمال الخير التي تثابر عليها هي لوجه الله الواحد الأحد. تدعو الله دائما أن يصفي لك نيتك وتقول: “اللهمّ أصلح لي قلبي ونيتي”، وتمحّص نيتك قبل كلّ عمل وأثناءه وبعده؛ إذا صليت محّصت نيتك: لماذا أصلّي؟ وإذا صمت محّصت نيتك: لمن أصوم؟ وإذا تصدّقت: سألت نفسك: لماذا هذه الصّدقة؟ وإذا عدت مريضا نظرت في قلبك: لماذا عدته؟ وإذا حضرت جنازة فتشت في سويداء قلبك: لماذا أنا في هذه الجنازة؟ وهكذا.. تمحّص نيتك وتغسلها من حين لآخر من كلّ شائبة تعلق بها، وإذا وجدت نيتك قد فسدت في عمل من الأعمال فإنّك تستغفر الله وتقول: ” اللهمَّ إني أعوذُ بك أنْ أُشرِكَ بك وأنا أعلمُ، وأستغفرُك لما لا أعلمُ”.
النية الصّادقة، من أعظم الأسباب التي يهدى بها العبد سواء السبيل، ويوفق للحقّ فيما يقع من خلاف، ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِم))، والنية الفاسدة، من أعظم أسباب الزّيغ والانحراف عن الهدى، والارتكاس في العمى والضلالة.
الإشارة الرابعة تقول: “ارجع إلى بدايتك”.. الأجهزة الحديثة التي نقتنيها ونمتلكها ونحرص على سلامتها، نحتاج أحيانا لإعادتها إلى وضعها الأصليّ عندما تتكاثر فيها الأعطال. وهكذا أرواحنا، تحتاج هي الأخرى لأن نردّها إلى بدايتها حينما تتكاثر عليها الذّنوب وغيوم الغفلة.. قلوبنا تتقلّب وأرواحنا تتغيّر، وهي مع كلّ أسف تتغيّر من السّيئ إلى الأسوأ. ولكنّنا نهتمّ بتغيّر هواتفنا ونحسّ بها حينما تصبح ثقيلة، ونهتمّ بمحرّكات سياراتنا ونشعر بتغيّر أصواتها وضعف أدائها.. لكنّنا لا نهتمّ بتغيّر قلوبنا وأرواحنا!
ما أحسن أن يطالع الواحد منّا بعض القنوات التي تهتمّ بالمسلمين الجدد، مثل قناة الداعية “فهد الكندري”، لينظر إلى حال المسلمين الجدد حينما يتحدّثون بدموعهم قبل ألسنتهم عن فرحتهم بإسلامهم، وحينما يُقبلون على الله بقلوبهم قبل أبدانهم، وحينما يكون همّ الواحد منهم أن يقبله الله ويتوب عليه ويرضى عنه، وحينما يتنصّل الواحد منهم من الاهتمام بنظر النّاس وكلامهم ويكون همّه الأوحد أن يكون كما يريد له الله أن يكون! كلّ واحد منّا يحتاج من حين إلى آخر لأن يعود إلى بداياته ويتصرّف كما لو كان مسلما جديدا، وينفض عن قلبه وروحه أثقال الغفلة التي تثقل روحه وتبطئ قلبه.. في صحيح مسلم أنّ عبد الله بن مسعود –رضـي الله عنه- قال: “ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ))، إِلاّ أربع سنين”.. وفي الحديث المرسل أن أبا بكر الصديق –رضـي الله عنه- لمّا قدم أهل اليمن وسمعوا القرآن جعلوا يبكون، قال: “هكذا كنّا ثمّ قست القلوب”، يقول هذا وهو من أرقّ عباد الله قلبا، فكيف بنا نحن؟