الجزائر
الجزائريون‭ ‬لا‭ ‬يدفنون‭ ‬موتاهم‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬والليل

إصابات‭ ‬خطيرة‭ ‬بضربات‭ ‬شمس‭ ‬في‭ ‬الجنازات

الشروق أونلاين
  • 6981
  • 2

من العادات التي ارتضاها الجزائريون رغم خطورتها القصوى على حياة الأحياء أن يدفنوا موتاهم في عز الحر وبالضبط في وقت صلاة الظهر، حيث تبلغ درجات الحرارة الذروة، وفي رمضان 2012 إذ حطم مقياس الحرارة كل الأرقام القياسية وجد الأهالي أنفسهم في مقابر أشبه بالصحاري القفار‭ ‬يشيّعون‭ ‬ذويهم‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إصابة‭ ‬عشرة‭ ‬أفراد‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬خنشلة‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬بضربة‭ ‬شمس‭ ‬كادت‭ ‬تودي‭ ‬بحياتهم‭ ‬في‭ ‬تشييع‭ ‬جثمان‭ ‬فقيدها‭.‬

لماذا لا يدفن الجزائريون موتاهم ليلا أو مع الصباح الباكر؟ هل لذلك علاقة بإجراء قانوني أم شرعي؟ وهل تعريض صحة الأحياء للتهلكة في عملية دفن ميت جائزة؟ أم أن الإجراءات القانونية وبيروقراطيتها عندنا في الجزائر هي السبب؟ أسئلة حاولنا فك طلاسمها فسألنا صباح أمس الخميس إمام جامع الأمير عبد القادر بقسنطينة الدكتور شوقي أبو حرم فقال إن الفقه المالكي يقول إنه يصلى على الميت في كل الأوقات إلا عند طلوع الشمس وغروبها أي الشروق والغروب فقط إذا لم يخف أهل الميت على فساد جثة الميت وتغيرها وذكر حادثة دفن الصحابة لامرأة كانت تخدم المسجد ليلا وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك صلى عليها صباحا، وذكر شهادة حضوره جنازات في البقيع في البقاع المقدسة حيث يتم دفن الموتى في كل أوقات اليوم بما في ذلك ليلا وفجرا، ولكن لب الاسلام هو التعجيل في الدفن إكراما للميت، ويرى مختص في علم الاجتماع وهو السيد نورالدين سحنون أن الجزائريين يختارون وقت الظهيرة حتى يتجمع شمل العائلة وهو وقت مناسب يحضر فيه المصلون وخاصة أنه بعيد عن أوقات العمل، حيث يمكن للمشيع التفريط في وجبة الغذاء دون التفريط في الدراسة أو العمل وفي رمضان امتلاء المساجد في زمن الظهر يضمن الحضور الكبير للمشيعين، رغم أن هذه العادة ربما مأخوذة من الفرنسيين الذين يفضلون هذا التوقيت الذي لا يضرهم صحيا بسبب الطقس المعتدل عموما في فرنسا ومن أجل تفادي الاصطدام مع أوقات العمل، وأصبح الجزائريون في الفترة الأخيرة يلجؤون للدفن في أوقات العصر رغم أنها هي أيضا متزامنة مع الحرارة الكبرى وقد تكون أربعين تحت الظل وحوالي خمسين درجة في مقابلة الشمس، والمؤلم أن الذين يتعرضون لضربات شمس قد تكون قاتلة في المقابر كما حدث في ولاية ميلة مؤخرا هم من الشيوخ الذين يصرّون على حضور الجنازات والأطفال الذين لا يفرطون في جنائز ذويهم من أبناء وأجداد، رغم تحذيرات الأطباء ومنهم الدكتور يوسف عليلي الذي قال إن التواجد لمدة تقارب الساعة من الزمن في مقابر هي عادة من دون أشجار للظل وفي فترة صيام لا يمكن تعويض فيها العرق بالماء الشروب وفي عز الحر ووقوف أمام القبر من دون حراك هو تعريض للنفس للتهلكة، ويجد الأهالي في شهر أوت وخاصة في شهر الصيام صعوبة حتى في إيجاد حفاري قبور يمنحوهم حفرة لذويهم بسبب صعوبة هذه المهنة في مقابر بأرضيات صلبة ومليئة حتى بالأفاعي والعقارب ناهيك عن الحرارة القاسية في عز رمضان رغم أن حفار القبور يعيش من‭ ‬موت‭ ‬الآخرين‭. ‬

وقد تغيرت العادات مؤخرا فصار الدخول إلى المقبرة مختلطا وهذا ما جعل الجميع في الزيارات يختارون وقت الصباح لتفادي ضربة الشمس القاتلة، بالرغم من أن أبواب المقبرة تغلق في وجه النساء بعد منتصف النهار، لأجل فترة الدفن التي تبدأ عادة في وقت صلاة الظهر ويحضرها الرجال‭ ‬فقط‭..‬وبقاء‭ ‬المقابر‭ ‬تحت‭ ‬سلطة‭ ‬البلديات‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬بيوت‭ ‬الراحة‭ ‬عندنا‭ ‬غير‭ ‬مريحة‭ ‬وبقي‭ ‬تسييرها‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬التوقيت‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬التسيير‭ ‬الفاشل‭ ‬لمعظم‭ ‬بلدياتنا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تغير‭ ‬ولا‭ ‬تريد‭ ‬التغيير‭.‬

في كل مقابر الجزائر توجد حياة قائمة بذاتها، فقبل أن تدخل من الباب الرئيسي لأي مقبرة تلاحظ في الشهر الفضيل العشرات من المتسولات انضمت إليهن هذا العام بعض النازحات السوريات الهاربات من جحيم نظام بشار الاسد بعضهن تمتهن التسول باقتدار وخبرة تجعلك تصدق حاجتهم لرغيف الخبز، والفوز بموقع للتسول قرب باب المقبرة خاصة في أوقات الزيارات أصعب بكثير من الظفر بمكان قرب مساجدنا في رمضان في أوقات الجمعة والتراويح وهن أيضا معرضات لضربات الشمس، رفقة الأطفال الذين يعيشون عالما بائسا فعلا حيث يدخل الصغار وعمرهم دون العاشرة يحملون ماء وبخورا يتجولون بين المقابر تحت أشعة شمس حارقة قد يصادفون امرأة حزينة تحاور قبرا وتذرف دموعا وتنظف المكان فيسارع إليها الأطفال، ويتسابقون وقد يتعاركون والظافر بالخدمة يسقي النبات المحيط بالقبر وقد يمرر عليه البخور وينزع بعض الحجارة ويبتهج بعد ذلك بالمبلغ‭ ‬الذي‭ ‬يتسلمه‭.‬

أما عالم حفاري القبور فهو مدهش ويرتبط مباشرة بالأموات والأحياء.. في مهنة حفاري القبور لم تتغير أدوات العمل منذ زمن بعيد فهي “البالة” والفأس، أما من يبني القبر “الماصو” فقدره دائما أن يحمل على أكتافه أو عبر “البرويطة” الرمل والإسمنت والماء وآلات البناء البسيطة .. وتبقى كمية العمل بيد القدر فقد يحل عشرة موتى في اليوم الواحد وقد لا تستقبل المقبرة أكثر من مودّع واحد.. وحفار القبور تصله استمارة إشارة من البلدية، فيختار بنفسه المكان الذي يباشر فيه الحفر وأحيانا يسير حسب هوى أهل الميت الذين يريدون دفن حبيبهم بجوار بقية الأهل الذين توفوا منذ فترة بعيدة ..وتبدو ظروف الحفر في الصيف وفي شهر أوت وفي رمضان مثل هذا العام معقدة ومستحيلة، وقد ينفق حفار القبور أربع ساعات كاملة في حفر قبر واحد بسبب تصلّب الأرضية وتحجرها بسبب الحرارة التي فاقت تحت الظل 45 درجة فما بالك تحت أشعة الشمس وهناك من أنهكه العمل في هذه الحرارة خاصة في الجنوب، فكان مصيره الإفطار لأن عدم الشرب هو انتحار وإلقاء بالنفس إلى التهلكة وهناك من تحصلوا فعلا على رخصة فقهية وطبية لأجل الإفطار ..عمل “حفاري القبور” يتواصل من الثامنة صباحا إلى الثالثة ما بعد الزوال، وإذا كانت فسحتهم العملية هي فصل الشتاء الماطر حيث لا يزيد زمن الحفر وتوضيب القبر عن نصف ساعة فإن الصيف هو جحيم العمل بالنسبة لهم، وضارب الفأس يصبح مثل الذي يحاول نحت الجبال، وقد أصبحت مقابرنا كلها من دون استثناء مسكونة بالأفاعي التي يتعدى طولها المترين والعقارب‭ ‬وحتى‭ ‬الجرذان‭ ‬ضف‭ ‬إليها‮ ‬تضاريس‭ ‬مقابرنا‭ ‬الوعرة‭ ‬وغير‭ ‬المنبسطة‭.

مقالات ذات صلة