الجزائر
مواضيع تافهة تشغل الرأي العام و"الجياحة" تصنع الحدث

إصنع “الباز” في الجزائر.. ولو بحمار

كريمة خلاص
  • 5167
  • 4
أرشيف

حصدت بعض الأحداث والمواضيع على مواقع التواصل متابعات مليونية رغم تفاهة مضامين غالبيتها التي صنعت “الباز” بالجياحة، ويطرح هوس متابعتها وتقفي آثارها في أدق التفاصيل عديد التساؤلات حول ما إذا كان الأمر متعلقا بلهفة للمعرفة وترصد تحركات الغير أم هو الركون إلى مسار التطوّر التكنولوجي دون تمحيص؟.. فعندما تؤجج مغامرة شاب جزائري قطع مئات الكيلومترات على ظهر حمار حمى تفاعل منقطعة النظير بين مختلف فئات المجتمع، تجدنا حتما أمام تساؤلات ملحة تدور حول لص ظريف يسرق أوقاتنا مستغلا في ذلك غريزة الفضول للزج بها في دهاليز الخصوصيات البعيدة عن الواقع وقضاياه الجوهرية.

أثار حمار الشاب “ياسر” ردود فعل كبيرة تأرجحت بين مستحسن للمغامرة ومتهكم منها ومستنكر لها من باب الاشفاق على الحيوان السائح، وفي هذا الصدد، لا داعي لأن تجهد نفسك في البحث عن الأحداث الخارقة للعادة والمغامرات الفريدة من نوعها.. إنها جاهزة على أكثر من لسان في شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تملك هذه الأخيرة قدرة عجيبة في نشر الافتتان بكل ما هو جديد.

ويظهر جليا من خلال تتبع ما يجري في منصات التواصل الاجتماعي أن كل شيء يفقأ العيون ويفتح الشهية للاطلاع. ففي مقابل تهاطل الأخبار والفيديوهات ينسلخ عديد أفراد المجتمع عن الواقع المعيش دون أن ينتبهوا إلى حجم الوقت المستنزف وإلى درجة اختراقهم لعالم الخصوصيات، وما يترتب عن ذلك من وقوع في وحل التفاهات، الشائعات والإباحية تحت أغطية مختلفة، منها غطاء الصفحات الدينية!!!

ويبرز النفوذ الكبير الذي أصبحت تحصده أخبار التفاهة والسخافة من خلال التفاعل القياسي للمتتبعين سواء في العالم الافتراضي أو في الواقع، إذ يتحول أصحاب المنشورات والفيديوهات، الذين يطلق عليهم مصطلح المواطنين الصحفيين؛ مضربا للمثل في عديد المناسبات وفي كثير من المواقف، ما جعل لهم شهرة تفوق شهرة الساسة والمفكرين والعلماء.

والسؤال المحير الذي قد تصعب الإجابة عنه هو من المسؤول إعلاميا عن هذه الطبخات التي يتم إعدادها في العالم الافتراضي في إطار غير مهني لا يستدعي فحص المضمون؟ وإلى متى نترك عقول الناشئة في أحضان منصات اجتماعية لا تضبطها لا قواعد مهنية ولا ضوابط أخلاقية؟!

فبالرغم من أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في تعزيز القدرة على التواصل مع الآخرين بسرعة فائقة وإتاحة تتبع المجريات الآنية الخاصة وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة؛ غير أنها على صعيد آخر باتت تستفز وتغري وتؤجج الفتن كما توجه الرأي العام على طريقتها الخاصة ووفقا لخلفياتها بعد أن فرضت نفسها كممارسة إعلامية بارزة في العالم أقل ما توصف به هو انفلاتها من المهنية والاحترافية إلى درجة يصعب معها تعيين مكانة لها في خريطة الاتصال!!

وبالنظر إلى حجم تأثيراتها الكبيرة، فإنه قد حان الوقت فعلا لدق ناقوس الخطر حول خطر التغيير الذي يمكن أن تحدثه .

حنطابلي: غياب المرجعيات الفكرية فتح المجال للتفاهة

وفي هذا السياق أفاد يوسف حنطابلي الأستاذ الجامعي المختص في علم الاجتماع أن الحضارة العربية الإسلامية عرفت في مراحل سابقة أشياء مماثلة تم إدراجها في خانة ابتذال الوعي الجمعي عندما أصبح الشأن السياسي والعام غير متاح. وأبواب التفكير مغلقة واعتبر حنطابلي ما يقوم به هؤلاء في الفايسبوك تعبيرا منهم عن سخرية غير معلنة، لأن المجتمع برأيه يعبر بطريقة غير مباشرة عن واقع ممنوع منه، وفسر المختص الاجتماعي ذلك سوسيولوجيا بأنها مواقف غير واعية لفاعليها حيث أن الفرد يحمل مواقف لا يشعر بها ويمارس ابتذالا لجلب المتابعات وإثارة الاهتمام. وهذا ما يقودنا إلى موقف غير واع من قبل الفاعل الذي إن تسأله يجيبك بأنه يفعل ذلك من قبيل السخرية والتهكم فقط.

واعتبر حنطابلي أن مشاركات الأشخاص لتلك المنشورات أو الفيديوهات ليس له قيمة معرفية.

وانتقد المختص سقوط وسائل الإعلام في هذا الفخ حيث أنها أصبحت تعيد إنتاج ما هو متداول ووقعت في فخ الرواج. ويرى حنطابلي أن مواقع التواصل الاجتماعي أخرجت ما هو مكبوت وتقدم حقيقة اهتمامات المجتمع وتمكننا أن نقيس التوجه العام للمجتمع في غياب الوسائل الأخرى الآن.

وأضاف يمكننا القيام بدراسات لا تتوقف على ما هو ملاحظ فقط وإنما تتعداها إلى قراءاتها ومآلاتها فالسخرية تنتج عندما يمنع الفرد فرصة المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية. وأرجع تنامي تأثير هذا الابتكار المتنامي إلى غياب مرجعيات فكرية وعلمية ودينية وحتى سياسية، الشباب يهتم بالقضايا التافهة بعدما حرم الاهتمام بالقضايا المصيرية، فبات رهينة لكل تافه يقدم مضمونا مبتذلا، حتى أن كل من هبّ ودبّ تحوّل إلى مؤثر على الشباب بل ويقدّم دروسا في الوعظ والإرشاد والتوجيه دون أدنى خبرة في الحياة والمؤلف أن بعضهم تحوّلوا إلى نجوم يتابعهم الملايين.

مقالات ذات صلة