إعفاء المتهرّبين من دفع الضرائب لكسر “الطرابندو”!
ستعلن الحكومة قريبا، عن إعفاء جبائي سيكون الأول في الجزائر، وسيعطي لحاملي الأموال المتداولة في السوق الموازية والبالغة 370 ألف مليار سنتيم ضمانات بعدم متابعتهم قضائيا، ولن يكونوا محل تحقيقات ولا تصحيحات جبائية عند التصريح بتلك السيولة النقدية وإدخالها في النظام البنكي.
كشفت مصادر حكومية مطلعة، أن الإعفاء الجبائي أصبح قاب قوسين أو أدنى من الإعلان عنه، كون مشروعه لم يتبق منه إلا ضبط بعض التفاصيل، وستلجأ حكومة عبد المالك سلال إلى الإعلان عنه خلال السنة الجارية. وتؤكد مصادر “الشروق” أن الإعفاء سيتم الإعلان عنه بتسمية تجعله “مقنّعا” مثل التسوية الجبائية.
تراجع السيولة النقدية يزيد حاجة الدولة إلى أموال السوق الموازية
تبريرات الحكومة للإقدام على هذه الخطوة التي تعد سابقة في الجزائر هي متعددة، بحسب ما أشارت إليه المصادر نفسها. فتراجع أسعار البترول قلص السيولة النقدية في الاقتصاد الوطني وعلى وجه التحديد لدى البنوك الجزائرية، واستمرار الوضع على حاله سيخنق الدولة ويكبل أيدي مؤسساتها.
هذا الوضع يحث على إيجاد مخرج في أقرب الآجال بتحفيز مالكي الأموال المتداولة في السوق الموازية على ضخ أموالهم في النشاط الشرعي المراقب لتكون بمثابة دم جديد يساهم في تجنب أزمة اقتصادية قاتلة.
إلزامية التعامل بالصكوك تجبر الحكومة على اللجوء إلى الإعفاء
وأضحى التوجه إلى الإعفاء الجبائي ضرورة، على ضوء إقرار الحكومة إلزامية التعامل بوسائل الدفع البنكية ومنها الصكوك في المعاملات التجارية التي تساوي أو تفوق مائة مليون سنتيم، وهي إلزامية مفترض أن تدخل حيز التنفيذ نهاية الشهر الجاري، حيث ستكون أحد التبريرات للإعلان عن الإعفاء. فأحداث الزيت والسكر في جانفي 2011 التي كانت نتيجة لقرار فرض إلزامية التعامل بوسائل الدفع البنكية في صفقات 50 مليون سنتيم فما فوق كانت كفيلة بالكشف عن مدى قدرة أصحاب السيولة النقدية المتداولة في السوق الموازية والنشاط غير الشرعي خصوصا في تجارة الجملة على ضرب استقرار السوق المحلية وتعطيل تموينها.
ضغوطات دولية لمحاربة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب
وتأتي محاربة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب مبررا آخر، على اعتبار أن الجزائر ملزمة باحترام تعهداتها الدولية في هذا المجال، وخاصة على مستوى مجموعة العمل المالي الدولية، ويمثل تداول قيمة هائلة من الأموال في السوق الموازية مسألة محرجة للجزائر في المجتمع الدولي.
وكان ترويج وسائل إعلام سعودية أن المملكة أدرجت الجزائر في القائمة السوداء للدول العاجزة عن مواجهة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب آخر إحراج للجزائر حتى وإن كان السبب الحقيقي للجوء السعودية إلى وضع أصبع في جرح الجزائر والمتمثل في عجزها على معالجة ظاهرة السوق الموازية هو الرد على الاختلاف في موقفي البلدين بخصوص الملف اليمني حسب المراقبين.
سيناريوهات عودة “شكارة” السوق الموازية للاتساع
وتبقى فعالية الإعفاء الجبائي في تقليص رقعة السوق الموازية وامتصاص السيولة النقدية المتداولة فيها، أمرا نسبيا مرهونا بإصدار إجراءات مرافقة. ومن بين هذه الإجراءات إعادة النظر في النظام الجبائي الذي يساهم بشكل رئيسي في تغذية السوق الموازية حسب مصادر “الشروق“.
وتكشف الإحصائيات الرسمية أن أكثر من 80 بالمائة من التجار خاضعون لنظام الضريبة الجزافية الوحيدة وهم في الغالب تجار التجزئة. هؤلاء التجار لا يكلفون أنفسهم مشقة عقد الصفقات بالفواتير بل يفضلون التعامل مع تجار الجملة عارضي السلع دون فوترة ما دام أنهم في الأخير يدفعون ضريبة جزافية دون أي إلزام بتبرير صفقاتهم والكشف عن مسارها وأثرها.
وأظهرت أحداث الزيت والسكر في بداية 2011 من خلال اللقاءات التي أجراها وزير التجارة السابق مصطفى بن بادة، أن الرسم على النشاط المهني المحددة نسبته 2 بالمائة من رقم الأعمال هو عامل رئيسي لتغذية السوق الموازية، فتجار الجملة مثلا يفضلون التهرّب من دفعه للحفاظ على هوامش أرباحهم من جهة وعدم خسارة تنافسية سلعهم أمام اشتداد المنافسة في الأسعار، فهذا الرسم يتم إدراجه في تحديد السعر.
الإعفاء الجبائي دون إعادة النظر في النظام الجبائي سيكون أثره مؤقتا، لأن “شكارة” السوق الموازية التي سيتقلص حجمها عند تطبيق الإعفاء سيعود حجمها تدريجيا للاتساع، على اعتبار أن الأساس الذي يغذي هذه الشكارة لا يزال قائما.