الرأي

إعلاميون للبيع

عمر أزراج
  • 1778
  • 4

في بدايات عام 1986 التحقت بمجلة “الدستور” الأسبوعية التي كانت تصدر من لندن وتعاونت مع أسرة تحريرها لمدة أربع سنوات كاملة كمتعاون خارجي متخصص في كتابة زاوية ثقافية أسبوعية، ومقال تحليلي سياسي أسبوعي مكرس غالبا للقضايا السياسية والاجتماعية الجزائرية وبدون الالتزام بأي خط سياسي أو إيديولوجي ترتبط به هذه المجلة.

في ذلك الوقت كان عددُ الصحف والمجلات العربية الصادرة في المهجر البريطاني قليلا ومنها جريدةالعرب الدوليةالتي أسسها وزير الثقافة ووزير العدل الليبي أحمد الصالحين الهوني في عهد الملك السنوسي، وجريدةالشرق الأوسطالسعودية، ومجلةسوراقياالتي أسسها الإعلامي غسان زكريا الذي عمل لمدة في مجلة الدستور ثم تركها، فضلا عن بعض المجلات التي كان مقرها العاصمة الفرنسية باريس التي انتقلت إلى بريطانيا، حيث تقدم التسهيلات للمطبوعات الإعلامية، فضلا عن توفر مناخ حرية التعبير بعيدا عن أية رقابة مباشرة أو غير مباشرة

في ذلك الوقت لم يكن هناك وجود يذكر للفضائيات التلفزيونية بالعربية، وبمجرد اجتياح العراق للكويت بدأت السعودية في تنفيذ مخطط إعلامي واسع النطاق فأنشأت جريدةالحياة، ومجلات أسبوعية وشهرية أخرى مثل مجلةالمجلة، ومجلةسيدتيفضلا عن ملاحق كثيرة ذات تخصصات ثقافية وسياسية وفنية وهلم جرا، كما أنشأت  فضائية الـأم. بي  .سيثم أضافت إليها فضائية الـبي .بي. سيباللغة العربية على أساس الشراكة مع مؤسسةبي.بي.سيالبريطانية.                                                     

في مناخ الحصار المضروب على العراق والإعداد لتوجيه الضربة له لإخراجه من الكويت بالقوة توقفت مجلةالدستورعن الصدور نهائيا وأصبحتُ بطالا بدون سند مالي، في تلك اللحظات بدأت عمليات قنص الإعلاميين من طرف المؤسسات الإعلامية السعودية، ومن صحيفةصوت الكويتالتي أسسها أمير الكويت الموجود في المنفى بعد هروبه من القوات العراقية، وأسندت مهمتها للكاتب والإعلامي الكويتي المعروف الدكتور محمد الرميحي الذي كان قبل اجتياح بلاده أحد أقطاب الصحافة الكويتية ورئيس تحرير مجلات ثقافية وأدبية كويتية بارزة كثيرة وفي مقدمتها مجلةالعربي“.

في هذا الجو المتوتر جدا بدأت الولاءات تتغير في أوساط الإعلاميين العرب المقيمين بالمملكة البريطانية المتحدة، وهكذا انتقل عدد من صحافيي مجلة الدستور إلى جريدةالشرق الأوسطومطبوعاتها الأخرى ومن بينهم الروائي السوري ياسين رفاعية الذي كان محررا ثقافيا بـالدستور، لقد نشر هذا الروائي السوري مقالا حماسيا على صفحات مجلةالدستورقبل إغلاقها بشهر واحد بعنوانأين المثقفون العرب ليدافعوا عن صدام حسين؟وعندما تحصل على منصب محرّر بجريدةالشرق الأوسطنشر مقالا على صفحاتها  تحت عنوانأين المثقفون العرب ليدينوا الديكتاتور صدام حسين؟، وعلى هذا المنوال نسج معظم الصحافيين الذين كانوا في الماضي يتسابقون إلى تعداد محاسن العراق، وثقافته، وحتى إيديولوجيته البعثية ذات المضمون القومي العربي وبسرعة أصبحوا في صف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وراحوا يدعون بحماس منقطع النظير إلى ضرب العراق واحتلاله.

في هذا الظرف التاريخي الصعب والمشؤوم انقسم الإعلاميون العرب ببريطانيا؛ حيث كان هناك من فضل الصمت واللجوء إلى مكاتب البلديات التي يسكنون فيها للحصول على ما يُسمى بدعم المرتب الذي هو حق لكل من عمل ببريطانيا ودفع الضرائب وتحصل على الإقامة الشرعية الدائمة لضمان لقمة العيش ودفع الإيجار، وهناك من توجه للعمل في شتى الأعمال في المؤسسات البريطانية بما في ذلك أعمال الصيانة والتنظيف، وتعليم اللغة العربية، والاشتغال في المطاعم الخوهناك من أسعفه الحظ فتوجه إلى جريدتيالقدس العربي، والعرب الدوليةوتحصل على العمل فيهما رغم ضعف مرتبات هذين المنبرين اللذين وقفا ضد الحصار المضروب على الشعب العراقي ثم ضد الحرب على العراق.

 لاشك أن غزو نظام صدام حسين للكويت كان خطأ استراتيجيا كبيرا وفخا أمريكيا مدروسا ومخططا له، وأن الطبيعي هو أن لا يصيب الكويت الاحتلال، وأن الضم أو الوحدة بالقوة عمل غير أخلاقي، وفي الوقت نفسه فقد كان الرأي الحصيف هو تكثيف العمل العربي الموحد من أجل حل المشكلة سلميا مع النظام العراقي وإعادة الكويت إلى العائلة العربية لوقف نزيف تفكيك ما تبقى من الحلقات الرخوة التي كانت تربط شظايا الدول العربية.

في هذا المناخ الخطير أدركنا أن السيناريو هو استخدام أمريكا وحلفائها الغربيين حجة تحرير الكويت، وسذاجة الأنظمة العربية لاحتلال العراق والسيطرة على الشرق العربي بالكامل، في هذه الفترة بقيتُ ستة أشهر بدون عمل، وفي إحدى المرات زارني في بيتي الناقد والكاتب المصري المعروف الدكتور علي شلش وعائلته وانتبه إلى وضعي، وبعد يومين على لقائنا رنّ هاتفي وعندما رفعت السماعة تناهى إلي صوت الكاتب السوري محي الدين اللاذقاني الذي كان رئيسا للقسم الثقافي بجريدةصوت الكويت، وأخبرني أن مسؤولها الدكتور محمد الرميحي يدعوني للتعاون معها أو للعمل فيها، فأجبته بدبلوماسية أنني سأفكر في الموضوع وبطبيعة الحال لم أتصل به بعد ذلك إطلاقا، هنا فهمت أن الدكتور شلش هو الذي حدّث الرميحي عني دون أن يتفق معي على ذلك مسبقاً وهو في بيتي، خلال فترة وجيزة اتصل بي الشاعر اللبناني أنطوان رعد الذي كان سابقا نقيبا للمعلمين اللبنانيين، وحثني على الالتحاق بتلك الجريدة نفسها، حيث كان يعمل كمحرر للرياضة مقترحا عليّ مَخرجا وهو أن أعمل معه في هذا القسم الذي لا ينجرّ عنه التورط في الكتابة السياسية واتخاذ المواقف فاعتذرت إليه أيضا.

 

في ظل غرقي في حمّى البطالة وصلتني دعوة من وزير الثقافة المغربي الصديق محمد بن عيسى لأشارك في نشاطات مهرجانأصيلةفقبلتها، وأنا في مدينة أصيلة التقيت مرة أخرى بالكاتب الروائي السوداني الشهير الطيّب صالح الذي كان جارا وصديقا لي في لندن، فجمعتني به ندوة تلفزيونية مشتركة حول البعد الإفريقي للثقافة المغاربية، وعندما خرجنا من مبنى التلفزيون توجهنا للعشاء، فإذا بي أتقاسم طاولة العشاء معه ومع الوزير بن عيسى ومع الأمير بندر بن سلطان سفير السعودية آنذاك في أمريكا، ودار بيننا حديثٌ سأسرد بعضه في المقال القادم.  

مقالات ذات صلة