إفلاس !
نسيم لكحل:nassim219@ech-chorouk.com
عندما تُصبح القوة هي الأسلوب الوحيد أمام الجماعات المسلحة لمنع الناس من التوجه إلى صناديق الإقتراع اليوم لانتخاب ممثليهم في الهيئة التشريعية القادمة، وعندما تكون قنابل الموت هي السلاح الوحيد لإقناع الناس بأفكارها وتصوراتها للحل في الجزائر، فإننا نبصم بالعشرة أن هذه الجماعات ومن يقف وراءها يعيشون مرحلة إفلاس حقيقية سواء من الناحية الفكرية أو من الناحية العسكرية.وعندما تقوم هذه الجماعات بعملية بهلوانية مثل التي قامت بها أمس في قسنطينة فإن ذلك معناه لم يعد لها من هدف وراء العمل المسلح سوى ترويع الناس وتخريب البيوت وزرع الفتنة واللاستقرار، وهذه هي العلامات الكبرى لزوال مثل هذه الجماعات التي تبيَّن الآن أن لا مرجعية شرعية تحكم ما تقوم به وقد تبرأ منها كل علماء الإسلام على اختلاف توجهاتهم، ولا مرجعية سياسية وقد عجزوا حتى عن إقناع الناس بأفكارهم في هذا المجال مثل دعوتهم إلى مقاطعة انتخابات اليوم قبل أن يقوموا باستعمال القوة في محاولة يائسة لمنع الناس من الإنتخاب وهذا ما أثبت إفلاسهم السياسي والعسكري على حد السواء.
الممارسة الديمقراطية تقتضي أن يُترك الناس أحرارا دون أن تمارَس عليهم الضغوط في هذا الإتجاه أو ذاك، فمن أراد أن ينتخب فذلك حقه الدستوري والإنساني كمواطن جزائري، ومن أراد أن يقاطع فمن حقه كذلك لأنه حر في أي سلوك انتخابي يقوم به، أما أن يُرغم على المشاركة أو المقاطعة بشتى الأساليب والحيل فإن هذا لا يعدو أن يكون سوى شكلا من أشكال الإرهاب بنوعيه.. ومن هذا المنطلق فإن عمليات من نوع ما حدث أمس في قسنطينة لا يمكن أن تكون له سوى نتائج عكسية خاصة والرأي العام الوطني واع بأن الكثير من الأطراف في الجزائر تدفع إلى مرحلة اللاستقرار وشغور المؤسسات من أجل العودة إلى هواية الصيد في المياه العكرة، وأصبح واضحا أن الإستقرار المؤسساتي بكل ما يشوبه من عيوب ونقائص هو أكبر عائق في طريق هذه الأطراف التي نعلم جيدا ماذا فعلت في سنوات الشغور والفراغ المؤسساتي التي كانت أسوء ما عاشها الجزائريون من أيام منذ الإستقلال.
ومع احترامنا لأصحاب دعوات المقاطعة المبنية على نظرة هادئة للأوضاع السياسية دون أن تكون لها خلفيات تأزيم الوضع أو خدمة مصالح تلك الأطراف المسترزقة، فإنه يمكن القول بأن إجراء الإنتخابات في مواعيدها القانونية هو في حد ذاته إنجاز سياسي في مسار بناء صرح الديمقراطية، ولا يهم بعده إن ارتفعت نسبة المشاركة أو اتسعت دائرة المقاطعة، فالمهم في هذه الحالات هو عدم التولي عن خيار دولة المؤسسات، خصوصا وأن الأمر تزامن مع عودة بقايا الجماعات المسترزقة إلى ممارسة العمليات الإستعراضية التي تسعى لجعل الجزائر مجرد إسم وخريطة جغرافية، وذلك العهد نحسبه قد ولَّى إلى الأبد.. والله أعلم.