إلى الأحبّة في العراق: كفاكم قتلا لأنفسكم!
بعد عام من احتلال العراق، بدا العالم مستنفرا لمواصلة ما بدأه قبل الغزو، وتوالت السنوات وها نحن اليوم ننهي العام الخامس، وقد انحصر فعل الرفض للجريمة الكبرى في التاريخ المعاصر، إلى مظاهرات متفرّقة في بعض عواصم دول العالم أقل عددا وعدة عماّ كانت عليه في الماضي، ليس فيها من العالم الإسلامي إلا تركيا العلمانية.يكمن لنا أن نؤسس على الوصف السابق، ما يلي: الفعل العراقي في مواجهته للاحتلال يزداد ضراوة وتضحية، والتأييد الرسمي والشعبي من المسلمين و لعرب ودول العالم الأخرى آخذ في التراجع والتناقص، وهذا عكس منطق التاريخ؛ ذلك لأن ردود أفعال القوى الاستعمارية تتأرجح بين تسليم الشعب المحتل بالأمر الواقع، وبين مقاومته إلى أن يحقق النّصر.ففي الحالة الأولى ـ التسليم ـ تقوم دولة الاحتلال، وتتمكّن من نشر ثقافة التسليم والقدريّة، تبقى هناك عقوداً أو قروناً، أو إلى الأبد إذا استطاعت إبادة الشعب الأصلي، والحالة الأخيرة تظهر في التجربة الأمريكية ـ الأوروبية أساسا ـ تجاه الهنود الحمر، لأنها تمثّل أقصى ما يمكن أن يصل إليه المحتل، وتلك في عمومها حالة أولى يركن إليها المستعمر لزمن طويل أو قصير، يهتم فيها بنهب الخيرات وتسخير الشعوب وإبادتها عند الضرورة. وهناك حالة أخرى يواجه فيها الاستعمار مقاومة شديدة، تتواصـل إلـى أن يرحـل، والعراق دخل هذا الواقع منذ اليوم الأول لاحتلاله من طرف قوى التحالف وبتأييد من أخوة الدين والمصير، وكل الخطاب الذي يروج محليا وإقليميا ودوليا بما يحمله من اختصار مشوّه، القصد منها خلق أجواء من الشك في مقاومة العراقيين، واختزالها في أعمال إجرامية للقاعدة، وهذا يعدّ دعوة للفتنة وشق الصفوف بين مختلف طوائف ومذاهب الشعب العراقي، غير أن هذا لا يعني عدم وجود القاعدة على أرض العراق، لكنها ليست قاعدة للمقاومة وإنما هي شذوذ عن القاعدة العامة لمواجهة المحتل. المرحلة التي يدخلها العراق اليوم، وهو لايزال محتلا، تعود بنا إلى ذكريات الثورات، مع اختلاف الظروف والمعطيات، فالثورة الجزائرية، حين بلغت عامها الخامس كتب عليها المناضل الراحل »فرنز فانون« كتابا حمل عنوان »الثورة الجزائرية في عامها الخامس« كما ألّف عنها، وهو عاشقها الولهان، كتابا آخر شيّقا يعد مرجعا مهما لعلماء الاجتماع بعنوان »سوسيولوجيا ثورة«، وهذا عكس ما يصدّر عن الوضع في العراق، حيث براءة ذمّة منه، من أهله قبل أعدائه. صحيح أن أغلبية الدول ضد بقاء القوات الأمريكية في العراق، وأيضا كثيرا من الذين يصنعون الرّأي العام، بما ذلك كثير من السياسيين والمفكرين، ليست آخرهم هيلاري كلينتون، ولكن هذا لا يقابل إلى الآن بفعل حاسم.الخمسة أعوام الماضية لاحتلال العراق تضاف إلى عمر المحتل وتنقص من عمر الشعب العراقي، وهذا الوضع يدفعنا إلى جملة من الأسئلة، من أهمها: مادام العراق قد قاوم المحتل منذ يومه الأول… فما الذي جعل قضيته تتراجع على الصعيدين العربي والدّولي؟ وبمنطق تاريخ الثورات والمقاومة كيف لا تصبح قضيته أولوية الأولويات وتتحوّل في أحسن الأحوال إلى مجرد صوت لحسم معركة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدّة؟ ولماذا يتعرّض للنسيان والنكران مع أنه يصنع تاريخه بالدّم مثلما هو دائما بالدّم، وأنّ ثباته في الحرب قدّم حماية لأمته المرعوبة الخائفة، مكسورة الجناح؟ إجابات الأسئلة السابقة لدى العراقيين وحدهم دون غيرهم، فمعظم الناس بمن فيهم المؤيدين لهم والشاعرين بالظلم الذي وقع عليهم، تخلوا عنهم وولُّوا وجوههم قبل قضايا أخرى أقل أهمية، والسبب، في نظري، أنهم لم يعودوا يصنعون الحدث، فحربهم لم تعد ضد المحتل وإنما بينهم. أقول هذا وأنا كلي ألما وحسرة، لأن الوصف السابق حقيقة، ومن أين للعراقيين أن ينكروه وهم يصرون على الإجرام؟. فليسمعوا إذن محبًّا لهم جميعا بمختلف طوائفهم ومذاهبهم، ما يقوله الآخرون عنهم، لعل هذا تعيه أذن واعية: الأسلوب الأمثل الذي يجعل منكم بشرا تستحقون الحياة وينظمكم في شكل الدولة هو الديكتاتورية؟.. أعرف أن من يقول هذا لم يقرأ تاريخكم الحضاري ويتمنى الخلاص منكم.إخوتنا ففي العراق: أنتم اليوم تدخلون مرحلة الشتات بأنفسكم وأنتم مغتربون في أرضكم، وبعض ممن تعتقدون في حبّهم وتأييدهم لكم، يفضلون كل الأمراض والأهوال عن وجودكم بينهم، كأنكم ذلك الجمل مطلي به القار أجرب.. هكذا يقال عنكم، يا من كنتم في القريب مدخل المسرّة والفرح، يسعد من يعاشركم، وتتسع بلادكم لكل الأخوة والأصدقاء. إخوتي في العراق جميعكم ولا أستثني منكم أحدا: أفيقوا مما أنتم فيه، فقوتكم في وحدتكم، ناهيك على أننا نحن، العرب، اليوم في حاجة ماسة لدوركم، حتى لو اكتفى بالمشاغبة، فقد خمدت كل الأصوات بعد احتلال العراق، وتوسّعت دائرة خلافاتنا في كل بلد عربي، وشملت حتى القضايا المشتركة. على الذين يعتبرون ما يحدث في العراق مسألة خاصة، أن يروا كيف تتصرّف الأمم الأخرى في أزمنة الأزمات، فالحرب الداخلية في العراق، هي التي استند عليها البعض لإحداث مزيد من التأزم بين الفلسطينيين واللبنانيين والسودانيين، على اعتبار أنها النهاية القصوى لانتكاسة الأمة، حيث لا يكمن هنا الفصل بين ما هو عام وما هو خاص. يا أهل العراق: انظروا مليّا إلى من كانوا يتفاعلون مع مقاومتكم، كيف يحاولون اليوم دون وصول ما يسد البطون للباقين من العراقيين، والهدف تفريغ البلاد من أهلها، حتى يصبح الوجود العراقي مثل ذكريات أمم سادت ثمّ بادت.. فالأمر عندكم وحدكم، ولا تستسلموا لليأس فتلقوا بأنفسكم في أحضان شياطين الجن والإنس من كل الملل والنحل، لأن تنوّعكم الثقافي والعرقي والديني سابق على كل أمم الدنيا.. إنكم، رغم الفتنة والداء والدّمار عائدون إن اجتهدتم للخروج من أزمتكم دون انتظار الدّعم من أحد إلا من خالقكم.