إنقاذ 300 مليار دولار من عبث اقتصاد البازار
عندما يتسول بلد بحجم مصر من أجل اقتراض عشرين مليار دولار، يقول إخوانه أنها تكفي لتمويل مشروع نهضة الإخوان بمصر، فلا بد لبلد بحجم الجزائر، يملك فائضا يقترب من 300 مليار دولار أن يتسول في سوق الأفكار الأهلي، بحثا عن تدبير غير تقليدي يجنب جيل اليوم وأجيال الغد مذلة شراء القوت من أسواق الغير بما بقي من قطرات النفط.
حسب تقديرات حديثة لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، ودوائر مالية غربية، فإن الفائض المالي من العملة الصعبة للجزائر سوف يتجاوز في حدود 2016 سقف الـ300 مليار دولار، أي قريبا من الفائض المالي الحالي لدولة مثل الإتحاد الروسي: أكبر مصدر للنفط والغاز في العال.
وإذا كانت مثل هذه التوقعات تسعد البعض ومنهم الحكومة، فإنه ينبغي للعقلاء في الحكومة وخارج الحكومة أن يستحوذوا من انتشار المعلومة بين عامة الناس، ومنهم تحديدا تلك الشريحة الواسعة من الشباب العاطل، وشعب الغلابة الضائع في شعاب الاقتصاد الموازي وفي البطالة المزمنة، لأن المعلومة هي وحدها إدانة لا ترد للحكومات المتعاقبة، وإشهاد قاهر على أنها حكومات مفلسة عاجزة، لا تختلف كثيرا عن المجالس المحلية المنتخبة التي تعجز عن إنفاق ما يصلها من مخصصات من الميزانية، فتضطر لإرجاعها عند نهاية التسيير المالي.
فمن سخرية القدر، أن البلد الذي سخر منه صندوق النقد الدولي في التسعينيات من القرن الماضي، وأهان كرامته وسيادته ، هو الذي يغازله اليوم نفس الصندوق على عشرين مليار دولار يقترضها لدعم مجهود إنقاذ منطقة اليورو المفلسة، وأكثر من ذلك سخرية، أن تواصل الحكومة قرع آذاننا بخطاب فج أحمق، حول جهودها المضنية لجلب وتشجيع الاستثمار الأجنبي، في الوقت الذي يوظف الفائض المالي الوطني في مصارف الغرب، مقابل محصول ربوي هزيل، لا يغطي حتى العشر من نسبة التضخم العالمي.
.
فاقد الذاكرة يمجد حقبة الموز والكيوي
منذ أسبوع أجمعت النخبة، وهي على قلب رجل واحد، على تمجيد عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، وأغدقت عليه من المديح المعزز بأفعال التفضيل، وصيغ المبالغة، حتى كدت أشكك في ما علق في ذاكرتي عن حقبة ليست بعيدة، كان أهم معلمها المفجعة، الانتقال المرتجل بالبلد، من بلد يجتهد لبناء اقتصاد يعتمد على الإنتاج، وبناء قاعدة واسعة للتشغيل الدائم، إلى بلد شغلت الحكومة شعبها بحاويات الموز والكيوي، حتى جاءت الصدمة النفطية، وانهارت أسعار المحروقات، وفرغت الخزينة، لتبدأ مرحلة التسول عند أبواب الآفامي.
“من السخرية أن تؤذي الحكومة آذاننا بما تبذله من جهود لجلب الاستثمار الأجنبي، في الوقت الذي يوظف الفائض المالي الوطني في مصارف الغرب، مقابل محصول ربوي هزيل، لا يغطي حتى العشر من نسبة التضخم العالمي”
تحت مسميات كثيرة، سوقت لنا الحكومات المتعاقبة جملة من الأساطير والخرافات، منذ التخلي عن السياسة التي بدأها الراحل بومدين باحتشام وتردد، وانتقال الصفوة، قبل وبعد الرحيل إلى اقتصاد السوق، ومنه إلى الاقتصاد الريعي الصرف واقتصاد البازار، بدأت بتحطيم القطاع الإنتاجي العمومي، بحجة الإفلاس وضعف الأداء والمنافسة، وانتهاء بتجريد الدولة من دور المستثمر الأول في المنظومة الاقتصادية، ثم تجريديها من دور المنظم للسوق، بتحرير وخصخصة التجارة الخارجية، وأخيرا بتحويل وظائفها الملكية إلى أدوات طيعة خدومة، صانعة للريع لفائدة القطاع الخاص الوطني والأجنبي.
غير أن الحقائق على الأرض لا تكذب، فقد فككت القاعدة الصناعية العمومية، دون قيام قطاع إنتاجي خاص ذي معنى، قادر على قيادة الاقتصاد، أو يستجيب لمتطلبات توفير مناصب الشغل، وكل ما حصدناه من اقتصاد السوق، هو قيام قطاع خاص كمبرادوري، وصفه أويحيى نفسه باقتصاد الاستيراد والاستيراد، في عبارة هي ترجمة دقيقة لاقتصاد البازار، القائم على الريع التجاري.
.
ما حك جلد الاقتصاد إلا ظفر الدولة
وعلى صعيد آخر، لم يغير الانتقال إلى اقتصاد السوق من المعادلة التي كانت قائمة في زمن الاقتصاد الموجه، حيث بقيت نسبة عوائد الأنشطة خارج المحروقات تتراوح بين ثلاثة وخمسة في المائة، وسوف تظل كذلك ما لم نستعد دور الدولة كمستثمر أول، وكقائد لقاطرة قطار الاقتصاد، دون العودة بالضرورة إلى الاقتصاد الموجه، الذي أعاق من قبل نمو القطاع العمومي بطائفة من المعوقات، وبتحميله أعباء اجتماعية وجبائية كانت وراء إخفاقاته التي لا تنكر.
مما لا شك فيه أن من أهم أدوار الدولة الحديثة في الاقتصاد، هو الحرص على تنمية المناجم الجبائية، بتشجيع خلق المؤسسات الإنتاجية والخدمية المنتجة للعوائد الجبائية المصدر الأول والوحيد لتمويل خزينة الدولة.
ثمة حقيقة لا يختلف عليها عاقلان، وهي أن التنمية لا يصنعها الخواص، لا من المستثمرين الأجانب ولا حتى من أبناء الوطن، وأن الدولة وحدها هي من يصنع التنمية المتناغمة، عبر اعتماد سياسات واضحة تسخر بكفاءة موارد الدولة والبلد: المالية، والبشرية، والمادية، لأن الغاية الأولى للتنمية ليست، ولا ينبغي أن تكون فقط خلق الثروة، بل إعادة توزيعها بقدر من العدل، من أجل تجسيد الوظيفة ألأولى للدولة، المسؤولة عن السلم الاجتماعي، ثم تسخير السياسات الاقتصادية لتحقيق جملة من التوازنات، مثل التوازنات الجهوية، وأهداف كثيرة لها صلة بالأمن القومي، لا يمكن للقطاع الخاص أن يلتفت إليها حتى حين يكون متشبعا بالروح الوطنية.
.
استرجاع أموال الشعب لبناء اقتصاد الأمة
لأجل ذلك لا بد من العودة إلى مسار تستعيد فيه الدولة دور القيادة للإقاصاد، ليس بأدوات الاقتصاد الليبرالي، التي تكشف الأزمات الاقتصادية المتلاحقة عن عوراتها الكثيرة، ولا عبر أدوات التوجيه الإداري البيروقراطي، ولكن بتسخير الجزء الأكبر من العوائد المالية وتوجيهها نحو الاستثمار الإنتاجي والخدمي عبر القطاع العمومي، في القطاعات الإستراتجية الموجهة والقائدة للاقتصاد، ولا ضرر بعد ذلك أن تطرحها للخصخصة عند الحاجة، وتحول عوائد الخصخصة إلى مصدر متجدد لتمويل الاستثمار العمومي، في دورة لا تتوقف، وتكون وقتها قد حققت جملة من الغايات والأهداف هي الآن ممتنعة في هذا الاقتصاد الحر المنفلت.
الآن وقد ثبت لنا استحالة توجيه القطاع الخاص الوطني نحو الاستثمار المنتج، الذي لا يخضع فقط لمنطق الربح، وثبت لنا استحالة إغراء الاستثمار الأجنبي على المشاركة في التنمية الوطنية إلا وفق شروطه، وتبعا لغرائزه التي توجهه نحو الاستثمار في قطاع المحروقات الريعي دون سواه، وفشلت جميع سياسات تشجيع الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي، فإنه لم يبق لنا سوى أن تبادر الدولة إلى إعادة توطين الفائض المالي الضخم في منظومة استثمارية عمومية وطنية صرفة، تخلق آلاف المؤسسات الإنتاجية والخدمية، تعمل بمواصفات ومقاييس اقتصاد السوق، على غرار المؤسسات العمومية الأوروبية الكبرى.
غير أن هذا التوجه يحتاج إلى تبني الدولة المسبق لسياسة اقتصادية واضحة، تأخذ بعين الاعتبار مقدرات البلاد، والتأخر التكنولوجي المتراكم، وتأخذ بعين الاعتبار خاصة ما هو متاح في التقسيم العالمي للعمل، حتى لا نسقط في خيارات قاتلة.
.
تنشيط مناجم التمويل النائمة
فقد بينت في مقالات سابقة كيف أن الجزائر، ومعظم الدول العربية، وكثيرا من الدول النامية، لم تعد مالكة لفرص الدخول في منافسة ذات معنى مع الاقتصاديات الغربية عالية التقنية، المستفيدة من تفوقها في مجال البحث العلمي والابتكار، أو تدخل في منافسة مع القوى الأسيوية الصاعدة في باقي الأنشطة الصناعية التنافسية المعتمدة على اليد العاملة الرخيصة، وأن فرصتنا في الجزائر وفي العالم العربي موجودة في قطاع صناعة الطاقات البديلة، وتحديدا الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وفي الفلاحة، متى ما وجدنا حلولا غير تقليدية لمشكل شح المياه، وهي قطاعات ثلاث في متناولنا من الناحية التكنولوجية، ومن جهة وفرة الموارد المالية، ولها هامش واسع من الصناعات المتنوعة تقام عند المنبع كما عند المصب، توفر مئات الألوف من مناصب الشغل، ولها سوق عالمية مضمونة ومفتوحة.
“الحقيقة التي لا يختلف عليها عاقلان، هي أن التنمية لا يصنعها الخواص، أجانب كانوا أم من أبناء الوطن، وأن الدولة وحدها هي من يصنع التنمية المتناغمة، عبر اعتماد سياسات واضحة تسخر بكفاءة موارد الدولة والبلد”
وقد قدمت لمثل هذا الخيار في مقالات سابقة، وسوف أعود لها مجدد في مقالات لاحقة، كما سوف أخصص سلسلة من المقالات، تتعرض للمناجم والفرص القائمة لتمويل استثمار وطني عمومي شعبي، يعفينا من التسول في الأسواق الربوية العالمية، هي الآن مجمدة، مثل منجم العقار الذي يجمد عشرات المليارات من الدولارات من المدخرات، لا تشارك في الدورة الاقتصادية، وبوسعنا تنشيطه عبر سياسة جديدة للرهن العقاري المرتبط بالاستثمار، أو حيال الأموال التي توجه لدعم الاستهلاك دون أن يكون فيه للاستهلاك أي أثر على الدورة الاقتصادية الوطنية، وأفكار أخرى لا تلتفت إليها الصفوة الحاكمة، المنشغلة باقتسام الريع السياسي والمالي، وتسيير المنظومة الضامنة لبقاء الفاسد.
.
إعادة تمليك المواطن سهمه في الوطن
وقبل ذلك، أريد أن أحرر مع القارئ أمرين: الأول أنه، وبحكم الدستور والقوانين السارية، فإن مجموع المال العام، ومنه هذا الفائض المودع في المنظومة المصرفية العالمية، هو ملك للشعب، لا تملك الدولة والسلطة منه سوى حق التصرف فيه بالوكالة وليس بالأصالة، وأنه حق لنا، كمواطنين، أن يكون لنا رأي في الكيفية التي يصرف بها، ليس عبر مؤسسات الحكم الحالية، ولا حتى تلك التي توفرها ديمقراطية فعلية، والتي هي في الغالب مؤسسات نصب واحتيال على الشعوب، بل نتدبر طرقا جديدة تضمن إشراك المواطنين في الفصل والتحكيم والحسم، تماما كما هو متاح لحاملي الأسهم في الشركات التساهمية، والوطن يفترض أن يكون شركة مساهمة، كل مواطن فيها حامل لسهم، وبالتالي مالك لصوت مقرر.
أما الأمر الثاني، فيتعلق بواجب تدبر وسائل ووسائط جديدة، توسع من دائرة الاستشارة في التفكير، والتدبر، والابتكار، وتوليد الأفكار والحلول غير التقليدية، حتى لا تبقى حكرا على حفنة من التقنوقراط والمستشارين الحكوميين، ولا حتى على أحزاب السلطة والمعارضة، لأن هؤلاء منشغلون مثل الحاكم باقتسام الريع والتقاتل عليه، وسوف نكتشف مناجم لا تنضب من الأفكار الجديدة المبدعة عند الخاصة من المتعلمين، والجامعيين، والأكاديميين، والمثقفين، والإعلاميين، كما عند عامة الناس، تحتاج فقط إلى أذان صاغية، وأدوات مؤسساتية منهجية، تغربلها وتنتقي أفضلها لصناعة أكثر من بديل وخطة، تساعد صانع القرار على تبني السياسات الأنجع لحل مشاكل البلد، وابتكار حلول خلاقة، تنهي حالة التبعية للفكر المستورد، الذي أهو أخطر علينا من أي شكل من أشكال التبعية.