العالم
بهدف فرض توازنات في الإقليم

إيران تعيد هندسة الحرب في الخليج… استراتيجية هجومية لفرض معادلة ردع جديدة

عبد السلام سكية
  • 531
  • 0
ح.م
تعبيرية

يقدّم الباحث الإيراني في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، ومعهد كليندال الهولندي للعلاقات الدولية في لاهاي، حميد رضا عزيزي، قراءة تحليلية عميقة للتحوّل الذي طرأ على الاستراتيجية العسكرية الإيرانية، معتبرًا أن طهران لم تعد تكتفي بمنطق الردع التقليدي، بل انتقلت إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك عبر مقاربة هجومية مركّبة.

وفي مقابلة مع معهد مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط، يشرح عزيزي كيف تحاول إيران إدارة الصراع ليس فقط عسكريًا، بل أيضًا سياسيًا واقتصاديًا، بهدف فرض توازنات جديدة في الإقليم.

من الردع الدفاعي إلى فرض معادلة بالقوة
يرى عزيزي أن التحول الأبرز يتمثل في انهيار فعالية نموذج الردع السابق الذي اعتمدته إيران لسنوات، والذي كان قائمًا على الجمع بين تأمين العمق الاستراتيجي عبر الحلفاء الإقليميين، والتهديد بالرد العسكري المباشر. غير أن هذا النموذج، بحسبه، أظهر اختلالًا واضحًا، حيث طغى “الردع عبر المنع” على حساب “الردع عبر العقاب”، ما أفقد التهديدات الإيرانية جزءًا من مصداقيتها.
اليوم، تغيّر هذا الواقع بشكل جذري، إذ لم تعد إيران تكتفي بالتهديد، بل انتقلت إلى توظيف قوتها الصاروخية والمسيّرة بشكل فعلي، مستهدفة منشآت حساسة، في محاولة لإعادة بناء الردع من خلال فرض كلفة مباشرة على الخصوم. ويؤكد عزيزي أن هذه المقاربة لا تعكس رد فعل ظرفي، بل تمثل تأسيسًا طويل الأمد لمعادلة ردع جديدة “تحت النار”.

إعادة تعريف ساحة المعركة: من نزاع ثنائي إلى حرب إقليمية
ضمن هذا التحول، يبرز عنصر أساسي يتمثل في توسيع نطاق الحرب جغرافيًا. فبحسب عزيزي، لم تعد إيران تنظر إلى المواجهة كصراع مباشر مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل كحرب متعددة المستويات تشمل عدة جبهات مترابطة، من لبنان والعراق إلى الخليج والممرات البحرية الحيوية.
هذا التوسيع ليس عشوائيًا، بل يهدف إلى خلق بيئة عملياتية معقدة، تُجبر الخصوم على توزيع قدراتهم العسكرية، وتُدخلهم في حالة استنزاف استراتيجي مستمر. كما يساهم في إرباك التخطيط العسكري، من خلال إبقاء احتمالات التصعيد مفتوحة على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.

مضيق هرمز: أداة ضغط لا ورقة حسم
في سياق أدوات الضغط، يحتل مضيق هرمز موقعًا محوريًا في الاستراتيجية الإيرانية، غير أن عزيزي يشدد على أن أهميته تكمن في كونه جزءًا من منظومة أوسع، وليس أداة حسم منفردة.
فإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه يسمح لطهران بالتأثير على أسواق الطاقة العالمية وخلق ضغط سياسي على خصومها، لكنه لا يكفي وحده لتغيير مسار الحرب. لذلك، تعتمد إيران على تكامل هذه الورقة مع أدوات أخرى، مثل الضربات الصاروخية، واستهداف القواعد العسكرية، وإمكانية فتح جبهات بحرية إضافية.
كما يلفت إلى أن الاستخدام الانتقائي للمضيق أكثر فعالية من الإغلاق الكامل، الذي قد يمنح مبررًا لتدخل عسكري دولي واسع.

الاستنزاف كخيار استراتيجي طويل الأمد
أحد أبرز ملامح الاستراتيجية الإيرانية، وفق عزيزي، هو تبنّي منطق الاستنزاف بدل الحسم السريع. فطهران، كما يوضح، تراهن على أن خصومها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، أقل قدرة على تحمّل كلفة حرب طويلة، سواء لأسباب داخلية أو اقتصادية أو لوجستية.
لكن هذا الخيار ينطوي على مخاطر، إذ إن الاستنزاف لا يطال طرفًا واحدًا. فمع مرور الوقت، تتزايد الضغوط على الداخل الإيراني، سواء من حيث البنية التحتية أو الاستقرار السياسي أو الوضع الاقتصادي. ويؤكد عزيزي أن نجاح هذه الاستراتيجية مرهون بقدرة إيران على تحقيق نتائج ملموسة، وإلا فإنها قد تتحول من أداة ضغط إلى عبء استراتيجي.

حزب الله: دور متحوّل ضمن منظومة أوسع
في ما يتعلق بدور حزب الله، يوضح عزيزي أن مكانته لا تزال مهمة في الحسابات الإيرانية، لكنها تغيّرت من حيث الوظيفة. فبعد أن كان يشكّل ركيزة أساسية في الردع الإيراني، أصبح اليوم جزءًا من منظومة أوسع متعددة الأدوات.
ويشير إلى أن الحزب يتكيّف مع هذا التحول عبر اعتماد تكتيكات أكثر مرونة، تتيح له مواصلة الضغط على إسرائيل، والمساهمة في استنزاف قدراتها، دون تحمّل العبء الكامل للمواجهة. وفي الوقت ذاته، تحرص إيران على أن يكون أي مسار تفاوضي مستقبلي مرتبطًا بمصير هذه الجبهة، منعًا لإضعاف أحد أهم عناصر نفوذها الإقليمي.

بين الحرب والتفاوض: معادلة “التفاوض تحت النار”
في ختام تحليله، يتناول عزيزي فرص التسوية السياسية، معتبرًا أن إيران ستتعامل مع أي مبادرة دبلوماسية بحذر شديد. فهي، من جهة، لن تقبل مقترحات ترى أنها تهدف إلى تقليص نفوذها، ومن جهة أخرى، لن تغلق الباب أمام الاتصالات غير المباشرة.
ويشير إلى أن طهران تسعى إلى التفاوض من موقع قوة، مستفيدة من أوراق الضغط التي تمتلكها، وعلى رأسها القدرات الصاروخية والتحكم بالممرات البحرية. غير أن الفجوة بين الرؤيتين الأميركية والإيرانية لا تزال عميقة، حيث يسعى كل طرف إلى فرض تصور مختلف لنهاية الحرب.
لذلك، يخلص عزيزي إلى أن السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة الراهنة ليس التوصل إلى اتفاق شامل، بل استمرار حالة “التفاوض تحت النار”، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع المساعي الدبلوماسية، في انتظار تغيّر موازين القوى أو نضوج شروط تسوية مقبولة للطرفين.

مقالات ذات صلة