الجزائر
ثورة في علاج اضطرابات نظم القلب

ابتكارات طبية حديثة تعزز فرص الشفاء وتقلص خطر الوفاة

نادية سليماني
  • 277
  • 0

تشهد أمراض القلب، وخاصة اضطرابات نظم القلب، تحولا نوعيا غير مسبوق بفضل التقدم المتسارع في التقنيات الطبية والتطور المستمر في أدوات التشخيص والعلاج. فبعد أن كانت كثير من اضطرابات النظم ترتبط بمضاعفات خطيرة وتفرض على المرضى مسارات علاجية طويلة ومعقدة، أصبح الطب الحديث اليوم قادرا على التدخل بدقة أكبر وفي مراحل مبكرة، ما ساهم في تحسين فرص العلاج وتقليص نسب الوفيات والحد من التأثيرات التي تنعكس على جودة الحياة.

هذا التطور لم يعد يقتصر على اكتشاف الأدوية فحسب، بل امتد إلى تقنيات متقدمة تعتمد على الخرائط الكهربائية للقلب، وأجهزة ذكية قابلة للزرع، وحلول علاجية أقل تدخلا وأكثر أمانا، إلى جانب إمكانيات المراقبة الطبية عن بعد.
وفي هذا السياق، جاءت المداخلة العلمية التي قدمها البروفيسور محمد تهمي، رئيس الجمعية الجزائرية لاضطرابات نظم القلب، بجامعة تلمسان، لتسلط الضوء على أبرز الابتكارات التي أعادت تشكيل هذا التخصص الدقيق، وفتحت آفاقا جديدة نحو طب أكثر دقة وتخصصا وإنسانية في التعامل مع المرضى.
واستعرض البروفيسور محمد تهمي، رئيس الجمعية الجزائرية لاضطرابات نظم القلب، خلال مداخلة علمية بجامعة تلمسان حول “الابتكارات في الطب”، أبرز الإنجازات الحديثة التي غيرت واقع هذا التخصص الدقيق وساهمت في رفع نسب النجاح العلاجي وتقليل المضاعفات.

الاستئصال القلبي… من علاج معقد إلى إجراء دقيق

من أبرز التطورات التي شهدها مجال اضطرابات نظم القلب، بحسب البروفيسور، تقنية الاستئصال القلبي التي أصبحت اليوم خيارا علاجيا أساسيا للعديد من الحالات المرتبطة بالخلل الكهربائي داخل القلب.
وأوضح المتدخل، أن هذه التقنية تعتمد على تحديد البؤر المسؤولة عن الاضطراب ثم تعطيلها بدقة، ما يسمح بإعادة انتظام ضربات القلب دون الحاجة إلى تدخلات أكثر تعقيدا.

البروفسور محمد تهمي: الجزائر تواكب التحول نحو طب القلب الدقيق

وقد ساهم اعتماد أنظمة الخرائط الكهربائية ثلاثية الأبعاد في تحقيق قفزة كبيرة داخل هذا المجال، إذ بات الأطباء قادرين على رسم النشاط الكهربائي للقلب بدقة عالية، الأمر الذي حسن نتائج العلاج وقلل من نسب الخطأ والمضاعفات.

الرجفان الأذيني… علاجات أكثر تطورا وأقل ضررا

وتطرق البروفيسور محمد تهمي، لمرض الرجفان الأذيني، الذي يعد بحسبه، من أكثر اضطرابات نظم القلب انتشارا، وهو ما جعل الأبحاث الطبية تتجه نحو تطوير وسائل أكثر فعالية للتعامل معه.
وأشار، إلى أن “فهم الدور الذي تلعبه الأوردة الرئوية في نشأة هذا الاضطراب، ساعد على تطوير استراتيجيات علاجية جديدة، أبرزها الاستئصال باستعمال الترددات الراديوية أو تقنية التجميد”.

كما ظهرت تقنية حديثة تعرف “بالإلكتروبوريشن” أو المجال النبضي، التي تمثل تطورا مهما لأنها تتيح عزل المناطق المسببة للاضطراب دون الاعتماد على الحرارة، ما يساعد على حماية الأنسجة السليمة المحيطة وتقليل الآثار الجانبية.

أجهزة ذكية تراقب القلب وتتكيف مع المريض

ولم تتوقف الابتكارات عند حدود التدخلات العلاجية، بحسب المختص، بل امتدت إلى أجهزة تنظيم ضربات القلب ومزيلات الرجفان القابلة للزرع، والتي أصبحت أكثر ذكاء وفعالية مقارنة بالأجيال السابقة.
وتعتمد هذه الأجهزة الحديثة على حساسات دقيقة وخوارزميات متطورة تسمح لها بالتكيف مع النشاط اليومي للمريض، وتقديم العلاج في الوقت المناسب مع الحد من الصدمات الكهربائية غير الضرورية.
ويضيف رئيس الجمعية الجزائرية لاضطرابات نظم القلب، أن من بين أبرز الإضافات التي عرفها هذا المجال، إمكانية المراقبة الطبية عن بعد، حيث يمكن متابعة حالة المريض بشكل متواصل دون الحاجة إلى التنقل المتكرر إلى المستشفى، إضافة إلى ظهور أجهزة تزرع تحت الجلد تقلل من المضاعفات المرتبطة بالأسلاك والأقطاب التقليدية.
ليؤكد تهمي، بأن السترة المزيلة للرجفان، باتت تعتبر حماية مؤقتة لإنقاذ الأرواح، وحسبه، فإن التقنية الحديثة والمتمثلة في السترة المزيلة للرجفان القابلة للارتداء، وهي حل طبي موجه للمرضى المعرضين لخطر الموت القلبي المفاجئ.
وتوفر هذه السترة مراقبة مستمرة لنشاط القلب، وتتدخل تلقائيا عند اكتشاف اضطرابات خطيرة من خلال إرسال صدمة كهربائية قد تنقذ حياة المريض.
وتكتسي هذه التقنية، بحسب قوله “أهمية خاصة لدى مرضى قصور القلب أو الأشخاص الذين ينتظرون زرع جهاز دائم، حيث تمنحهم حماية مؤقتة خلال الفترات الحرجة.”
وختم البروفسور، محمد تهمي، مداخلته بالتأكيد على أن الجزائر “تواكب التحول نحو طب القلب الدقيق”، معتبرا، أن هذه الابتكارات لا تمثل مجرد تطور تقني، بل تعكس انتقال الطب الحديث نحو مقاربة أكثر دقة وتخصصا، تركز على تحسين جودة حياة المرضى وتقليص نسب الوفيات المرتبطة بالأمراض القلبية الوعائية.
كما أشار، إلى أن عددا من هذه التقنيات أصبح متوفرا ويتم التحكم فيه داخل الجزائر، وهو ما يعكس تطور الكفاءات الطبية الوطنية وقدرتها على مواكبة أحدث ما توصل إليه العلم في مجال أمراض القلب.

مقالات ذات صلة