-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ابنة “دوغين” وإرهاب الغرب

ابنة “دوغين” وإرهاب الغرب

تم تفجير سيارة ابنة الفيلسوف الروسي “الإسكندر دوغين” في ضواحي موسكو صباح الأحد الماضي كان الهدف هو قتل الأب والبنت معا. نجا الأب الذي استقل سيارة بمفرده على غير العادة، ولم تنجُ البنت. تناولت جميع وسائل الإعلام الغربية الحدث. ولا واحدة منها وصفت العملية بالإرهابية. كلها تحدّثت عن عملية تفجير وكفى. عن استهداف سيارة ابنة “إيديولوجي” متطرّف روسي لم تصفه حتى بالفيلسوف أو المفكر أو أستاذ الجيوبوليتيك أو المنظِّر لقوة الكتلة الأوراسية (المنطقة التي تجمع طرفي أوربا وآسيا). بعض هذه الوسائل أَلْمح إلى أنه تم توجيه ضربة لعقل “بوتين” كما تُسَمِّي بعض وسائل الإعلام الغربية “الإسكندر دوغين”… وكأنهم يريدون القول إنه تم استهداف المادة الرمادية لهذا الرئيس الروسي الذي أَذَلَّ الغرب بعد أن  ظَن في العقود الأخيرة أن لن يقدر عليه أحد.

عملية إرهابية بجميع الشروط، ينبغي الوقوف عندها: المستهدفان من المدنيين والضحية (داريا دوغينا، 29 سنة)، صحفية وباحثة في العلوم السياسية ومحللة تلفزيونية للأحداث الدولية، مؤيدة للعمليات العسكرية في أوكرانيا باعتبارها دفاعا عن النفس، ومؤكدة فكرة والدها القائل منذ سنوات إنه لا مفر من التدخل في أوكرانيا للحفاظ على الأمن القومي الروسي.

أما “الإسكندر دوغين” فقد نَظَّر لكيفية تحول روسيا إلى قوة عظمى عبر التحالف مع القوى الأوراسية الأخرى وبخاصة الجمهوريات السوفياتية السابقة، وشَرَح نظريته المعروفة بالنظرية السياسية الرابعة (في كتابه الذي يحمل نفس العنوان) البديل عن الليبرالية والاشتراكية والفاشية. وفحواها أن تعود كل أمة إلى قيمها وجذورها التاريخية لبناء نظريتها السياسية ولا حاجة لها للتراث الفكري والسياسي والفلسفي الغربي أو الإغريقي الروماني. وعَبَّر عن إعجابه بالتراث الفكري والسياسي الإسلامي وبقيم الحضارة الإسلامية، واستغرب كيف للشعوب الإسلامية ذات الحضارة والتاريخ العريقين، أن لا تَتميز عن الغرب، وأن لا تعود إلى تراثها لأجل بناء تجربتها السياسية بعيدا عن ما يسعى الغرب إلى فرضه عليها باسم عولمة الديمقراطية وحقوق الإنسان.. واعتبر ذلك هو جوهر النظرية السياسية الرابعة؛ أي أن تعود كل أمة إلى تراثها لبناء تجربتها السياسية والاجتماعية بعيدا عن ما سعى الغرب إلى فرضه عليها من نظريات. بمعنى آخر أنَّ “دوغين” ليس فقط منظرا جيواستراتيجيا، بل هو مفكرٌ خارج إطار المنظومة الغربية السائدة. وهو ما جعله أحد الأهداف المُفَضَّلة للإرهاب الغربي، وجعل ابنته “داريا” تدفع الثمن بدلا عنه.

لقد ذكر الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي في إحدى محاضراته: أعطوني أيَّ حركةٍ قام بها “بوتين” على الصعيد الجيواستراتيجي، وأنا أدلكم عن الصفحة بالضبط التي ذكر فيها “الإسكندر دوغين” ذلك! مِن ضمِّ القرم إلى التدخل العسكري في أوكرانيا!

 وبالفعل، فإن كتبه الكثيرة (أساسيات الجغرافية السياسية، من أجل عالم متعدد الأقطاب، نداء أوراسيا… الخ)، تصبُّ جميعا في حث العالم غير الغربي لعدم الخضوع لهيمنة القوى الليبرالية والاستعمارية السابقة. ولذلك فإن الغرب يتعمَّد عدم ترجمتها أو الترويج لها، كما يُرَوِّج لمنظري الليبرالية ونهاية التاريخ وانتصار القيم الديقراطية… وكما يتعمَّد تشويه الإسلام والكونفوشيوسية وغيرها من التقاليد الشرقية تحت عنوان محاربة التطرُّف والإرهاب ونشر المدنية والعَصْرنة، يتعمّد تشويه أفكار “دوغين”… وكما قتل أو قام بتحييد أو تشويه كثير من علماء الحضارات الشرقية سعى اليوم إلى قتل دوغين، فدفعت الثمن ابنته بدلا عنه.

إنه دليلٌ آخر لنا، لِنُدرك أن استعلاء الغرب، وسَعيه إلى الهيمنة الدائمة على العالم، إنما تجعله يستخدم ذات الأساليب مع كل من أراد الخروج عن الصف.. لا يختلف عنده في ذلك المسلم أو غير المسلم.. كلهم سواء.. ما داموا لهيمنته رافضين.. وما دام “دوغين” قد كتب ونظّر لكل هذا، فالأولى أن يتم القضاءُ عليه.. وحتى وإن ذهبت ابنته ضحية، لا نسمي ذلك إرهابا!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!