العالم
الباحثة في الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني ياسمين وليد قاسم لـ"الشروق":

اتفاق غزة يرتب التزامات قانونية… وانهياره لا يعفي الاحتلال من المسؤولية

لم يعد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مجرد ترتيبات سياسية لوقف العمليات العسكرية، بعدما أفرز التزامات محددة على أطرافه، وتداخل مع قرارات دولية وقواعد مستقلة من قواعد القانون الدولي، ما يجعل خرقه أو التنصل منه مسألة تتجاوز حدود الخلاف السياسي إلى دائرة المسؤولية القانونية.

ومع استمرار الخروقات الإسرائيلية منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، وعدم استكمال عدد من الترتيبات المرتبطة بالانسحاب وإدخال المساعدات والانتقال إلى المراحل اللاحقة، تبرز أسئلة قانونية حول طبيعة الاتفاق، والمعايير التي تفصل بين مجرد الخرق والتنصل والانهيار، والمسؤولية المترتبة على الطرف الذي يقوض التزاماته ويؤدي إلى استئناف العمليات العسكرية.

وفي هذا الحوار مع الشروق، تتناول الباحثة في الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني ياسمين وليد قاسم الطبيعة القانونية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وحدود الالتزامات التي تظل قائمة حتى في حال انهياره، ومسؤولية الاحتلال عن خرقه، فضلًا عن مسؤولية الدول التي اضطلعت بدور الوسيط أو الضامن، وأدوار مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في مساءلة الأطراف، وإمكان جبر الأضرار والتعويض عن الخسائر التي لحقت بقطاع غزة.

ما الطبيعة القانونية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وهل يشكل التزامًا قانونيًا ملزمًا لأطرافه أم مجرد تفاهم سياسي؟

إن تحديد الطبيعة القانونية لاتفاق وقف إطلاق النار لا يرتبط بالاسم او المقترح الذي أُطلق عليه، وإنما بما تضمنه من التزامات واضحة ومحددة، وبطبيعة الإجراءات المرتبطة بتنفيذه ومراقبته، وبمدى التزام الأطراف بها فوقف إطلاق النار في الأصل هو تعليق الأعمال العدائية والعمليات العسكرية، وقد يكون مؤقتًا أو مفتوح المدة، ولا يعني بالضرورة انتهاء الحرب أو النزاع المسلح أو إنهاء حالة الاحتلال، وإن كان يمكن أن يشكل خطوة نحو تسوية النزاع. فمن الناحية القانونية، ينبغي التمييز بين الاتفاق الذي ينشئ التزامات محددة بين أطرافه، وبين التفاهم السياسي الذي لا يتجاوز إطار إعلان النوايا ولذلك، فإن تحديد ما إذا كان الاتفاق ملزمًا يستلزم النظر إلى نصوصه وما رتبه من التزامات على أطرافه، سواء ما تعلق بوقف الأعمال العدائية، أم الانسحاب وإعادة انتشار القوات، أم الإفراج عن المحتجزين، أم فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية، أم تسهيل حركة المدنيين والمرضى، أم عودة النازحين، أم ترتيبات إعادة الإعمار، إلى جانب آليات المتابعة والتحقق من تنفيذه ولذلك، فإن الاتفاق الذي يتضمن التزامات محددة وقابلة للتنفيذ لا يمكن اختزاله في مجرد إعلان سياسي أو تفاهم غير منتج لآثار قانونية.

وفي حالة قطاع غزة، فإن اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 لم يكن مجرد إعلان عام لوقف الحرب، بل جاء في إطار ترتيبات محددة تم التوصل إليها من خلال مفاوضات شرم الشيخ بين الفصائل الفلسطينية وبمشاركة الولايات المتحدة وقطر ومصر وتركيا، وتضمن التزامات وترتيبات تتعلق بوقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية، وفتح المعابر، وتسهيل حركة المرضى والسكان، والانسحاب، وتهيئة الظروف للتعافي وإعادة الإعمار ومن ثم، فإن تقييم الطبيعة القانونية للاتفاق لا يتوقف على كون طرفيه من الدول فحتى إذا كان أحد أطرافه أو المشاركين فيه من غير الدول (كما في حالة وجود الفصائل الفلسطينية)، باعتبارها حركة تحرير وطني، فإن ذلك لا يعني تلقائيًا أن الاتفاق يفتقر إلى الأثر القانوني أو أنه لا ينشئ التزامات على أطرافه.

وتزداد الأهمية القانونية للاتفاق بالنظر إلى أنه لم يبقَ منفصلًا عن الإطار الدولي الأوسع؛ فقد اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2803 في 17 نوفمبر 2025، بأغلبية 13 عضوًا مع امتناع عضوين عن التصويت، وأيد الخطة الشاملة المتعلقة بإنهاء النزاع في غزة، ودعا إلى تنفيذها بالكامل، بما في ذلك الحفاظ على وقف إطلاق النار وعليه، فإن التوصيف الأدق لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة هو أنه ترتيب اتفاقي أنشأ التزامات محددة يتعين على أطرافه احترامها وتنفيذها، ويترتب على الإخلال بهذه الالتزامات آثار قانونية، دون أن يؤدي الاتفاق، في المقابل، إلى إنهاء الالتزامات الأخرى التي تفرضها قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع.

ما المعايير القانونية التي تحدد ما إذا كان ما يرتكبه أحد الأطراف يُعد خرقًا للاتفاق أم تنصلًا منه وانسحابًا أحاديًا؟

مجرد وقوع انتهاك للاتفاق لا يعني، بصورة تلقائية، أن الاتفاق قد انهار أو أصبح منتهيًا؛ إذ يجب التمييز بين الخرق، والإخلال الجوهري، والتنصل من الاتفاق، والانسحاب الأحادي، والانهيار الفعلي للاتفاق، باعتبار أن لكل حالة شروطها وآثارها القانونية. ولذلك، لا يكفي وصف أحد الأطراف لتصرف الطرف الآخر بأنه خرق، وإنما يجب الوقوف على طبيعة الفعل وآثاره ومدى مساسه باستمرار الاتفاق.

ويعتمد المعيار القانوني لتحديد هذا الفعل المرتكب بالرجوع إلى نص الاتفاق ذاته وما رتبه من التزامات، وتحديد تاريخ بدء سريانها ومدتها ونطاقها الجغرافي والأفعال المحظورة ومراحل التنفيذ والالتزامات الإنسانية وآليات التحقق والمراقبة، إلى جانب الإجراءات التي حددها الاتفاق للتعامل مع أي مخالفة أو انتهاك وبعد ذلك، يُنظر إلى طبيعة الفعل أو الامتناع، ومدى خطورته، وتكراره، وآثاره على تنفيذ الاتفاق، وما إذا كان يمس التزامًا جوهريًا يشكل أساسًا لاستمراره.

وبالتالي، فقد يشكل الفعل خرقًا لالتزام محدد دون أن يعني ذلك بالضرورة تنصل الطرف من الاتفاق أو انتهاءه؛ فالخرق، في صورته الأساسية، يتمثل في مخالفة التزام مع بقاء الاتفاق قائمًا من حيث الأصل أما التنصل أو الانسحاب الأحادي، فيتطلب مؤشرات أقوى، كالإعلان الواضح عن رفض الاستمرار في تنفيذ الاتفاق، أو اتخاذ إجراءات تتعارض بصورة جوهرية تجعل مواصلة تنفيذه مستحيلة أو غير قابلة للتطبيق وقد تناولت المادة 60 من اتفاقية فيينا مسألة الإخلال الجوهري وآثاره، بما يؤكد أنه ليس كل خرق سببًا تلقائيًا لإنهاء الاتفاق.

وفي ما يتعلق بقطاع غزة، فإن تقييم الخروقات لا ينفصل عن الوقائع التي سُجلت منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، حيث وثق ارتكاب جيش الاحتلال الإسرائيلي أكثر من (4،379)، إلى جانب استمرار عمليات القصف وإطلاق النار واستهداف المدنيين والخيام والمناطق السكنية، والقيود المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية.

كما لم يلتزم الاحتلال الإسرائيلي، ببند الانسحاب على النحو المتفق عليه، مع استمرار وجود قواته ومناطق سيطرته داخل قطاع غزة، وامتداد ما يُعرف بالخط الأصفر، الذي كان يحدد في أعقاب وقف إطلاق النار منطقة انتشار مؤقت للقوات الإسرائيلية تغطي نحو (53% ) من مساحة القطاع، ثم توسعت السيطرة، لتصل إلى نحو (70%) من مساحة القطاع، بما رافقه من عوائق أمام دخول القوات الدولية واللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة. وقد أسفرت هذه الخروقات عن استشهاد أكثر من (1،381) فلسطيني، من بينهم ما لا يقل عن (300) طفل، وإصابة أكثر من (4،757) آخرين منذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، فيما ارتفع إجمالي شهداء حرب الإبادة الجماعية إلى أكثر من (73،919) شهيد و(174،977) مصاب، إلى جانب استمرار عرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، بما حال دون استكمال بعض الترتيبات المرتبطة بالانسحاب وإعادة الإعمار وبقية الالتزامات المقررة في المراحل اللاحقة.

في حين يواصل الاحتلال سياسة التجويع وفرض الحصار المشدد وعدم الالتزام الكامل بالترتيبات المتعلقة بإدخال المساعدات؛ إذ ينص الاتفاق على إدخال (600) شاحنة مساعدات يوميا في حين ما يدخل فعليًا ما بين (190 و250) شاحنة يوميًا، ما يعادل نحو (30% إلى 35%) من الحد المطلوب، وبعجز يومي يتجاوز (65%)، ليبلغ إجمالي العجز نحو (66،607) شاحنات مقارنة بنحو (189،000) شاحنة كان يفترض دخولها وفق المدة المنقضية من الاتفاق، إلى جانب عرقلة إدخال الوقود والمعدات الإغاثية والطبية ومستلزمات انتشال ما لا يقل عن (9 آلاف) شهيد من تحت ركام المنازل.

إذا تخلى أحد الأطراف عن الاتفاق، هل يتحرر تلقائيًا من التزاماته، أم تبقى بعض الالتزامات نافذة رغم انهيار وقف إطلاق النار؟

لا يترتب على إعلان أحد الأطراف انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار أو اعتباره منهارًا تحرره تلقائيًا من جميع الالتزامات القانونية الواقعة عليه، إذ تظل بعض هذه الالتزامات نافذة بموجب الاتفاق نفسه أو بموجب قواعد قانونية دولية أخرى مستقلة عنه، فقد تتأثر بعض الالتزامات الاتفاقية بانتهاء الاتفاق أو تعليقه، وفقًا لشروطه والقواعد القانونية المنطبقة، لاسيما في حالات الإخلال الجوهري، إلا أن ذلك لا يعني زوال الالتزامات الأخرى التي تظل قائمة بموجب القانون الدولي.

فالقانون الدولي الإنساني، والاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977، واتفاقية لاهاي لعام 1907، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، فضلًا عن القانون الدولي العرفي لا تستمد وجودها من اتفاق وقف إطلاق النار، وإنما تظل واجبة التطبيق وفقًا لطبيعتها ومصدرها وشروطها القانونية، وتشمل هذه الالتزامات حماية المدنيين، وحظر استهداف الأشخاص والأعيان المدنية، والالتزام بمبادئ التمييز والتناسب، وحماية الجرحى والمرضى والأشخاص العاجزين عن القتال، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية وحظر التجويع أو النقل القسري للسكان، وغيرها من القواعد ذات الصلة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية، في أمرها الصادر في 26 يناير 2024 في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، أن جميع أطراف النزاع في قطاع غزة ملزمة بالقانون الدولي الإنساني. ومن ثم، فإن انتهاء وقف إطلاق النار أو انهياره قد يؤثر في الالتزامات الناشئة عن الاتفاق وآليات تنفيذه، لكنه لا يمحو الالتزامات الدولية المستقلة ولا يتيح للاحتلال الإسرائيلي التذرع بانتهاء الاتفاق لارتكاب الجرائم الدولية أو انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني. وبالتالي، فإن انهيار الاتفاق لا يخلق فراغًا قانونيًا ولا ينهي مسؤولية الأطراف عن الالتزامات التي تظل واجبة التطبيق، سواء كانت ناشئة عن الاتفاق ذاته أم عن مصادر أخرى مستقلة في القانون الدول.

ما المسؤولية القانونية التي يتحملها الطرف الذي يؤدي خرقه للاتفاق إلى انهياره واستئناف العمليات العسكرية؟

في ما يتعلق باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، فإن الطرف الذي يثبت إخلاله بالتزاماته لا يتحمل مجرد مسؤولية سياسية عن انهيار الاتفاق، وإنما تترتب عليه مسؤولية قانونية عن خرق الالتزامات التي تعهد بها، وعن الأفعال أو حالات الامتناع التي تمثل إخلالًا جوهريًا بالاتفاق، وما ينشأ عنها من انتهاكات وأضرار جسيمة، وفقًا للقواعد الدولية واجبة التطبيق. وبناءً عليه، فإن ثبوت إخلال سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالتزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، لاسيما إذا تعلق الخرق بالتزامات جوهرية وأدى إلى استئناف الأعمال العسكرية، يترتب عليه قيام مسؤوليتها عن هذا الخرق وما نجم عنه من نتائج وآثار جسيمة ولا تقف المسؤولية عند حدود مخالفة الاتفاق، بل تمتد، بحسب طبيعة الأفعال المرتكبة، إلى ما قد تشكله من انتهاكات للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وما يترتب عليها من مسؤوليات قانونية. وفي هذا الإطار، تُثار مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي أمام الجهات الدولية المختصة، كلٌّ في حدود ولايته واختصاصه، إلى جانب المساءلة الدولية من جانب الدول والأطراف الضامنة والمجتمع الدولي كذلك لا يجوز للاحتلال الإسرائيلي التذرع بأن الطرف الآخر أخل بالتزاماته لتبرير أفعاله أو إسقاط مسؤوليته عن الانتهاكات المخالفة للقانون الدولي، إذ تظل مسؤولية كل طرف قائمة عن أفعاله وانتهاكاته وعليه، فإن إخلال الاحتلال الإسرائيلي باتفاق وقف إطلاق النار، متى ثبت، يفتح باب المساءلة عن خرق الاتفاق وما ترتب عليه من انتهاكات وأضرار، ولا يجعل انهيار الاتفاق سببًا لانقضاء هذه المسؤولية أو الإعفاء من تبعاتها القانونية.

هل يمكن أن تترتب مسؤولية أو تعويضات عن الأضرار التي تقع نتيجة خرق اتفاق وقف إطلاق النار، ومن يملك صلاحية المطالبة بها أو تقريرها؟

نعم، يمكن من حيث المبدأ أن يترتب على خرق الالتزام الدولي جبر للضرر وتعويض عنه، باعتبار أن الدولة المسؤولة عن الفعل غير المشروع دوليًا تكون ملزمة بجبر الأضرار الناشئة عنه، وقد يأخذ ذلك، بحسب طبيعة الضرر والظروف، صورة إعادة الحال إلى ما كانت عليه متى كان ذلك ممكنًا، أو التعويض عن الأضرار القابلة للتقدير ماليًا.

وفي قطاع غزة، يبرز حجم الضرر بصورة استثنائية، في ظل ما لحق بالمساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية، بما في ذلك المستشفيات والمياه والصرف الصحي، فضلًا عن الدمار الهائل الذي خلّف أكثر من ( 70) مليون طن من الركام، حيث قدرت التقييمات المشتركة للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو ( 71.4 ) مليار دولار. ومن ثم، فإن إعادة إعمار قطاع غزة وجبر الأضرار الناشئة عن الأفعال غير المشروعة تندرج ضمن الآثار التي تثيرها المسؤولية الدولية متى ثبتت شروطها القانونية.

أما من حيث حق المطالبة، فإذا تعلق الأمر بمسؤولية دولة تجاه دولة أخرى، فإن دولة فلسطين تستطيع اللجوء إلى محكمة العدل الدولية ورفع دعوى ضد إسرائيل متى توافر أساس لاختصاص المحكمة، باعتبار أن اختصاصها النزاعي ينعقد بين الدول ولا يحول دون ذلك كون فلسطين لم تحصل على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، إذ إن وضعها كدولة غير عضو ذات صفة مراقب لا يمنعها من ممارسة حقوقها القانونية الدولية، متى توافرت شروط الاختصاص.

أما بالنسبة إلى المدنيين المتضررين، فيتيح نظام روما الأساسي للضحايا، وفق الشروط والإجراءات المقررة، المشاركة في الإجراءات أمام المحكمة الجنائية الدولية ومسائلة مرتكبي الجرائم بما في ذلك التعويض وجبر الضرر، متى توافرت الشروط القانونية لذلك. وعليه، فإن التعويض وجبر الضرر يظلان ممكنين من حيث المبدأ، سواء في إطار مسؤولية الدولة أم من خلال الآليات المقررة للضحايا، وتحدد الجهة المختصة ووسيلة المطالبة وفق الأساس القانوني والاختصاص المتاح والشروط الإجرائية اللازمة.

ما الالتزامات القانونية الواقعة على الدول التي قامت بدور الوسيط أو الضامن للاتفاق في حال أخل أحد الأطراف بالتزاماته؟

يقتضي تحديد المسؤولية القانونية للدول التي شاركت في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار التمييز، ابتداءً، بين الوساطة السياسية أو الدبلوماسية وبين الضمان للاتفاق؛ فمجرد قيام دولة بدور الوسيط لا يجعلها، من حيث المبدأ، مسؤولة قانونًا عن الخروقات التي يرتكبها أحد أطراف الاتفاق، إذ قد يقتصر دورها على تقريب وجهات النظر، ونقل الرسائل والمقترحات، وتسهيل التفاهم ومساعدة الأطراف على الوصول إلى الاتفاق وتنفيذه، دون أن تصبح طرفًا في الالتزامات الموضوعية التي أنشأها الاتفاق.

أما بالنسبة إلى الضامن، فلا يكفي إطلاق هذه الصفة سياسيًا لتحديد آثارها والتزاماتها القانونية، وإنما يتعين النظر إلى طبيعة الدور الذي قبلته الدولة والالتزامات التي ارتبطت به، وما إذا كان يشمل بذل المساعي الحميدة، أو المراقبة والتحقق، أو اتخاذ إجراءات محددة عند وقوع الخرق، أو المشاركة في آليات تنفيذ الاتفاق أو أصبحت طرفًا في ترتيب قانوني ملزم.

وفي ما يتعلق باتفاق قطاع غزة، فقد شاركت الولايات المتحدة وقطر ومصر وتركيا في جهود التوصل إلى وقف إطلاق النار، كما أُسند إليها دور الضمان في إطار ترتيبات تنفيذ الخطة. ومن ثم، فإن مسؤولية هذه الدول تُبحث في ضوء ما التزمت به كل منها في إطار هذا الدور، ومدى وفائها بالمهام والالتزامات المرتبطة به في متابعة تنفيذ الاتفاق والتعامل مع الخروقات.

وتبرز خصوصية الدور الأمريكي بصورة خاصة، نظرًا إلى دور الولايات المتحدة في هذا الإطار، ومساهمتها في صياغة الخطة التي أُبرم الاتفاق في إطارها، الذي أطلق عليه “اتفاق ترامب للسلام”، وتوليها دوراً بارزاً في ضمان تنفيذها. ومع ذلك، فإن تحديد المسؤولية القانونية لا يقوم على الدور السياسي للدولة وحده، وإنما على طبيعة الالتزامات التي قبلتها ومداها ومدى التزامها بها. وعليه، فإذا ثبت أن الدولة الضامنة قبلت التزامات قانونية محددة تتعلق بمتابعة تنفيذ الاتفاق أو المراقبة أو التحقق أو التعامل مع الخروقات، فإن مدى وفائها بهذه الالتزامات يصبح محل مساءلة، أما إذا لم يتجاوز دورها حدود الوساطة أو التيسير السياسي والدبلوماسي، فلا يمكن افتراض مسؤوليتها القانونية عن خرق يرتكبه أحد أطراف الاتفاق لمجرد مشاركتها في التوصل إليه.

إذا كانت دولة ضامنة تملك وسائل الضغط على الطرف المخالف لكنها لم تستخدمها فهل يمكن أن تنشأ عليها مسؤولية قانونية عن عدم ضمان تنفيذ الاتفاق؟

نعم، يمكن أن تثار مسؤولية الدولة الضامنة إذا ثبت أن امتناعها عن اتخاذ إجراء يفرضه عليها التزام قانوني محدد شكّل إخلالًا مستقلًا بهذا الالتزام، لاسيما إذا اقترن هذا الامتناع بمخالفة الدولة نفسها لالتزام أو قاعدة من قواعد القانون الدولي، بما في ذلك الالتزامات ذات الصلة بالقانون الدولي الإنساني، خصوصًا عندما تكون لديها القدرة على اتخاذ تدابير من شأنها الحد من الانتهاكات الجسيمة للقواعد الدولية أو منع استمرارها. فامتلاك الدولة وسائل ضغط سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو دبلوماسية لا ينشئ مسؤولية قانونية تلقائية، وإنما تُبحث هذه المسؤولية في ضوء ما يفرضه عليها دورها والتزاماتها الدولية من واجبات بالتحرك أو اتخاذ تدابير معينة عند وقوع الخروقات أو الجرائم الدولية أو الانتهاكات المخالفة للقواعد والاتفاقيات الدولية التي تكون الدولة طرفًا فيها. وفي كثير من الأحيان، قد تثار مسؤوليتها عن المساهمة في استمرار الفعل غير المشروع، فعلى مستوى المسؤولية الجنائية الفردية، فإن نظام روما الأساسي يقرر مسؤولية من يساعد في ارتكاب الجريمة أو يساهم في ارتكابها، متى اقترنت مساهمته بفعل أو مساعدة تتوافر فيها العناصر التي يحددها نظام روما والقانون الدولي الجنائي.

وفي حالة قطاع غزة، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول الضامنة التي أُسندت لها مهمة متابعة تنفيذ الترتيبات المرتبطة بوقف إطلاق النار والعمل مع الأطراف للحفاظ عليه، إلى جانب الدول البالغ عددها نحو (13) دولة، التي قامت بالتصويت لمشروع وقف إطلاق النار عام 2025 وتأييده. فالدول التي أيدت أو رحبت بقرار مجلس الأمن أو أعلنت التزامها بدعمه يمكن أن يكون لها دور سياسي ودبلوماسي مهم في الضغط من أجل احترام وقف إطلاق النار وتنفيذ القرار، وتتعدد وسائل الضغط التي يمكن للدول استخدامها، ما بين الاتصالات والمساعي الدبلوماسية، وتعليق أو تقييد التعاون العسكري أو الأمني، ووقف أو تقييد توريد الأسلحة والمعدات العسكرية، واتخاذ تدابير اقتصادية أو تجارية، وتعليق بعض أوجه التعاون، واستخدام الوسائل الدبلوماسية، بما في ذلك خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي أو تعليق بعض أشكال العلاقات والتنسيق.

وفي هذا السياق، قامت دولة فلسطين بدعوة مجلس الأمن والوسطاء، بصفتهم ضامني وقف إطلاق النار، إلى عدم الصمت إزاء الخروقات المستمرة، وإلى التحرك لضمان تنفيذ القرار 2803 ورفع العوائق أمام المساعدات الإنسانية، وهو ما يعكس أن مسألة دور الضامنين في مواجهة الخروقات أصبحت جزءًا من الواقع العملي لتنفيذ الاتفاق.

ما الأثر القانوني لأي قرار صادر عن مجلس الأمن بشأن وقف إطلاق النار على التزامات الأطراف، وهل يجعل خرق الاتفاق خرقًا لالتزام دولي أوسع؟

إن صدور قرار عن مجلس الأمن بشأن وقف إطلاق النار يترتب عليه إنشاء التزامات دولية إضافية إلى جانب الالتزامات التي أنشأها الاتفاق نفسه، وذلك بحسب مضمون القرار وصياغته والأساس القانوني الذي صدر بموجبه وطبيعة الأحكام الواردة فيه وفي هذا الإطار، نصت المادة (25) من ميثاق الأمم المتحدة على التزام الدول الأعضاء بقبول وتنفيذ قرارات مجلس الأمن وفقًا للميثاق، ومن ثم، فإن مخالفة حكم من الأحكام التي يرتب عليها القرار التزامًا واجب التنفيذ قد تثير مسؤولية مستقلة عن المسؤولية الناشئة عن خرق اتفاق وقف إطلاق النار.

وفي ما يتعلق بقطاع غزة، فإن قرار مجلس الأمن رقم 2803، المعتمد في 17 نوفمبر 2025، أيد الخطة الشاملة المتعلقة بإنهاء النزاع في القطاع، وأقر قبول الأطراف بها، ودعا إلى تنفيذها بالكامل، بما في ذلك الالتزام بالحفاظ على وقف إطلاق النار. بذلك، أصبح الاتفاق محاطًا بإطار دولي أوسع، ولم تعد التزامات الأطراف مرتبطة بالترتيب التفاوضي وحده، وإنما أصبحت ترتبط أيضًا بما قرره مجلس الأمن في حدود ما أوجبه القرار. بالتالي، فإن خرق وقف إطلاق النار في غزة قد يرتب أكثر من مستوى من المسؤولية؛ فقد يمثل إخلالًا بالاتفاق ذاته، وقد يشكل في الوقت نفسه مخالفة لالتزام دولي آخر ناشئ عن قرار مجلس الأمن، متى كان الحكم المعني واجب التنفيذ، فضلًا عن احتمال انطواء الفعل نفسه على انتهاك لقواعد مستقلة من قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

وتتضح أهمية ذلك بصورة أكبر في ظل ما شهدته حالة وقف إطلاق النار في قطاع غزة من خروقات وأعمال عنف تطلبت من مجلس الأمن مواصلة مدى تنفيذه خلال عام 2026، وما رافق ذلك من استمرار الأزمة الإنسانية، الأمر الذي يطرح مسألة مدى التزام سلطات الاحتلال الإسرائيلي ليس فقط بما تضمنه اتفاق وقف إطلاق النار، وإنما أيضًا بما رتبه الإطار الدولي القائم من التزامات وقرارات. وعليه، فإن خرق اتفاق وقف إطلاق النار يشكل انتهاكاً للاتفاق بذاته وإخلالًا بالتزام ناشئ عن قرار مجلس الأمن، وانتهاكًا لقاعدة مستقلة من قواعد القانون الدولي، بما يرتب على الاحتلال الإسرائيلي مسؤوليات قانونية متعددة، ويُوسع نطاق المساءلة على هذه الانتهاكات.

في حال انهيار الاتفاق، ما الجهات الدولية المخولة بالنظر في المسؤولية الناتجة عنه، وما الفرق بين اختصاص مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية؟

لا توجد جهة دولية واحدة تختص تلقائيًا بجميع النتائج القانونية المترتبة على انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، وإنما يتحدد المسار الدولي وفقًا لطبيعة المسؤولية ومصدر الالتزام والجهة المسؤولة والأساس القانوني للاختصاص وبالنظر إلى طبيعة الانتهاكات التي قد تنشأ عن خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، فإن أكثر من مسار دولي يمكن أن يكون مطروحًا للمساءلة، مع اختلاف وظيفة كل جهة واختصاصها.

فمجلس الأمن لا يفصل قضائيًا في مسؤولية الدول ولا يحاكم مرتكبي الجرائم، وإنما يضطلع، بموجب ميثاق الأمم المتحدة، بالمسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، وله، في حدود صلاحياته، اتخاذ القرارات والتدابير اللازمة للتعامل مع ما يهدد السلم والأمن الدوليين ومتابعة تنفيذ قراراته الملزمة. ولذلك، يمكن للمجلس التعامل مع خرق وقف إطلاق النار من زاوية حفظ السلم والأمن الدوليين، ومتابعة تنفيذ قراراته، واتخاذ ما يملكه من تدابير، دون أن يحل ذلك محل الوظيفة القضائية لمحكمة العدل الدولية.

أما محكمة العدل الدولية، فإذا تعلقت المسألة بمسؤولية دولة عن خرق التزام دولي، فهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة والمختص بالمنازعات القانونية بين الدول، متى توافر أساس لاختصاصها ولا تنشأ ولايتها لمجرد وقوع الخرق أو نشوء النزاع، وإنما تستند إلى أساس قانوني، سواء من خلال قبول الدول المعنية أم بموجب نص قانوني أم اتفاقي يمنحها الاختصاص كما تملك المحكمة، بموجب المادة (41) من نظامها الأساسي، إصدار تدابير مؤقتة ملزمة للأطراف التي توجه إليها. وعلى ذات السياق، فإن المحكمة الجنائية الدولية، ينصرف اختصاصها إلى المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية التي تدخل في نطاق نظام روما الأساسي، ومنها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، متى توافرت شروط الاختصاص وأركان كل جريمة.

وعلى مستوى محكمة العدل الدولية، وبالنظر إلى الحالة الفلسطينية، كانت قد قررت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة في 5 فبراير 2021 أن الاختصاص الإقليمي للمحكمة في الحالة في فلسطين يمتد إلى قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ثم أعلن المدعي العام فتح التحقيق رسميًا في 3 مارس 2021، بعد أن كانت دولة فلسطين قد أحالت الحالة إلى المحكمة في 22 ماي 2018.

كذلك ما جاء في القضية المتعلقة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وهي الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، إلا أن فلسطين اتخذت إجراءً مباشرًا في إطار هذه القضية، فتقدمت في 31 ماي 2024 بطلب للحصول على إذن بالتدخل، وقدمت إعلان تدخل استنادًا إلى المادتين (62) و(63) من النظام الأساسي للمحكمة. وفي اليوم نفسه، أودعت دولة فلسطين إعلانًا تقبل بموجبه، بأثر فوري، اختصاص محكمة العدل الدولية في المنازعات المشمولة بالمادة (9) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

وفي ما يتعلق بقطاع غزة تحديدًا منذ بدء حرب الابادة الجماعية في السابع من أكتوبر -2023 أصدرت محكمة العدل الدولية أوامر بالتدابير المؤقتة في 26 جانفي 2024، و28 مارس 2024، و24 ماي 2024، تناولت فيها التزامات إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وشددت بصورة خاصة على حماية الفلسطينيين في قطاع غزة وتيسير وصول المساعدات الإنسانية. وبالتالي، فإن ما رافق خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة من أفعال وانتهاكات، وما يثار بشأنها من مسائل تتعلق بالقانون الدولي الإنساني وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، فضلًا عن الإخلال بالالتزامات الدولية وقرارات مجلس الأمن، لا ينحصر في مسار دولي واحد؛ إذ يمكن أن تتوزع المسؤولية بين مسؤولية الدولة أمام محكمة العدل الدولية، ودور مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن الدوليين ومتابعة تنفيذ قراراته، والمسؤولية الجنائية الفردية أمام المحكمة الجنائية الدولية، كلٌّ في حدود ولايته واختصاصه بما يتيح مساءلة الاحتلال الإسرائيلي أمام الجهات الدولية المختصة، كلٌّ وفق ولايته والأساس القانوني لاختصاصه.

حتى إذا اعتُبر اتفاق وقف إطلاق النار منهارًا، ما الالتزامات التي تظل مفروضة على أطراف النزاع بموجب القانون الدولي الإنساني، وهل يمكن الاستناد إلى انهيار الاتفاق لتبرير استئناف الأعمال العسكرية؟

إذا اعتُبر اتفاق وقف إطلاق النار منتهيًا أو منهارًا، فإن ذلك لا يعني انتهاء القانون الدولي الذي يحكم سلوك أطراف النزاع، ولا ينشئ فراغًا قانونيًا يسمح باستئناف الأعمال العسكرية دون قيود. وهنا يجب التمييز بين ما إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار لا يزال قائمًا أو تم تعليقه أو انتهى وفقًا لشروطه والقواعد المنطبقة؛ وبين القواعد القانونية التي تحكم أي أعمال عدائية مخالفة للقانون الدولي. فانتهاء الاتفاق لا يحسم بذاته مدى مشروعية تلك الأعمال ولا يعفي الأطراف من القواعد الدولية الواجبة التطبيق.

مقالات ذات صلة