احتقارٌ للبحث العلمي!
تؤكّد التقارير والأرقام المتعلقة بالبحث العلمي في بلداننا العربية المتخلّفة ودول أخرى تقدِّس العلم والعلماء أن البون لا يزال شاسعا جدا بين الطرفين؛ يكفي فقط أن نذكر أنّ تقريرا لليونسكو صدر في أكتوبر 2015 أكّد أنّ ما أنفقه العربُ مجتمعين على البحث في سنة 2013 لم يتجاوز 15 مليار دولار من أصل إنفاق عالمي إجماليٍّ بلغ 1477 مليار دولار!
هذه الأرقامُ الصادمة تؤكّد أن جوهر مشكلة ضعف البحث العلمي في الوطن العربي يكمن أساسا في هزال ما تخصِّصه الأنظمةُ لهذا المجال الحسّاس الذي يشكِّل أولوية قصوى لدى الدول المتقدّمة لأنه يُعدّ ركيزة تقدمها وتطورها اقتصاديًّا وتيكنولوجيًّا وغزو أسواق العالم وبقائها في دائرة المنافسة الدولية.. دولٌ كثيرة استوعبت هذه الحقيقة البديهية التي لا يختلف حولها عاقلان، عدا البلدان العربية التي لا تزال تدير ظهرها للبحث العلمي ولا تنفق عليه غير الفُتات غير عابئة بأنّها بذلك تحكم على أوطانها بالغرق في المزيد من التخلّف والبؤس والحرمان.
المشكلة إذن تكمن في الأنظمة العربية التي تحتقر العلم والعلماء، وليس في جفاف العقول العربية وعجزها عن الإبداع والابتكار والمنافسة العلمية والمعرفية، بدليل أنّ الكثير من الكفاءات العربية في شتى الاختصاصات تنبغ في الخارج لأنها تجد البيئة المناسِبة للبحث والابتكار، فتضطرُّ إلى هجرة أوطانها الطاردة للعلماء والأدمغة، والأمثلة أكثر من أن تُحصى، ولعلّ أبرزها العالم الجزائري الفذّ بلقاسم حبّة الذي عاد مرّة من الخارج وحاول تقديم خبرته العلمية كمخترع كبير لبلده، لكنّ البلاد اكتفت بتوظيفه أستاذا في جامعةٍ بالجنوب ولم تكترث باختراعاته وابتكاراته ولم تمنحه حتى سكنا قريبا من الجامعة، فتعب من كثرة التنقُّلات اليومية، وسئم من جفاف مناخ البحث بالبلاد، وهُزال أجور الباحثين، فعاد إلى الولايات المتحدة ونبغ هناك وحصل على 1500 براءة اختراع، كان يمكن أن يفيد بها بلده لو وجد الاهتمام اللازم بالبحث والعناية بالباحثين.
في الجزائر الآن 105 جامعات ومركز جامعي، و1500 مخبر بحث يشتغل فيها 16 ألف أستاذ باحث، ولكنّ نتائج أبحاثها لا تزال غير مؤثرة في الواقع، ولا تزال الجامعة بعيدة عن الواقع الاقتصادي، كما أنّ البلاد لا تملك أيّ تصوّر واضح لتطوير البحث العلمي، ويكفي فقط أن نذكر أنّها وضعت في سنة 1998 “خطة خماسية للبحث العلمي والتطوير التيكنولوجي: 1998- 2002” شملت 36 مجالا للبحث، لكنّ السنوات الخمس انقضت، ولم نرَ أثرا ملموسا لنتائج هذه “الخطّة الخماسية” على أرض الواقع، ولم نسمع بعدها بخطّةٍ مشابهة إلى حدّ الساعة؟!
بعد مرور قرابة 60 سنة من الاستقلال، من غير المعقول أن يبقى الوضعُ يراوح مكانه وأن لا تضع البلاد أيَّ خطَّةٍ واضحة لكيفية تطوير البحث العلمي كباقي دول العالم التي كانت متخلفة مثلنا وتطوّرت ومنها تايلندا وتركيا ورواندا… وأن لا تكترث بتحسين ترتيب جامعاتها التي لا تزال تحتلّ ذيل ترتيب الجامعات في العالم، ولا باستمرار نزيف الأدمغة المهاجِرة، ولا بتحسين ظروف الباحثين الباقين ببلدهم؛ إذ لا يتقاضى أحسنُهم في سنة كاملة ما يتقاضاه لاعبُ كرة في شهر أو مغنّيةٌ في سهرةٍ واحدة، وقد لخّص وزيرٌ سابق للتعليم العالي مدى الاستهتار بالبحث والباحثين حينما تجرّأ على التصريح مرّة، وبلا خجل أو حياء، أنَّ البلاد ليست بحاجة إلى باحثين وعلماء يحصلون على جوائز نوبل؟!