العالم
في ظل تراكم الاحتجاج الشعبي والتعبئة الواسعة لتظاهرة 6 أكتوبر

 احتقان غير مسبوق.. المخزن إلى أين؟

عبد السلام سكية / محمد مسلم / عبد الحميد عثماني
  • 14336
  • 0

تشكّل الذكرى الأولى للعدوان الصهيوني الهمجي والوحشي على قطاع غزة منعطفا في حياة النظام المغربي، لأن هذه المحطة تذكّر الشعب المغربي بخيانة وعمالة القصر العلوي الذي باع العرض والشرف مقابل لا شيء. باع فلسطين من أجل الحصول على دعم من قبل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية إمعانا في الاعتداء على شعب أعزل هو الشعب الصحراوي، ومع ذلك لم يحصل على هذا الدعم، وتحول إلى أضحوكة لدى العالم أجمع ومسخرة لدى الشعوب العربية والإسلامية الداعمة لشعب فلسطين والتواقة إلى الحرية.

طبّع مع الكيان ومع ذلك لم يعترف هذا الكيان بمغربية الصحراء (خرائط نتنياهو المتكررة). وها هو اليوم في مواجهة الشعب المغربي الذي سيخرج بالملايين يوم السادس من أكتوبر الجاري، ليقول للملك وحاشيته نحن نجدد المطالبة بوقف التطبيع وقطع العلاقات مع تل أبيب، أنتم لا تمثلوننا ولا تعبرون عن طموحاتنا، ببساطة، لأنكم فرطتهم في القضية وبعتم الشرف، ومن ثمّ، فنحن حلّ من بيعتكم التي لم تحصلوا عليها منا وتزعمون كذلك.

أكثر من 100 مليار دولار ديون والحكومة في قبضة رجل أعمال
هذا حولت المَلَكية المغرب إلى دولة على حافلة الإفلاس

محمد مسلم
تأتي الذكرى الأولى للعدوان الصهيوني الهمجي والوحشي على قطاع غزة وعموم فلسطين المحتلة، لتعيد إلى الواجهة موقف النظام المغربي المخزي من القضية الفلسطينية، وتراكم فشل الملكية في مواجهة تطلعات الشعب المغربي الذي لا يختلف عن طموحات بقية الشعوب العربية.

ويعتزم الشعب المغربي نفض غبار الذل عن بلاده بسبب المواقف المتخاذلة بل المتواطئة من قبل النظام العلوي الذي باع العرض والشرف لكيان لقيط ومنبوذ، من خلال المظاهرات المليونية التي يحضر لها في مختلف المدن المغربية في السادس من شهر أكتوبر تضامنا مع إخوانه في كل من فلسطين ولبنان.

ومن شأن هذه المظاهرات أن تعرّي خيانة النظام العلوي في الرباط والذي عجز حتى التضامن المعنوي مع أطفال ونساء وشيوخ غزة، بقطع علاقاته مع الكيان الصهيوني، ببساطة، لأن الملك الغائب دائما، محمد السادس وحاشيته أجبن من أن يقدموا على قرار من هذا القبيل، لأن القرار يأتيهم من تل أبيب ولا يصنع في الرباط.

هذا المعطى أصبح الشعب المغربي يدركه جيدا مع تراكم خيبات الملكية على مختلف الأصعدة، في ظل عجز النظام عن مواكبة ما يحتاجه المغربيون من أبسط حاجياتهم اليومية من قوت وعمل، أما ضحايا زلزال الحوز، فلا يزالون يعيشون في العراء والجوع بالرغم من مرور سنة على مأساتهم، متسائلين عن مصير المساعدات التي تلقتها بلادهم من أجل مواجهة الكارثة والتي يبدو أنها ذهبت إلى جيوب من استلموها.

كما أن تفشي ظاهرة الفساد في دواليب القصر ومحيطه وغياب الحكامة في التسيير، ومحدودية الإمكانات والموارد الطبيعية للملكة المغربية، زاد من حدة الأزمة الاقتصادية التي تنخر البلاد، التي أصبحت عاجزة عن توفير الأكل للشعب المغربي، بسبب تجاوز المديونية سقف الـ100 مليار دولار، وهو رقم مخيف بالنسبة لاقتصاد ضعيف في دولة مثل المملكة المغربية.

وبهذا الصدد، أفادت صحيفة “الاتحاد الاشتراكي” في عددها الصادر الأسبوع المنصرم، بأن حجم الدين الإجمالي في المغرب بلغ 1010 مليارات درهم (أي حوالي 101 مليار دولار أمريكي) في عام 2024، مقابل 951 مليار درهم (95.1 مليار دولار أمريكي) في عام 2022 و885 مليار درهم (88.5 مليار دولار أمريكي) في عام 2021.

كما أشار التقرير الشهري الصادر عن “المديرية العامة للخزينة” المغربية، إلى أن الدين الداخلي للمغرب بلغ، حتى نهاية شهر أوت المنصرم، 753 مليار درهم (أي حوالي 75.3 مليار دولار أمريكي)، بزيادة بلغت 6.9 بالمائة مقارنة بمستواه في نهاية ديسمبر من العام الماضي، وهي أرقام خيالية يصعب على اقتصاد بحجم الاقتصاد المغربي، توفير السيولة من أجل سداد الديون وخدمات الديون، التي أرهقت كاهل المواطن المغربي.

ولم يصل المغرب إلى هذا المستوى من المديونية المخيفة، إلا بسبب فشل الحكومات المتتالية ولاسيما الحالية التي يقودها أغنى رجل في المملكة، عزيز أخنوش، الذي عجز عن إيجاد الحلول الناجعة للأزمة وارتمى في أحضان التمويل الأجنبي لتغطية عجز الميزانية وتوفير الأكل للشعب المغربي، خوفا من حدوث انتفاضة قد تأتي على النظام وتطيح بالملكية، التي نهبت أموال الشعب وأصبحت وبالا على البلاد.

وعلى الرغم من محاولات القصر تلميع المشهد السياسي بديمقراطية زائفة، عبر إبراز تسليم الحكومة لأحزاب تدعي المعارضة، إلا أن الجميع في المملكة المغربية يدرك أن القرارات الحاسمة لا تصدر عن عزيز أخنوش (رئيس الحكومة) ولا عن أي وزير من وزرائه مهما كانت خلفيته السياسية، وإنما عن القصر الشاغر من ملكه المريض المتفرغ للاستجمام في قصوره المترامية في منتجعات الغابون وزنجبار وفرنسا، ولعل البيان الذي أصدره ردا على زعيم حزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، الذي عبر عن رفضه للتطبيع، أبرز رد على من ينزهون الملكية من تحول المغرب إلى دولة فاشلة على حافة الإفلاس.

مدير وكالة المغرب الكبير للأنباء، فريد بوكاس لـ”الشروق”:
المغرب معرّض للانفجار في أي لحظة والخيانة قديمة

حاوره: عبد السلام سكية
يحلل مدير وكالة المغرب الكبير للأنباء، فريد بوكاس، الذي اشتغل كعميل لجهاز المخابرات المغربية الداخلية -المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني- الحراك الواسع من المغاربة ضد سياسات الملك وحكومته، لا سيما الارتماء في حضن الكيان الصهيوني. ويقدم بوكاس في هذا الحوار مع “الشروق” معلومات وافية عن الصراعات الحاصلة في القصر الملكي للاستفراد بالحكم، إضافة عن خلفيات توقيع اتفاق التطبيع مع دولة الاحتلال.

كيف تقرأ التحركات الشعبي الذي تعرفه المملكة منذ أشهر وازداد اتساعه بعد ارتماء المخزن في حضن الصهيونية؟

إن التحرك الشعبي الذي يعرفه المغرب، ناتج عن التضخم الجد المرتفع، وارتفاع الأسعار في المواد الأساسية الأمر الذي أثر بشكل مباشر لا على الطبقة الفقيرة فحسب، وإنما حتى على الطبقة المتوسطة التي اختفت نهائيا والتحقت بالطبقة الفقيرة حيث هذه الأخيرة ـ الطبقة الفقيرة ـ التحقت بالطبقة التي تعيش تحت خط الفقر.

على هذا الأساس ارتفع عدد الفقراء في المغرب، الشيء الذي ساهم بشكل مباشر في ارتفاع الجريمة من سرقة، نصب واحتيال، الآن المواطن المغربي يريد أن تعيش بأي شكل من الأشكال.

كما أن هذا الارتفاع في الأسعار بسبب ما ذكرته سالفا، ناهيكم عن المديونية التي فاقت 125 مليار دولار، جعل كل هذا الشعب المغربي بركانا قد ينفجر في أية لحظة، والدليل على ذلك ما نراه على شاشات الأخبار من احتجاجات في كل القطاعات العمومية من صحة وتعليم.

المغرب يتجه نحو الإفلاس بعدما أن تم نهب ثروات البلاد من طرف العائلة الحاكمة وبعض المقربين والمستنفعين.

أما ارتماء المخزن في حضن الصهيونية، فذلك ناتج عن سياسة حماية العرش، حيث إن دولة خليجية حاولت اختراق القصر، وكادت أن تفلح في الانقلاب على النظام المخزني، ولما شعر المخزن بالخطر الذي يحدق بالحكم، أبى إلا أن يعيد علاقاته ـ صاغرا ـ معها، حيث قام المخزن بالتوقيع على التطبيع، مستغلا في ذلك حزب العدالة والتنمية الذي لم يكن على علم بما يجري في دهاليز قصر تواركة.

وفي العلاقات الدبلوماسية، كما هو معروف في السياسات الدولية، أن الوزراء هم من يوقعون هذا النوع من الاتفاقيات، لكن ما حدث في المغرب كان عكس كل ذلك، حيث تم التوقيع على الاتفاقية من الجانب الإسرائيلي وزير الخارجية، بينما من الجانب المغربي وقع رئيس الحكومة آنذاك سعد الدين العثماني، ولم يوقع ناصر بوريطة، لأن هذا الأخير يترأس وزارة سيادية، وتفاديا لانتقاد الشعب للعاهل المغربي، تم اختيار رئيس الحكومة بصفته منتخبا.

وما حصل لعبة سياسية قذرة من أجل حماية العرش من التآكل والاستمرار في قمع الشعب وتفقيره، كما أن الدولة الخليجية المعنية استفادت كثيرا من هذه الاتفاقية التي أعتبرها صفقة مربحة لها، وذلك لحصولها على أصول مغربية من أراض وموانئ.

لماذا يصر المخزن على المضي نحو التطبيع، وهو بذلك يعاكس الموقف الشعبي الداعم لفلسطين والمقاومة؟

كما سلف الذكر، أن الملكية كانت على وشك الانهيار، ولم يجد النظام طريقا أو حلا من أجل الاستمرار في الحكم سوى التطبيع أو ما أسميه بالزواج العلني، حيث إن التطبيع ليس بحديث الولادة، بل يعود تاريخه إلى الستينيات من القرن الماضي، وعلينا ألا ننسى الخدمة التي قدمها الحسن الثاني للموساد الإسرائيلي، حين قام بتسجيل القمة العربية التي أقيمت بالدار البيضاء يوم 13 سبتمبر 1965، وهذه الخدمة قدمها الحسن الثاني هدية للموساد التي منحت معلومات سرية ومخطط المهدي بن بركة الذي كان يخطط للانقلاب على الحسن الثاني، وتم اغتياله في 30 أكتوبر 1965، يعني تقريبا بشهر بعد قمة الدار البيضاء، وقد صرح ضباط من الموساد الإسرائيلي بأنهم شاركوا في تصفية المعارض المغربي المهدي بن بركة، وهذا التصريح تناقلته وسائل الإعلام العبرية وحتى الفرنسية .

هل ينظر المغاربة إلى الملك بأنه خائن بسبب التطبيع؟

بالنسبة للخيانة، فالمغاربة دائما يعتبرون الملوك المغاربة بالخونة، وهذا ليس بجديد عن هؤلاء، فالمسمى السلطان عبد الحفيظ استقدم الفرنسيين لحماية حكمه، حيث إن المغرب كان في ذلك الوقت عبارة عن قبائل تحكم نفسها بنفسها ولا تخضع لأي سلطة مركزية، بل لم تكن تعترف بما سمي آنذاك بالسلطان، وبذلك اعتبر هذا الأخير المناطق غير الخاضعة لنفوذه، ببلاد السيبة، وتعني بلادا بلا قانون.

إذن، فالخيانة ليست بشيء جديد على هؤلاء، والمغاربة يعلمون بذلك جيدا، وكما قلت سابقا إن الحسن الثاني قام بتسجيل القمة العربية لصالح الموساد، وجاء الدور الآن على محمد السادس الذي باع المغرب بأرضه وبحره وجوه، وهذا ما أثار غضبا واسعا في أوساط الشعب المغربي بكل أطيافه وإديولوجياته وتوجهاته، والدليل على ذلك، ما لاحظناه من مسيرات في شوارع جل المدن المغربية، حيث حناجر الجماهير الشعبية اعتبرت التطبيع خيانة ويجب إسقاطه، وبالطبع أن محمد السادس كان المشرف الرسمي على توقيع الاتفاقية، فذلك يعني أن الجماهير في صيحاتها، كانت توجه أصبع الخيانة للملك مباشرة، لأنهم يعلمون علم اليقين أنه هو الحاكم الفعلي والمتحكم في زمام أمور الدولة من قضاء وأمن وسلطة عسكرية وتنفيذية ودينية..

كيف تتصور مصير هذا الغضب الشعبي ومآلاته؟ هل يمكن أن يصل التحرك الشعبي إلى حد إنهاء الملكية في المغرب؟

صراحة الشعب المغربي واع بما يحاك به أو يحيط به، لكن وازع الخوف والرعب، وهي سياسة النظام المخزني التي ينهجها منذ عهد السلطان إسماعيل الذي بنى جدار عاصمته (مكناس) بجثث العمال الذين كانوا يلقون حتفهم بسبب الأعمال الشاقة، هو سبب تأخر قيام ثورة شعبية جماهيرية للإطاحة بالملكية، لأن هذا النظام لا يعرف ما معنى الرحمة، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، في أثناء انتفاضة الدار البيضاء، أو ما أطلق عليها بانتفاضة الكوميرا في 20 جوان 1981، أعطى الحسن الثاني تعليماته لإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، ما أدى إلى استشهاد ما يزيد عن 1000 مواطن.

لكن هذا لا يعني أن مغاربة اليوم هم مغاربة الثمانينيات، قد ينفجر الوضع في أي لحظة، حيث هناك نوع التوعية الفكرية والسياسية، وكذا الكثير من عملاء أجهزة أمن الدولة يشاركون الشعب المغربي معاناته في صمت، لكن حين سيتحرك الشارع المغربي، فإني على يقين أن هؤلاء العملاء أو الضباط سيكونون في صف الشعب وليس مع الملكية، لأنهم ذاقوا وأهلهم ما ذاقوا وقد وصلوا إلى نقطة لا الرجعة فيها، إنها مسألة وقت ليس إلا.

وقبل ذلك، أين هو الملك هل هو غائب عمدا أم مغيب، ومن يتحكم في دواليب الحكم؟

الملك ليس غائبا رغم مرضه المستعصي، بل هو من اختار أن يبقى بعيدا عن الأنظار، حتى لا يتم اتهامه بشيء ما من طرف المواطنين، على سبيل المثال، إن قام المواطن المغربي يسب الملك، فلا يتم اعتقاله، لكن في المقابل إن انتقد وزيرا يتم متابعته قضائيا.

هذا، يعني أن هناك مرحلة انتقالية للحكم، والنظام يريد لهذا الانتقال أن يكون من دون مشاكل، لذا التجأ إلى مثل هذه السياسة، حتى يروج للمغاربة بأن الملك إنسان رحيم ولا يهتم بمن يسبه أو ينتقده، بل الوزراء الذين تم انتخابهم من طرف المغاربة هم من يرفعون دعاوى قضائية ضد كل من انتقدهم.

إنها سياسة التخدير والتدجين، لأن الملك هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء، والجلسات تفتتح باسمه في المحاكم وترفع باسمه، والأحكام تصدر باسمه، إذا، ليس هناك غياب للملك، بل يمكن القول إن هناك سياسة ما يطلق عليه باللهجة المغربية “الملك زين واللي دايرين به هواللي خايبين” يعني الملك جيد، أولئك المحيطون به هم الخبثاء..

هل تتصور خروج الخلافات بين العصب إلى العلن، وما شكل الحروب التي تتم بينهم؟

من خلال تجربتي المتواضعة سواء في معاملتي المباشرة مع القصر أم بصفتي عميلا سابقا في المخابرات الداخلية، أو ما يطلق عليها بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، أقول بكل أمانة، إنه ليس هناك عصب، بل هناك عصابات تخدم مصالح النظام المخزني، لأنها تستنفع من هذه الخدمات، وأطلق عليها بالعصب الاسترزاقية، سواء أكانت أحزابا سياسية أم نقابات عمالية أم تعليمية أم صحية.

العصب الحقيقية هي تلك التي تشتغل في الخفاء، ولا تنتمي إلى أي جهة معينة، بل تتبنى فكرا تحرريا، ولن تكون هناك حروب بينها، لأنها تتبنى نفس الفكرة، وهي الإطاحة بالنظام الملكي، وهذه العصب مكونة من أطر تنتمي إلى كل مكونات المجتمع المغربي من أساتذة، عسكريين، أمنيين، قضاة… إلخ .

هنالك صراع بين المتنفذين في سرايا القصر؟

قبل جائحة كورونا، كان هناك صراع على الحكم وليس انتقادا، حيث شقيقات محمد السادس كن يفضلن أن ينتقل الحكم إلى شقيقهن رشيد، بدل ولي العهد الحسن، وكاد أن يتم تصفيته، المرة الأولى في ملعب القولف بدار السلام، التابع للقصر الملكي بالرباط، والمرة الثانية كان هناك مخطط لاغتياله عن طريق حادث سير، وهو في طريقه إلى الكلية التي كان يدرس فيها بمدينة بن جرير، لكن مخابرات القصر اكتشفوا هذه الخطة، وتم وضع ولي العهد تحت حراسة مشددة في القصر الملكي بمدينة سلا المجاورة للرباط، وتم نقل أستاذته للقصر حتى يتمكن من إتمام دراسته الجامعية، رغم أن مثل هذه الدراسات مجرد بروتوكول ليس إلا .

ولما اشتد الصراع على الحكم، تدخلت دولة أجنبية، وهي التي تحمي الملكية في المغرب، لحل النزاع على الحكم، وفرضت على الأسرة الحاكمة أن تقبل بالأمر الواقع، وبذلك سينتقل الحكم مباشرة إلى ولي العهد الحسن الثالث.

في قراءة لمسار الاحتجاجات المغربية وآفاقها.. محمد فاضل الهيط لـ”الشروق”:
لهذه الأسباب.. سيحسم الكيان الصهيوني خليفة محمد السادس

حاوره: عبد الحميد عثماني
يجزم المدير السابق للإذاعة الوطنية الصحراوية، محمد فاضل الهيط، بأن جميع المؤشرات الحالية تؤكد استحالة سيطرة المخزن على الوضع المتفجر، رغم ما يظهره من تحكم في الأمور. وفي حوار مع “الشروق” قال محمد فاضل الهيط إنه لأول مرة في تاريخ المغرب المعاصر، صار المغاربة يجاهرون صراحة في الأماكن العامة بانتقادهم لشخص الملك، بل يكثرون من “النكاة” عليه.

وتوقع المتحدث أن يسرّع الحراك الجاري، في حال تأطيره، بإرغام الملكية على تنازلات كبيرة في مرحلة أولى، للخروج لاحقا من الباب الواسع بالحفاظ على امتيازاتها كملكية تسود ولا تحكم. وبخصوص التساؤل عن اسم الملك القادم، في ظل تفضيل محمد السادس لابنه مقابل تشبث “الشقيقات” وطابور آخر كبير بالأخ الأصغر رشيد، يشدد المحلل على أن موقف الكيان الصهيوني سيكون حاسما في اختيار من يحكم المغرب.

تعرف المملكة المغربية خلال الأشهر الأخيرة تنامي الانتفاضة الشعبية، كيف تفسرون الوضع؟

المغرب يعيش منذ سنوات أزمة هيكلية لا تنفع فيها الترقيعات والمعالجات السطحية ولا مساحيق تجميل وجه نظام المخزن. لعل مصطلح “الهروب الكبير” وفيضان الانتفاضة والمظاهرات الذي أطلقته وسائل الإعلام الغربية على ما يحدث في المغرب مثل عملية الفرار لحوالي ثلاثة آلاف شخص مغربي يوم الخامس عشر من الشهر الماضي، وقبل ذلك عشرة آلاف أخرى سنة 2021 إلى الأراضي الإسبانية. هذه المظاهرات والفرار هي خير تعبير عن الواقع الجهنمي الذي يكتوي به المغاربة.

لمعرفة عمق الأزمة التي أنتجت الانتفاضة والمظاهرات و”الهروب الكبير” من مملكة صاحب الجلالة، يكفي الوقوف على أرقام حكومة المخزن:

-معدل فقر المغاربة انتقل من 1.2٪ سنة 2022 إلى  6.6٪ سنة 2023 و7.1% خلال النصف الأول من سنة 2024.

– متوسط معدل النمو في العام 2023 لم يتعد 2.5% مقابل 1.9 في العام 2022.

– تدمير حوالي 200 ألف فرصة عمل صافية خلال سنتين، فقد ارتفع معدل البطالة بالمغرب ما بين الفصل الثالث من سنة 2022 ونفس الفصل خلال سنة 2023 من 11.4٪ إلى 13.5٪، وبلغ عدد العاطلين مليونا و625 ألف شخص خلال الربع الثالث من عام 2023 والمليونين خلال النصف الأول من السنة الجارية.

– حسب الكنفدرالية المغربية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، فقد ارتفع إجمالي المقاولات المفلسة من 25 ألف مقاولة سنة 2022، إلى 33 ألف مقاولة مُفلسة في عام 2023.

– مغادرة حوالي 40 ألف شركة أجنبية للمغرب.

– ارتفاع المديونية العمومية إلى نسبة 90% من الناتج المحلي الإجمالي وهذا رقم صاروخي حيث تعد نسبة 60% هي الخط الأحمر، وبهذا أصبح المغرب ثاني دولة لها أكبر مديونية بعد مصر في إفريقيا.

– في مؤشر التنمية البشرية يحتل المغرب المرتبة 120 في التصنيف العالمي لسنة 2024.

من جهة أخرى، رهن المخزن بلاده للبنك الدولي وكبار المقرضين، وهذه السياسة رفعت مستوى الاحتقان الشعبي والمظاهرات، ومؤخرا فجرت لجنة حقوق الإنسان المغربية قنبلة بعد دراسة لها، كشفت أن حوالي 70% من الشباب المغربي ليس فقط مهيأ للهجرة، بل رجله على الركاب كما يقال لمغادرة المملكة عند أول فرصة.

المؤشرات تؤكد استحالة احتواء الوضع المتفجر حاليّا في المغرب، إلى أين يتجه في تقديركم هذا الغضب الشعبي الصاعد؟

صحيح، أن جميع المؤشرات تؤكد استحالة السيطرة على الوضع رغم ما يظهر بأن الأمور متحكم فيها، لقد أصبح واضحا أن كل طرق وأساليب المعالجة قاصرة عن إحداث تغيير حقيقي، لأنها ببساطة لا تستهدف ترقية المواطن المغربي وانتشاله من قاع الفقر المدقع  بقدر ما هي وسيلة تهدئة وضمادة لوجع مزمن. تصور معي ملك البلاد والعباد -لأن المغاربة مع الأسف ليسوا مواطنين، بل فقط رعايا- كل سنة يجود “ببركته” في شهر رمضان على الرعايا بما يعرف بقفة رمضان ثمنها ما بين 178 إلى 200 درهم كحد أقصى على خمسة ملايين من الفقراء المغاربة المغلوبين على أمرهم الذين جمعهم أعوان السلطة من مقدمين وشيوخ وقواد وباشوات من كل مناطق المغرب.

هل ستكفي هذه القفة لهؤلاء المساكين طوال شهر رمضان، بل هل ستسد جوعهم وحرمانهم من العيش الكريم بقية السنة. ألا يستحي النظام من نشر هكذا ثقافة التسول بين أوساط الشعب المغربي البئيس. بالمناسبة وحسب الإحصائيات يوجد ما بين 200 إلى 300 ألف متسول في المغرب وهو ما يعد رقما كبيرا إذا ما قورن بالبلدان العربية، اذ يحتل المغرب المرتبة الأولى عربيا.

كل هذا يجعل الوضع يخرج عن السيطرة، ومستحيل التحكم فيه، والقضية قضية وقت.

هل من الوارد تهديد التحرك الشعبي الحالي لمصير الملكية نفسها في المغرب؟

لا أعتقد أن ذلك يمكن أن يتم في الوقت الحالي، فربما يكون بداية، لكنه إذا وُجد من يؤطر هذا الحراك ويوجهه، إضافة الى عوامل أخرى، يمكن أن يسرع بإرغام الملكية على تنازلات كبيرة في مرحلة أولى مما يساعدها بعد ذلك على الخروج من الباب الواسع بالحفاظ على امتيازاتها كملكية تسود ولا تحكم. فالشرخ يتسع يوما بعد آخر بين الراعي والرعية.

لماذا يصر المخزن على المضي في طريق التطبيع مهما كلفه الموقف على المستوى الداخلي، وهل صار المغاربة اليوم ينظرون إلى القصر العلوي بعين الخيانة؟

المغاربة يعرفون أكثر من غيرهم خيانة الملوك العلويين لقضايا المغرب. فهؤلاء الملوك هم الذين باعوا البلاد “بدراجة هوائية” وأتوا بالحماية الفرنسية 1912، وهم الذين تآمروا على ثورة عبد الكريم الخطابي مع الإسبان والفرنسيين، ويكفي التذكير بتسليم الملك الحسن الثاني لتسجيلات ومحاضر القمة العربية إلى الكيان الصهيوني، والجيوش العربية وقتئذ تستعد لحربها مع إسرائيل سنة 1967 وهذا شيء لا ينكره أحد، واعترف به الصهاينة وذكره الصحفي المصري المعروف محمد حسنين هيكل في مقابلة له مع قناة الجزيرة. من هنا، القصر الملكي مصر على ألا يخالف سيرة آبائه وأجداده في الخيانة ولذا هو ماض في طريق التطبيع مهما كانت التكلفة لسبب واحد هو الرغبة في حماية العرش من غضب الشعب المغربي وثورته التي لا محالة آتية عاجلا أم آجلا، وخير ملاذ للأسرة الملكية في الوقت الراهن هو الكيان الصهيوني الذي وصلت أذرعه إلى التحكم في كل شاردة وواردة في المغرب إلى درجة إشرافها على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إضافة إلى تغيير مناهج التعليم والتربية بدون الحديث عن تسيير ومراقبة الأجهزة الأمنية المغربية، وفوق هذا وذاك يخشى العرش الملكي من تطورات الحرب في الصحراء الغربية ويمكن أن يكون لها من انعكاسات مباشرة على وعي الجيش المغربي الضحية الأولى لهذه الحرب وعلى الاقتصاد المغربي بتعميق أزمته الذي هو أصلا متأزم وفي الحضيض، كما يمكن أن نضيف إلى العقدة السرمدية تجاه التفوق الجزائري.

الكل يتساءل في خضمّ ما يجري داخل القصر العلوي والمملكة، أين هو محمد السادس؟ غائب أم مغيب؟ ومن يتحكم في دواليب الحكم؟ هل سيدفع ذلك، مع حالة الانفجار الشعبي، إلى خروج الخلافات بين مراكز القوى إلى العلن، وما شكل الصراعات المتوقعة حينها؟

إن المكائد والمؤامرات فيما بين المربع القريب من القصر كانت دائما هي السمة الأصل للوضع، بل أصبح الأمر أشبه بحروب أجنحة للوصول والتقرب من العرش. لكن العرش نفسه نتيجة لضعف الجالس عليه وغيابه المستمر عن البلاد، بل حتى عدم اكتراثه بالمسار الاقتصادي والاجتماعي الرديء والمتسارع نحو الهاوية من دون ذكر المعاناة التي يصرخ بها كل رعية من رعاياه. فهو غارق في اهتماماته الشخصية سواء جمع المال والإثراء على حساب الشعب المطحون – شراء القصور في فرنسا وزنجبار والكونغو وغيرها – أو ميولاته لإشباع غرائزه التي لا تخفى على أحد، الشيء الذي أدى إلى إضعاف هيبة “أمير المؤمنين”. كما أنه لا يواجه مشاكل البلاد وهو ذا سلطة مطلقة وفوق الدستور، وحسب مجلة “الإيكونوميست” قليلا، ما يتحدث للشعب ونادرا ما يتفاعل مع الأحداث السياسية والاجتماعية بشكل مباشر.

إن القصر الملكي في ظل محمد السادس تراجعت شعبيته على المستوى الوطني وربما لأول مرة في تاريخ المغرب المعاصر صار المغاربة يجاهرون صراحة في الأماكن العامة بانتقادهم لشخص الملك ويكثرون من “النكاة” عليه. هكذا صارت تتآكل الدعاية الرسمية القائلة بان “الملك ملك الفقراء لكن النخبة السياسية سراق”، وتفقد تأثيرها على العقول وتلكم هي بداية كسر حاجز الخوف عند المغاربة من غطرسة العلويين والدخول إلى مرحلة متقدمة من النضال لإسقاط ملكية القرون الوسطى.

إن المنافسة داخل القصر الملكي زادت من ضبابية المشهد، وزادت من حدة التساؤل عن اسم الملك القادم الذي سيحكم المغرب، لأن الملك يفضل ابنه، بينما الأخوات وطابور آخر كبير يريدون الأخ الأصغر رشيد، ويحاول كل طرف استقطاب “الأيادي الأمنية” التي تحكم المغرب في الخفاء.

صمت الملك وغيابه أدّى إلى بروز مربّع الحكم القديم وهو الذي يُمكن تسميته بـ”التحالف الأمني” المكوّن من أجهزة الأمن والمخابرات ورجال الأعمال المنتفعين من الاقتصاد الريعي وأصحاب المصالح من الساسة وكبار الموظفين في مؤسسات الدولة والذي أطلق عليه نقيب المحامين المغاربة محمد زيان الذي رمي به في السجن “شبكة الاستحواذ على الدولة”. من جهة أخري، الكيان الصهيوني سيكون حاسما في اختيار من يحكم المغرب نظرا لتغلغله الكبير داخل النظام المخزني، خاصة في عهد محمد السادس بحيث أن مستشار الملك الحالي الذي ورثه عن أبيه الحسن الثاني اليهودي أندري ازولاي هو من يدير فعلا حكومة الظل، وهو الذي نال “ميدالية الشرف الرئاسية” وتقلدها من يد الرئيس الصهيوني إسحاق هرتسوغ السنة الماضية.

إن لعبة مصالح الأجنحة الحاكمة في المغرب وعين إسرائيل التي تحاول ضبط عقارب ساعتها على ساعة القصر الملكي الخادم الطيع يصعب من مهمة التغير السريع في المغرب اللهم إلا إذا تدخل الجيش لإنقاذ البلاد ومسح عنه عار الإذلال الذي وضعه فيه الملك والضباط الإسرائيليون.

مقالات ذات صلة