احذروا فتنة الطّوائف يا شباب!
احتلّ موضوع الاعتداءات التي تعرّض لها عدد من الأئمّة في مناطق مختلفة من الوطن، حيّزا هاما في الأخبار والتحليلات التي شغلت وسائل الإعلام المحلية خلال الأيام الماضية، وقد كان لافتا أنّ عدد الشّكاوى التي أودعها الأئمّة على خلفية الاعتداءات والمضايقات التي تعرّضوا لها بلغ 600 شكوى في الآونة الأخيرة، حسب بعض الإعلاميين، كانت وراءها جهات مختلفة، تعدّدت مشاربها ودوافعها، لكنّ النتيجة كانت واحدة، هي إهانة فرسان المنابر في بيوت كان يفترض أن تصان عن اللّغط فضلا عن تعنيف من يفترض أن يلقوا الاحترام والتقدير في كلّ مكان، وليس في المساجد فحسب.
ربّما لا نستغرب كثيرا أن يتعرّض الأئمّة للاعتداء من طرف بعض المجانين ومتعاطي الخمور وأصحاب السوابق، ولم نعد نستغرب أيضا أن يقع الصّدام بين الأئمّة وأعضاء بعض الجمعيات الذين يريدون أن يتخذوا من انتمائهم إلى اللّجان الدينيّة سلما إلى تحقيق مآرب شخصية.. لكنّ الغرابة تبلغ مداها عندما يتعرّض الأئمّة للتّعنيف والضّرب والسبّ من طرف شباب من رواد المساجد يزعمون الانتساب إلى “سلفية” تؤصّل لهم طاعة أولي الأمر في المنشط والمكره، وتحرّم عليهم الجهر لهم بالنّصيحة وتأليب النّاس عليهم! لكن يبدو أنّ أئمّة المساجد مستثنون من قوائم أولي الأمر التي تختصّ عند هؤلاء “السلفيين” بالحكّام والساسة الذين لا يرفعون لدين الله رأسا!
بلاء عظيم، هذا الذي بليت به أمّة الإسلام؛ بلاء التفرّق والتشرذم والاختلاف، وتكاثر الطّوائف والجماعات، التي مهما كانت عقائدها مخالفة للمنقول والمعقول، فإنّها تجد لها أتباعا بين شباب المسلمين الذين زهدوا في طلب علوم الشّرع بل وفي تعلّم ما يلزمهم تعلّمه من أمور دينهم؛ فكانوا فريسة سهلة لدعاة الطّوائف الذين يمارسون شتى صنوف التّغرير والتلبيس ليكسبوا لهم أتباعا بين شباب الأمّة المغلوبين على أمرهم. ولعلّ فتنة هذه السلفية الجديدة التي تسمّى “السّلفية المدخليّة” هي واحدة من أعظم الفتن التي تعانيها أمّة الإسلام في هذا الزّمان، بعد فتنة الإلحاد وفتنة التّنصير وفتنة العلمانية، وفتنة الأحمدية، وفتنة التشيّع؛ “سلفية” لم يعرفها السّلف ولا عرفها التّابعون لهم بإحسان؛ تُجرّئ أتباعها على العلماء العاملين والدّعاة الجادّين، وتحرّضهم على المسلمين الغيورين على دينهم السّاعين لاستعادة مجد أمّتهم بحجّة أنّهم حزبيون وقطبيون وحركيون، وتستبيح غيبتهم ووصفهم بكلّ الأوصاف الكاذبة المنفّرة، وفي المقابل تغضّ الطّرف عن العلمانيين وتلزم الصّمت إزاء زحفهم الممنهج على عناصر الهوية في بلاد المسلمين.. سلفيّة مدخليّة تغري الرّعاع والجهلة من أتباعها بالطّعن في أئمّة المساجد واستباحة غيبتهم وانتقادهم والوقيعة فيهم لأتفه الأسباب.. وقد بلغ البؤس بالأتباع المدفوعين أنّك تجد الواحد منهم لم يتجاوز المرحلة الإكمالية في دراسته وربّما المرحلة الابتدائية، لا يفرّق بين الفاعل والمفعول به، ولا يحسن كتابة جملة واحدة من دون أخطاء إملائيّة، ومع ذلك لا تكاد تسمعه إلا وهو يتحدّث عن أئمّة المساجد، يخطّئهم ويصمهم بالجهل وربّما يصنّفهم مبتدعة تجوز غيبتهم ويجب التّحذير منهم!.. يريد المسكين أن يصنع لنفسه مكانة على أكتاف الأئمّة والدّعاة.. والعجيب في الأمر، أنّك تجده في مقابل جرأته على أئمّة المساجد وعلى الدّعاة، خانعا مطئطئا رأسه أمام أرباب الخمور والمخدّرات.
سلفية مدخليّة، تعظّم الخلاف المبنيّ على مسائل الاجتهاد، ويثير أتباعها الفتن والقلاقل والمحن في بيوت الله وفي المقابر لأجل مسائل خلافية أشبعها علماء المسلمين بحثا، وأقرّ المحقّون منهم بأنّها من المسائل التي لا يجوز فيها التنازع، وأنّ من عمل بوجه منها فهو مأجور بإذن الله، وأوصوا بلزوم ما عليه الإمام وجماعة المسلمين، لكنّ هؤلاء الشّباب يسعون في إيهام الأمّة أنّ الخلاف في هذه المسائل قد حسم، وأنّ الحقّ فيها هو ما رجّحه العالم الفلانيّ المعاصر، وأنّ السنّة هي فقط ما اختاره ذلك العالم، وما خالفه فهو في أقلّ أحواله خلاف للسنّة، ينبغي أن ينكر على صاحبه.
أثاروا في بيوت الله الفتن والقلاقل لأجل تحية المسجد وقت الكراهة، وأثاروها لأجل وقت صلاة الفجر، بل وبلغ الأمر ببعضهم إلى حدّ إعادة صلاة الصّبح.. وأثاروا القلاقل لأجل دعاء القنوت في صلاة الفجر، ولأجل جلسة الاستراحة، ويثيرون في واقع النّاس لغطا وجدالا لا ينتهي بسبب تحريم التّصوير وإسبال الإزار وجواز الأخذ من اللّحية وجواز إخراج زكاة الفطر نقدا من عدمه.
منهج منكوس لا يرتضيه عاقل ولا مسلم يخشى الله والدّار الآخرة؛ حمل بين طياته بذور فنائه؛ وهاهم منظّروه ومريدوه ينقسمون جماعات وطوائف داخل الجماعة الواحدة.. فما تكاد تمرّ بضع سنوات حتى يُعمل مبضع التّجريح في أحد الدّعاة ويفتى بتركه، وترك كلّ من يصرّ على سماع كلماته أو قراءة كتاباته… وهكذا… صدق الله العليّ العظيم: ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)).. ولعلّه يكفي إخواني الشّباب الذين يريدون أن يقفوا على الحال المزرية التي وصلت إليها هذه السلفية أن يدخلوا إلى منتديين من أشهر منتدياتهم على شبكة الإنترنت، للوقوف على ما وصل إليه الخلاف بين الطّوائف المنتسبة إلى السلفية، أولهما موقع “شبكة سحاب السلفية” المحسوب على السلفية المدخلية، ومنتدى “كلّ السلفيين” المحسوب على السلفية الحلبية، ولعلّ ممّا يجعل الحليم حيران، أنّ من يكتبون في هذين المنتديين يستدلّون بأقوال كبار علماء السلفية المعاصرة، الألباني وابن باز وابن عثيمين، وكلّ طرف من الطّرفين يدّعي جازما أنّ منهجه هو المنهج الذي يمثّل هؤلاء العلماء!.. لا شكّ أنّ كلّ شابّ مسلم طالب للحقّ، لم يتلوّث بهذه الحزبيات، عندما يطّلع على هذين المنتديين والمنتديات المشابهة لهما سيضع يديه على رأسه وربّما يضرب كفا بكفّ، ويقول جازما: “لا والله، ما هذا هو دين الله”.
إنّنا يا شباب الإسلام أمام سلفية تروّج– من حيث لم يشعر أتباعها- لفكر حظي بإعجاب كثير من مراكز الأبحاث الأمريكية، وأوصى بعضها بترويجه، كما حظي بمباركة العلمانيين وكلّ المخذّلين والمتواطئين مع أعداء الأمّة؛ فكر يبرّر الخنوع والاستسلام تحت شعار “ائذن لي ولا تفتنّي”، ويسوّغ للأمّة الرّضا باستباحة حرماتها واحتلال أراضيها، بدعاوى انتظار إذن الحاكم، وعدم وجود الاستطاعة، وغيرها من الدّعاوى!
ما يحزّ في النّفس أنّ هذا الفكر وما نجم عنه من فتن في أوساط أهل السنّة، كان سببا من أهمّ أسباب اغترار بعض المسلمين بالمذهب الشّيعيّ الذي يستغلّ دعاته بعض الفتاوى والكتب التي يصدرها علماء السلفية ودعاتها، وبعض الفتاوى التي تبرّر الاستعانة بالصليبيين وتدافع عن المتعاونين معهم، وتخذّل الأمّة عن قتال الصّهاينة والصليبيين، وتبرّر الصّلح مع اليهود بل ترغّب فيه، إلى غير ذلك من الفتاوى التي يستغلّها دعاة التشيّع ويعيّرون بها أهل السنّة، مع أنّ أهل السنّة يبرؤون منها ليلا ونهارا، ومع أنّ هذه الفتاوى المستشنعة، يوجد عند الشّيعة ما هو أشنع وأفظع منها بمراحل، كفتوى السيستاني المشهورة بمنع قتال الأمريكيين عند غزوهم الآثم للعراق، كما عند الشّيعة فتاوى أشدّ شناعة وفظاعة ممّا هو موجود عند مداخلة السلفيين، لكنّ دعاة التشيّع يُخفون ما عندهم ويظهرون ما عند السلفيين، ليُغروا أغيار الشّباب باعتناق مذهب التشيّع، مذهب اللّعن والطّعن والتّكفير واللّطم والتّطبير والمتعة والأخماس.
في نهاية المطاف، ومن باب العدل الذي أمرنا به، ربّما يحسن بنا أن ننبّه إلى حقيقة من الأهمية بمكان وهي أنّه ليس كلّ من أعفى لحيته هو من أتباع هذه السلفية المدخلية، وليس كلّ سلفيّ بالضّرورة تابعا إلى هذه الطائفة.. فالسلفية الإصلاحية كانت ولا تزال جزءًا من أمّة أهل السنّة، لا تنفصل عنها ولا تسعى في تفتيتها وإنّما تسعى للإصلاح فيها.. لأجل هذا لا ينبغي أبدا أن نعمّم فنظلم.. كلّ إناء بالذي فيه ينضح.. والسلفيّ المدخليّ هو ذاك الذي يستنكف عن كلّ عمل خيّر وعن كلّ ما يعود بالخير على المجتمع، وينشغل بالحديث عن العلماء والدعاة وبمناكفة أئمّة المساجد.. فلا يكاد يسلم منه عالم أو داعية أو إمام.. فإذا رأى شبابنا هذا الصّنف فليعلموا أنّه مفتون في دينه، وليحذروه.. ولا يعطوه أكثر من قدره، ربّما يكون كومة متنقّلة من الجهل فلا ينبغي أن ينادوه بـ”الشيخ” فضلا عن أن يسألوه في أمور دينهم.. إنّها رزية من أعظم الرزايا أن تجد شابا جامعيا يسأل شابا آخر لم يتجاوز المرحلة الإكمالية في دراسته، لا لشيء إلا لأنّ هذا الأخير قد أعفى لحيته.. فليتنبّه شبابنا وليعلموا أنّ العلم والفقه ليسا بالمظاهر والأزياء.
أخيرا، أوصي نفسي وأوصي إخواني وأحبابي الشّباب نصيحة مشفق، أوصيهم بالحذر من التعصّب لهذه الطّوائف.. أوصيهم بأن يكونوا مسلمين على الفطرة التي فطر الله عليها عباده، على دين الإسلام الذي كان عليه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وصحبه قبل ظهور هذه الجماعات والطّوائف.. ويحافظوا على فرائض دينهم، ويتقرّبوا إلى الله بما استطاعوا من نوافل العبادات، ويكونوا جزءًا من مجتمعهم يتعاونون معه على كلّ عملٍ خيّر، وأوصيهم بأن يوطّنوا أنفسهم على سلامة القلوب والصّدور لعباد الله المؤمنين، ويتعاونوا مع كلّ جماعة من الجماعات على ما عندها من خير ويجتنبوا ما عندها من خطإ، ويدعوا دائما وأبدا بهذا الدّعاء: ((ربّنا لا تجعل في قلوبنا غلا للّذين آمنوا)).. كما أوصي نفسي وأوصيهم بأن يهتمّوا بأمر أمّة الإسلام ويحزنوا لما يحيق بإخوانهم المسلمين ويدعوا لهم الله بالفرج والنّصر.
يا إخواني الشّباب! يوم القيامة لن يحشر الواحد منكم مع أيّ جماعة من الجماعات، ولن يحشر مع شيخه أو العالم الذي يتّبعه، ولن يسأل عن جماعته ولا عن شيخه، وإنّما سيحشر يوم القيامة فردا، وسيأتي الله وحده، ويسأل عن طاعته لربّه واتّباعه لنبيّه وعن سلامة قلبه من الضّغينة لإخوانه ((إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)) (مريم 93- 96).